Switch Mode

أعزائنا القرّاء، يسرّنا إعلامكم بأن ملوك الروايات يوفر موقعًا مدفوعًا وخاليًا تمامًا من الإعلانات المزعجة، لتستمتعوا بتجربة قراءة مريحة وسلسة.

لزيارة الموقع، يُرجى النقر هنا.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الحظ يفضل السقوط 06

مواهب شتى

مواهب شتى

1111111111

“أضعتِ النرد؟”
التفتت “سيفين” عن النافذة حيث كانت تراقب العواصف وهي تلوح في الأفق، لتجد “روي” يحدق بها في صدمة. كان الطقس قد ساء تماماً، وشعرت بامتنان لا يوصف لـ “مور” لأنه سمح لها بالبقاء في غرفة الضيوف لديه حتى موعد المحاكمة. ومع ذلك، كلما اقتربت الساعة، كان القلق ينهش أحشاءها—حتى مع وجود الرفقة. كانت الوجبة التي أحضرها لها “روي” لا تزال في زاوية الغرفة، لم تمسها يد.
أجابت أخيراً وهي تعود بنظرها إلى النافذة: “لم أُضِعهُ، بل تحطم”.
جادلها “روي” من خلفها قائلاً: “النرد يتحطم، لكنه لا يتلاشى هكذا ببساطة. لابد أنكِ فعلتِ شيئاً ما—سحرتهِ، أو لا أعرف.. شيء ما”.
فكرت “سيفين” بكآبة:’ ربما ليس الوقت مناسباً لأذكره بأنني فعلت ذلك من قبل‘. كانت الحقيقة أن النرد لا يتحطم فعلياً إلا عندما يصل إلى أقصى حدود استخدامه. وقد يعتمد ذلك بشكل كبير على نوع النرد؛ فبعضها قد يدوم لأجيال، وإن كانت تلك الأنواع مخصصة عادةً للنبلاء أو أباطرة المال. لكن هذا النرد لم يتحطم فحسب—لقد تحول إلى ضباب دقيق، ثم اختفى.
قالت: “لم أرمِه، إذا كان هذا ما تفكر فيه. لم يكن ليفعل شيئاً على أي حال—لقد كان نفس النرد من تلك الليلة. النسخة المطابقة تماماً. مجرد نرد ألعاب، وليس نّرداً سحرياً”.
أطلق “روي” زفرة ساخرة من فوق الأريكة خلفها بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج. “إذا كنتِ تتدربين من أجل المحاكمة، فعليكِ إيجاد طريقة أفضل لشرح ما حدث”.
ردت “سيفين” وهي تلتفت لتراقب صديقها: “لن أشرح ذلك. لن أتطرق للأمر على الإطلاق. سيقولون إنني مجنونة”.
أمال “روي” رأسه يمينا وشمالا كأنه يدرس الفكرة، وحاولت “سيفين” ألا تبحث عن شيء لتقذفه به. قال: “إنه ليس دفاعاً سيئاً في الواقع، الجنون. يفسر الكثير من القرارات التي اتخذتهاِ في—مهلاً!”. كتم صوته فجأة عندما طارت إحدى وسائد “مور” لتصطدم بوجهه. “أنا فقط أقول إنه دفاع جيد”.
اندفعت قائلة بحدة: “حسناً، لولا الحظ لما كنتَ ممثلي القانوني. الأمر ليس مضحكاً”. صمت “روي” عند ذلك، وعادت “سيفين” للنافذة. قالت بضحكة مكتومة مريرة: “النفي. لشيء لم أفعله حتى. ربما… ربما يجدر بي الرحيل فقط”.
ساد الصمت للحظة، ثم سُمع صرير زنبركات الأريكة خلفها. انضم إليها “روي” عند النافذة، وبدا عليه وقار غير معتاد. سأل: “ترحلين عن المدينة؟ دون المثول للمحاكمة؟”.
هزت كتفيها: “ما الفرق إذا كانوا سيطردونني على أي حال؟ إذا كان الشخص الذي أوقع بي لا يزال يلعب نوعاً من الألعاب الملتوية؟”.
ومع ذلك، حتى وهي تنطق بالكلمات، كانت تعلم أنها لا تستطيع فعل ذلك. لا يمكنها ترك عائلتها في العار المطلق—حتى لو كان “الشرف” في هذه الحالة يعني مواجهة المحاكمة التي أعدوها لابنتهم وأختهم.
صمت “روي” بجانبها وهو يراقب العاصفة. التوت شفتاه بتفكير، ومع أنه لم يكن ممن يغرقون في الأفكار العميقة، إلا أنه ظل يختلس النظر إلى الصندوق الفارغ، ثم إلى يد “سيفين” المندوبة.
قال: “أنا فقط لا أفهم. من سيتكبد عناء تلفيق تهمة لكِ؟ ماذا سيجنون؟ لماذا استهداف الصغرى، الأقل قوة في العائلة، بينما يمتلك كل إخوتكِ الأكبر الكثير ليخسروه؟”.
قالت بهدوء: “ربما لأنني هدف سهل”. ثم، ومع وميض البرق الذي أضاء السماء، فكرت في شيء آخر.
“أو لأنني أملك شيئاً يريدونه”.
المشكلة الوحيدة كانت أنها لا تملك أي شيء لتقدمه على الإطلاق.
التقطت سيفين واحداً من قطع النرد العادية التي سقطت في حقيبة عودها (اللوت). كان نرداً أخضر ذا اثني عشر وجهاً (d12)، يلمع بضعف في يديها، ويبدو جلياً في هذا اليوم الغائم. نقرت بضع نوتات لأغنيتها التالية، وراقبت التوهج وهو يتلاشى ببطء حتى انطفأ تماماً، تاركاً النرد باهتاً ومظلماً. قطعة خاملة أخرى إذاً. أو بالأحرى، هي الخاملة.
لم تستطع منع نفسها من الشعور بأن الأمر كان تبديداً للجهد وهي تعيده إلى حقيبتها. كان النرد نفسه عالي الجودة بوضوح. لم تلمح الشخص الذي تركه؛ فقد اختفى وسط حشود الساحة الدائرية الكبيرة، ربما كان ثرياً لدرجة أنه لن يفتقد النرد على الإطلاق. ومع ذلك، مع كل نرد تسحب منه لونه وحياته، كانت تشعر وكأنها تقطع شيئاً في ريعان شبابه.
تحركت فوق الكرسي الصغير الذي أحضرته معها، متأوهة من الطريقة التي يتأرجح بها على أحجار الرصيف تحت قدميها. كانت الساحة تقنياً تابعة لأراضي القصر، لكنها كانت مفتوحة للعامة معظم أيام السنة، وكان الناس يميلون لترك النرد هنا كإكراميات بدلاً من العملات المعدنية. لكن كان من الصعب عدم ملاحظة حضور القصر المهيب على قمة التل المطل على الساحة، والأصعب من ذلك عدم تذكر الأيام التي قضتها هنا كطفلة، تلعب في نوافير الساحة العديدة.

222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"}) وبينما كان يحاول تحذيرها من خططها وأفكارها الكبيرة، لم يحاول أبداً تغييرها. توقفت أصابع “سيفين” عن العزف، ونظرت إلى أخيها، وشعرت بغصة في حلقها. أدركت أنها إذا أُدينت في المحاكمة، فستخسر “جونو” أيضاً. كانت تعتقد دائماً أن عدم قدرتها على استخدام النرد هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لها. ومع ذلك، وهي جالسة هناك في انسجام هادئ مع أخيها، أدركت أن هذه المحاكمة مختلفة. حكم واحد ضدها سيلقي بحياتها في دوامة من الفوضى. هزت رأسها، وأجبرت نفسها على العودة إلى الكتاب. ستجدين حلاً، هكذا قالت لنفسها. أنتِ تفعلين ذلك دائماً. إذا استطاعت استخدام نرد في الوقت المناسب، فربما تسامحها عائلتها—وربما يقاتلون بقوة أكبر لإبقائها بجانبهم، عالمين أنها شُفيت من علتها. كان يمكنها— توقف قلم “جونو”، ونظرت “سيفين” إليه بفضول. سألت: “ماذا؟”. كانت عيناه قد شردتا كما يحدث غالباً. نرد “جونو” كان ضعيفاً—نرد يسمح له برؤية بضع ثوانٍ فقط في المستقبل. لم يكن كافياً ليهتم به أحد حقاً، إلا إذا أُرسل قاتل خلفه. من الواضح أن والديها أعطياه له كإجراء وقائي، وكان بالكاد يستخدم أي سمة نشطة مخصصة للنرد—ولم يكن يشارك ماهيتها—ولكن أحياناً عندما تشرد عيناه هكذا، كان يبدو وكأنه يلمح شيئاً أبعد قليلاً مما ينبغي. أو أبعد بكثير، إذا كان على “سيفين” التخمين. هز رأسه وعاد إلى دفتره، والنسيم يبعثر شعره، لكن قلمه بدأ يخربش بلا هدف في الزاوية وهو ينظر للأعلى وللأسفل من الدفتر إلى الحشد المار. قال: “الأمور تبدو مختلفة. ذهبت إلى السوق هذا الصباح—العديد من المخابز نفد خبزها، والناس يشترون مخزونات إضافية من النرد”. سألت سيفين وهي تقطب حاجبيها: “لماذا؟”. لقد رأت الشيء نفسه، ولكن كان من المستحيل فهم ما يدور في عقول أهل المدينة. إشاعة واحدة أو قطعة من القيل والقال يمكن أن تدخل “فيلهوم” (Veilhome) بأكملها في نوع من الذهول، وقلة من يفكرون فيما يفعلونه قبل الإقدام عليه. أوضح “جونو”: “المزيد من الإشاعات. تقول الإشاعات إن قوتنا تتلاشى—وأن هناك خطباً ما في النرد في (منزل فيل) (House Veil)”. قالت سيفين بمرارة، رغم أنها شعرت بوجهها يتحول للون الوردي: “ربما أرسلها (منزل روك)”. كان من المستحيل عليها إبقاء يديها بعيداً عن النرد الذي تراه مكدساً في الأكشاك في الشارع، وكان من السهل جداً فحصها بأصابع مرتجفة، آملة في العثور على واحد يتقبلها. لقد أصبح الأمر يكاد يكون قهرياً في هذه المرحلة، ولكن بالتأكيد كان هناك الكثير من النرد في المدينة بحيث لا يلاحظ أحد. ويبدو أن ذلك لم يكن صحيحاً. وأضافت: “تظن أن لديهم ما هو أفضل ليفعلوه من نشر الإشاعات. روك لديه أطنان من الأراضي خلف ’الحجاب‘. ومناجم فوق ذلك”. تأمل “جونو”: “ربما أخذكِ للمحاكمة هو مجرد البداية. ربما كان يستهدف الحلقة الأضعف فقط”. وبمجرد نطق الكلمات، تألم. “آسف. أنتِ تعرفين ما أعنيه”. لوحت له “سيفين”، ولم تتأثر بالكلمات. جادلت قائلة: “ضعيفة أم لا، لن يصل إلى أي مكان بإشاعاته. أمي وأبي يمسكان المملكة بقبضة حديدية، وإذا أنا… إذا تحكمت في نفسي بشكل أفضل قليلاً، فلن يجد شيئاً ليتحدث عنه على أي حال”. “هذا مستبعد”. وكزت “سيفين” أخاها دفعة خفيفة، لكن كان معه حق. جادلت: “أنا لا ألمس الكثير منها”. “والدي يختلف معكِ”. توقف قلمه مرة أخرى، وراقبته “سيفين” وشعرت فجأة بالغثيان. “انطق بها يا جونو”. بدا الصبي وكأنه يصارع كلماته للحظة قبل أن يغلق دفتره أخيراً ويقف. اعترف قائلاً: “لم آتِ إلى هنا للدردشة. والدي أرسلني لأحضركِ. يريد التحدث معكِ—على انفراد”. كررت “سيفين”، وقد جف حلقها: “على انفراد”. لم تستطع تذكر سوى بضع مرات في حياتها تحدث فيها والدها معها على انفراد—ولم تكن أي منها تجربة إيجابية. “لم يقل لماذا؟”. هز “جونو” رأسه. “فقط أنه إذا لم تأتي قريباً، فسوف يرسل ’حرس التاج‘ خلفكِ—وليس أولئك الذين أخطؤوكِ في ذاك اليوم. بل المهرة منهم”. شعرت “سيفين” بالدماء تهرب من وجهها عند ذلك، ثم تنهدت، وهي تحزم عودها قبل أن تربطه عبر ظهرها. تمتمت وهي تتبع أخيها عبر الساحة: “أنا هالكة بالفعل. ما السوء الذي يمكن أن تؤول إليه الأمور أكثر من ذلك؟”.

كان الناس يمرون، مستمتعين بوضوح بالنسيم العليل مع تهديد المطر الذي لم يتحول لعاصفة بعد. كان النهار قد جف كثيراً عن الليلة السابقة، ومع انحسار العاصفة، لم تضع “سيفين” أي وقت في تجربة كل ما تعرفه لحل مشكلتها.
بصرف النظر عن المحاكمة الوشيكة، كان من المفترض أن يكون “يوم تتويجها” قريباً، ولم تستطع “سيفين” التخلص من الشعور بأن الوقت ينفد منها. حتى لو نجت من المحاكمة، فماذا بعد؟ ستظل ملعونة. ستظل تذوي في غياهب النسيان، وتظل آفاق مستقبلها ميتة مثل النرد الذي تلمسه.
كان ترتيبها الصغير مع العود إحدى الطرق التي كانت تأمل من خلالها في إحراز تقدم، ومع ذلك لم يسفر أي من النرد عن أي شيء مذهل. لم يكن ذلك مفاجئاً بشكل خاص في هذه المرحلة؛ فقد كانت تلمس كل نرد تراه طوال حياتها، لكن هوسها بها لم يسفر عن أي نتائج سوى ذعر أصحاب المتاجر وجلسات التوبيخ الطويلة والمحبطة مع عائلتها.
ومع ذلك، حتى لو تمكنت من استخدام النرد، لم تكن متأكدة مما إذا كان سيُسمح لها بامتلاك واحد في ظل الفضيحة الحالية. وكما كان يتم تذكيرها باستمرار، كان على عائلتها الحفاظ على سمعتها.
رغم ذلك، كان لدى “سيفين” خطط أخرى. أو هكذا أملت على الأقل. التقطت كتاباً بجانبها وبدأت في تقليب الصفحات، الكتاب في يد والعود في الأخرى، تعزف بضع تمارين ببرود بينما يمر الناس في الساحة. كان البعض يعرف من هي، فكانت نظراتهم إما متفاجئة أو حذرة. والبعض الآخر لم يبدو أنه تعرف عليها على الإطلاق. كان هذا سيفاجئ “سيفين” لولا أنها قضت الكثير من الوقت بعيداً عن أعين الناس مؤخراً. تجاهلتهم جميعاً على أي حال، وهي تمسح بصرياً سطراً تكرر أمامها عدة مرات لفت انتباهها سابقاً.
“سيفين، ماذا تفعلين؟”
جفلها الصوت من كتابها، ونظرت لتجد شقيقها الأصغر، “جونو”، يطل من فوق كتفها. كان هادئاً ومتحفظاً، وشعره الكستنائي الداكن يبرز في خصلات جامحة فوق رأسه، ونظارته تنزلق من مكانها الصحيح على أنفه. كان يمسك بمجموعة من أقلام الفحم ودفتر رسم بجانبه، ويراقبها بحذر. هزت كتفيها وعادت إلى كتابها.
قالت وهي تقلب صفحة أخرى: “أقرأ”.
رفع حاجبه: “بينما تعزفين؟”
“أنا في فترة استراحة بين المقطوعات”.
“منطقي، ولكن ماذا تقرأين؟”. جلس على أحجار الساحة أمامها، غير مكترث بنظرات العامة المارين. الحق يقال، كان “جونو” منسياً تقريباً مثلها. طفل احتياطي لمملكة لديها من الورثة أكثر مما تعرف كيف تتصرف بهم. لم يكن منبوذاً مثل “سيفين”، لكنه لم يكن مهماً تماماً—ليس بعد.
أجابت: “تذكرتي للخروج من هذه الورطة”، ثم قلبت الكتاب لتدفعه نحو أخيها. ” خفة اليد (Palming)”.
سخر، وفتح دفتره الخاص ليخربش شيئاً في الصفحات—بدايات رسمة. “هذه أسطورة”.
“هل جربتها؟”
“حسناً، لا—خاصة وأن آخر من حاولوا فعل ذلك ماتوا، يا سيفين”. انغرس قلمه في الدفتر، ليكاد يكسر الرصاص. “لدينا على الأقل القليل منهم في مصحة القصر كل شهر”.
هزت كتفيها، غير مقتنعة تماماً. بدت “خفة اليد” مخاطرة سخيفة إذا كان بإمكانك استخدام النرد بالفعل، ولكن ربما واجه شخص آخر مشكلتها من قبل وشعر أن المخاطرة تستحق العناء. ربما لهذا السبب ظلت تجد إشارات إليها في النصوص التاريخية القديمة.
غامرت بالقول: “ربما يحتاج النرد فقط إلى دليل على أنني جادة. إذا استطعت اكتشاف كيفية إخفاء واحد في كف يدي، فربما أتمكن من—”
قال “جونو” بصوت مشدود: “ربما تكون هذه طبيعتكِ فحسب”. كانت يده تقبض على القلم بقوة زائدة قليلاً وهو يرسم بسرعة على الصفحة. “أقصد، ليس بالضرورة أن يمتلك الجميع نرداً يغير العالم. البعض لا يملكون أي نرد على الإطلاق”.
تمتمت “سيفين”: “الفلاحون”، رغم أنها كانت تعيش مثلهم عملياً. “والمجرمون. والذين، أذكرك، أنني منهم—”
“فقط الفئة الأخيرة—تقنياً”.
قالت وهي تلوح بيده: “سيتوصلون إلى صفقة بشأن ذلك. سيجدون حلاً لتبرئة اسمي. يفعلون ذلك دائماً”.
تحرك “جونو” بعدم ارتياح على أحجار الرصيف، متجنباً عينيها. أجاب وهو يلوي فمه بتفكير: “ربما. لكن هذا يبدو مختلفاً. (روك) كان دائماً يترصد لكِ”.
قالت وهي تنقر على وتر بقوة زائدة: “وسيظل يترصد لي، لأنه بمجرد أن يمسحوا اسمي من سجلات لجنة الألعاب، سأكون في كل بطولة يختار ذلك الأحمق حضورها. سألتصق به بشدة حتى يتمنى الخلاص مني”.
شخر “جونو”: “أنتِ حقاً تعرفين كيف تكسبين ود الناس”.
“هذه واحدة من سحري الخاص”.
جلسا في صمت لعدة لحظات، وارتجفت “سيفين” في نسيم الخريف الخفيف وهي تتفحص كتابها، تقطع الصمت بين الحين والآخر بنقرة وتر أو وترين. خربش “جونو” في دفتره، ودخلا في ذلك النوع من الإيقاع الثابت الذي عاشاه في معظم طفولتهما معاً.
كان الأمر أسهل، بطريقة ما، مع “جونو”. لطالما كان سهلاً، إذا كانت “سيفين” صادقة مع نفسها. كان إخوتها الآخرون يريدون دائماً شيئاً ما—معروفاً، صمتها، إعجابها، أو سلوكها الجيد. جونو قد لا يوافق دائماً على ما تفعله، لكنه كان يفهم، على الأقل بمستوى بسيط، ما الذي يحركها.

222222222

وبينما كان يحاول تحذيرها من خططها وأفكارها الكبيرة، لم يحاول أبداً تغييرها.
توقفت أصابع “سيفين” عن العزف، ونظرت إلى أخيها، وشعرت بغصة في حلقها. أدركت أنها إذا أُدينت في المحاكمة، فستخسر “جونو” أيضاً. كانت تعتقد دائماً أن عدم قدرتها على استخدام النرد هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لها. ومع ذلك، وهي جالسة هناك في انسجام هادئ مع أخيها، أدركت أن هذه المحاكمة مختلفة. حكم واحد ضدها سيلقي بحياتها في دوامة من الفوضى.
هزت رأسها، وأجبرت نفسها على العودة إلى الكتاب. ستجدين حلاً، هكذا قالت لنفسها. أنتِ تفعلين ذلك دائماً. إذا استطاعت استخدام نرد في الوقت المناسب، فربما تسامحها عائلتها—وربما يقاتلون بقوة أكبر لإبقائها بجانبهم، عالمين أنها شُفيت من علتها. كان يمكنها—
توقف قلم “جونو”، ونظرت “سيفين” إليه بفضول.
سألت: “ماذا؟”. كانت عيناه قد شردتا كما يحدث غالباً. نرد “جونو” كان ضعيفاً—نرد يسمح له برؤية بضع ثوانٍ فقط في المستقبل. لم يكن كافياً ليهتم به أحد حقاً، إلا إذا أُرسل قاتل خلفه. من الواضح أن والديها أعطياه له كإجراء وقائي، وكان بالكاد يستخدم أي سمة نشطة مخصصة للنرد—ولم يكن يشارك ماهيتها—ولكن أحياناً عندما تشرد عيناه هكذا، كان يبدو وكأنه يلمح شيئاً أبعد قليلاً مما ينبغي. أو أبعد بكثير، إذا كان على “سيفين” التخمين.
هز رأسه وعاد إلى دفتره، والنسيم يبعثر شعره، لكن قلمه بدأ يخربش بلا هدف في الزاوية وهو ينظر للأعلى وللأسفل من الدفتر إلى الحشد المار.
قال: “الأمور تبدو مختلفة. ذهبت إلى السوق هذا الصباح—العديد من المخابز نفد خبزها، والناس يشترون مخزونات إضافية من النرد”.
سألت سيفين وهي تقطب حاجبيها: “لماذا؟”. لقد رأت الشيء نفسه، ولكن كان من المستحيل فهم ما يدور في عقول أهل المدينة. إشاعة واحدة أو قطعة من القيل والقال يمكن أن تدخل “فيلهوم” (Veilhome) بأكملها في نوع من الذهول، وقلة من يفكرون فيما يفعلونه قبل الإقدام عليه.
أوضح “جونو”: “المزيد من الإشاعات. تقول الإشاعات إن قوتنا تتلاشى—وأن هناك خطباً ما في النرد في (منزل فيل) (House Veil)”.
قالت سيفين بمرارة، رغم أنها شعرت بوجهها يتحول للون الوردي: “ربما أرسلها (منزل روك)”. كان من المستحيل عليها إبقاء يديها بعيداً عن النرد الذي تراه مكدساً في الأكشاك في الشارع، وكان من السهل جداً فحصها بأصابع مرتجفة، آملة في العثور على واحد يتقبلها. لقد أصبح الأمر يكاد يكون قهرياً في هذه المرحلة، ولكن بالتأكيد كان هناك الكثير من النرد في المدينة بحيث لا يلاحظ أحد. ويبدو أن ذلك لم يكن صحيحاً. وأضافت: “تظن أن لديهم ما هو أفضل ليفعلوه من نشر الإشاعات. روك لديه أطنان من الأراضي خلف ’الحجاب‘. ومناجم فوق ذلك”.
تأمل “جونو”: “ربما أخذكِ للمحاكمة هو مجرد البداية. ربما كان يستهدف الحلقة الأضعف فقط”. وبمجرد نطق الكلمات، تألم. “آسف. أنتِ تعرفين ما أعنيه”.
لوحت له “سيفين”، ولم تتأثر بالكلمات. جادلت قائلة: “ضعيفة أم لا، لن يصل إلى أي مكان بإشاعاته. أمي وأبي يمسكان المملكة بقبضة حديدية، وإذا أنا… إذا تحكمت في نفسي بشكل أفضل قليلاً، فلن يجد شيئاً ليتحدث عنه على أي حال”.
“هذا مستبعد”.
وكزت “سيفين” أخاها دفعة خفيفة، لكن كان معه حق. جادلت: “أنا لا ألمس الكثير منها”.
“والدي يختلف معكِ”.
توقف قلمه مرة أخرى، وراقبته “سيفين” وشعرت فجأة بالغثيان. “انطق بها يا جونو”.
بدا الصبي وكأنه يصارع كلماته للحظة قبل أن يغلق دفتره أخيراً ويقف. اعترف قائلاً: “لم آتِ إلى هنا للدردشة. والدي أرسلني لأحضركِ. يريد التحدث معكِ—على انفراد”.
كررت “سيفين”، وقد جف حلقها: “على انفراد”. لم تستطع تذكر سوى بضع مرات في حياتها تحدث فيها والدها معها على انفراد—ولم تكن أي منها تجربة إيجابية. “لم يقل لماذا؟”.
هز “جونو” رأسه. “فقط أنه إذا لم تأتي قريباً، فسوف يرسل ’حرس التاج‘ خلفكِ—وليس أولئك الذين أخطؤوكِ في ذاك اليوم. بل المهرة منهم”.
شعرت “سيفين” بالدماء تهرب من وجهها عند ذلك، ثم تنهدت، وهي تحزم عودها قبل أن تربطه عبر ظهرها. تمتمت وهي تتبع أخيها عبر الساحة: “أنا هالكة بالفعل. ما السوء الذي يمكن أن تؤول إليه الأمور أكثر من ذلك؟”.

“أضعتِ النرد؟” التفتت “سيفين” عن النافذة حيث كانت تراقب العواصف وهي تلوح في الأفق، لتجد “روي” يحدق بها في صدمة. كان الطقس قد ساء تماماً، وشعرت بامتنان لا يوصف لـ “مور” لأنه سمح لها بالبقاء في غرفة الضيوف لديه حتى موعد المحاكمة. ومع ذلك، كلما اقتربت الساعة، كان القلق ينهش أحشاءها—حتى مع وجود الرفقة. كانت الوجبة التي أحضرها لها “روي” لا تزال في زاوية الغرفة، لم تمسها يد. أجابت أخيراً وهي تعود بنظرها إلى النافذة: “لم أُضِعهُ، بل تحطم”. جادلها “روي” من خلفها قائلاً: “النرد يتحطم، لكنه لا يتلاشى هكذا ببساطة. لابد أنكِ فعلتِ شيئاً ما—سحرتهِ، أو لا أعرف.. شيء ما”. فكرت “سيفين” بكآبة:’ ربما ليس الوقت مناسباً لأذكره بأنني فعلت ذلك من قبل‘. كانت الحقيقة أن النرد لا يتحطم فعلياً إلا عندما يصل إلى أقصى حدود استخدامه. وقد يعتمد ذلك بشكل كبير على نوع النرد؛ فبعضها قد يدوم لأجيال، وإن كانت تلك الأنواع مخصصة عادةً للنبلاء أو أباطرة المال. لكن هذا النرد لم يتحطم فحسب—لقد تحول إلى ضباب دقيق، ثم اختفى. قالت: “لم أرمِه، إذا كان هذا ما تفكر فيه. لم يكن ليفعل شيئاً على أي حال—لقد كان نفس النرد من تلك الليلة. النسخة المطابقة تماماً. مجرد نرد ألعاب، وليس نّرداً سحرياً”. أطلق “روي” زفرة ساخرة من فوق الأريكة خلفها بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج. “إذا كنتِ تتدربين من أجل المحاكمة، فعليكِ إيجاد طريقة أفضل لشرح ما حدث”. ردت “سيفين” وهي تلتفت لتراقب صديقها: “لن أشرح ذلك. لن أتطرق للأمر على الإطلاق. سيقولون إنني مجنونة”. أمال “روي” رأسه يمينا وشمالا كأنه يدرس الفكرة، وحاولت “سيفين” ألا تبحث عن شيء لتقذفه به. قال: “إنه ليس دفاعاً سيئاً في الواقع، الجنون. يفسر الكثير من القرارات التي اتخذتهاِ في—مهلاً!”. كتم صوته فجأة عندما طارت إحدى وسائد “مور” لتصطدم بوجهه. “أنا فقط أقول إنه دفاع جيد”. اندفعت قائلة بحدة: “حسناً، لولا الحظ لما كنتَ ممثلي القانوني. الأمر ليس مضحكاً”. صمت “روي” عند ذلك، وعادت “سيفين” للنافذة. قالت بضحكة مكتومة مريرة: “النفي. لشيء لم أفعله حتى. ربما… ربما يجدر بي الرحيل فقط”. ساد الصمت للحظة، ثم سُمع صرير زنبركات الأريكة خلفها. انضم إليها “روي” عند النافذة، وبدا عليه وقار غير معتاد. سأل: “ترحلين عن المدينة؟ دون المثول للمحاكمة؟”. هزت كتفيها: “ما الفرق إذا كانوا سيطردونني على أي حال؟ إذا كان الشخص الذي أوقع بي لا يزال يلعب نوعاً من الألعاب الملتوية؟”. ومع ذلك، حتى وهي تنطق بالكلمات، كانت تعلم أنها لا تستطيع فعل ذلك. لا يمكنها ترك عائلتها في العار المطلق—حتى لو كان “الشرف” في هذه الحالة يعني مواجهة المحاكمة التي أعدوها لابنتهم وأختهم. صمت “روي” بجانبها وهو يراقب العاصفة. التوت شفتاه بتفكير، ومع أنه لم يكن ممن يغرقون في الأفكار العميقة، إلا أنه ظل يختلس النظر إلى الصندوق الفارغ، ثم إلى يد “سيفين” المندوبة. قال: “أنا فقط لا أفهم. من سيتكبد عناء تلفيق تهمة لكِ؟ ماذا سيجنون؟ لماذا استهداف الصغرى، الأقل قوة في العائلة، بينما يمتلك كل إخوتكِ الأكبر الكثير ليخسروه؟”. قالت بهدوء: “ربما لأنني هدف سهل”. ثم، ومع وميض البرق الذي أضاء السماء، فكرت في شيء آخر. “أو لأنني أملك شيئاً يريدونه”. المشكلة الوحيدة كانت أنها لا تملك أي شيء لتقدمه على الإطلاق. التقطت سيفين واحداً من قطع النرد العادية التي سقطت في حقيبة عودها (اللوت). كان نرداً أخضر ذا اثني عشر وجهاً (d12)، يلمع بضعف في يديها، ويبدو جلياً في هذا اليوم الغائم. نقرت بضع نوتات لأغنيتها التالية، وراقبت التوهج وهو يتلاشى ببطء حتى انطفأ تماماً، تاركاً النرد باهتاً ومظلماً. قطعة خاملة أخرى إذاً. أو بالأحرى، هي الخاملة. لم تستطع منع نفسها من الشعور بأن الأمر كان تبديداً للجهد وهي تعيده إلى حقيبتها. كان النرد نفسه عالي الجودة بوضوح. لم تلمح الشخص الذي تركه؛ فقد اختفى وسط حشود الساحة الدائرية الكبيرة، ربما كان ثرياً لدرجة أنه لن يفتقد النرد على الإطلاق. ومع ذلك، مع كل نرد تسحب منه لونه وحياته، كانت تشعر وكأنها تقطع شيئاً في ريعان شبابه. تحركت فوق الكرسي الصغير الذي أحضرته معها، متأوهة من الطريقة التي يتأرجح بها على أحجار الرصيف تحت قدميها. كانت الساحة تقنياً تابعة لأراضي القصر، لكنها كانت مفتوحة للعامة معظم أيام السنة، وكان الناس يميلون لترك النرد هنا كإكراميات بدلاً من العملات المعدنية. لكن كان من الصعب عدم ملاحظة حضور القصر المهيب على قمة التل المطل على الساحة، والأصعب من ذلك عدم تذكر الأيام التي قضتها هنا كطفلة، تلعب في نوافير الساحة العديدة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

1111111111

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملوك الروايات

تحديث التعليقات وصل!

حدّث التطبيق واستمتع بالميزات الجديدة

حدّثنا التطبيق بميزات جديدة كثيرة! نظام تعليقات، تنبيهات فصول، بحث بالتصنيفات، وأكثر. حدّث التطبيق الآن لتستمتع بكل هذا.
الجديد في التحديث:
نظام تعليقات جديد متوافق مع الموقع
تنبيهات الفصول الجديدة والتعليقات
البحث عن طريق التصنيفات
إضافة وضع الفشيخ في إعدادات القراءة
خيارات تخصيص جديدة وتحسينات في الواجهة
إصلاح بعض المشاكل العامة
نستقبل اقتراحاتكم للتحديثات القادمة على سيرفر الديسكورد: انضم إلينا

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط