البديل الملكي
وقفت “سيفين” في الردهة الفاخرة لمكتب والدها، تحاول جاهدة ألا تضطرب. كان السجاد وارفاً ومألوفاً، والأرفف مزدحمة بكتب قرأتها مرات عديدة. ومع ذلك، لم تستطع التخلص من فكرة أن المنسوجات الحمراء التي تزين الجدران كانت بلون الدم.
كان والدها يراقبها بصرامة من خلف مكتبه، منتظراً إياها أن تتحدث. لم تكن متأكدة مما يريدها أن تقوله بالضبط؛ هل يريد شيئاً يبرئ ساحتها مثلاً؟
أخيراً هز رأسه، وعلت ملامحه المألوفة نظرة اشمئزاز.
سألها أخيراً: “متى ستعترفين بأن الكيل قد طفح؟ بالتأكيد ليست هذه هي الحياة التي ترغبين في عيشها. جرائمكِ في البطولة كانت كافية وزيادة، والآن تضيفين السرقة الزهيدة إلى القائمة؟”
آه.. إذاً هذا هو الموضوع.
كذبت قائلة: “كنتُ سأعيده”. ما أرادته حقاً هو شقه إلى نصفين مجدداً. صحيح أن التجربة الأولى من هذا النوع انتهت بانفجار وحريق صغير، لكن ذلك كان مع نرد قتالي. أما هذا فقد كان أخضر اللون؛ لون نرد الشفاء والدعم. بالتأكيد كان التأثير سيكون مختلفاً، لكن “سيفين” لن تعرف أبداً الآن.
“سيفين، أعلم أن هذا قد يشكل صدمة لكِ، لكن لا يمكنكِ استعارة نرد الآخرين، خاصة عندما تكون معروضة للبيع في سوق ترعاه الدولة. هل أنتِ بهذا الغباء؟”
ردت بحدة: “لستُ غبية يا أبي. أنا—”
فحّ قائلاً وهو يميل للأمام في مقعده: “بل لا بد أنكِ كذلك. لأنني لا أسمع تقارير عن سرقاتكِ التافهة في المدينة فحسب، بل وصلتني تقارير أخرى عن نردٍ يفقد طاقته. هل يجب علينا تقييدكِ في الزنازين لنقنعكِ بكف يديكِ عما ليس لكِ؟”
انكمشت “سيفين” من نبرة صوته.. ومن التهديد. ومع ذلك، كان هناك شيء غريب في كلماته؛ فهي لم تلمس الكثير من النرد مؤخراً. في الواقع، التزمت بخطتها الآمنة للغاية وهي العزف على عودها في الشوارع للحصول على بعض القطع النقدية الزهيدة. سألت بفضول حقيقي: “من أين تأتيك هذه التقارير؟ لأنني لم أكن—”
أجاب بنبرة منخفضة وخطيرة: “من كل أنحاء المدينة”. وعندما فتحت فمها لتجادله، رفع يده، فصمتت “سيفين” وكرهت نفسها على ذلك. المشكلة في والدها هي أنه من الصعب الشعور بالقوة تحت نظراته؛ من الصعب تذكر أنها حققت الكثير بإمكانيات أقل مما كان يأمل هو فيه يوماً.
ومع ذلك، لم تستطع إلا الانصياع لسنوات من تدريب عائلتها “المنحوس”. سنوات من الدروس علمتها أن تبقي فمها مغلقاً، ورأسها منخفضاً، والأهم من ذلك، أن تخفي كل ما يجعل “سيفين” هي نفسها.
تمتم والدها وهو يمرر يده في شعره: “ليأخذني الحظ. عندما طلبت والدتكِ طفلاً آخر، لبيت رغبتها، ولكن…”
تلاشى صوته، ثم بدا كأنه تذكر وجودها هناك لأول مرة. كانت هناك لمحة من الذنب في عينيه، وهو ما وجدته “سيفين” صادماً جداً؛ فوالدها لم يخفِ يوماً ازدراءه لوجودها.
سألت بصوت بارد ومستقر: “هل استدعيتني إلى هنا لتقول لي إنك تمنيت لو لم أُولد مجدداً، أم أن لديك شيئاً أكثر فائدة لمناقشته؟ لديّ أشياء أفضل لأفعلها في يومي، لذا إذا كان بإمكانك فقط…”
سأل وضحكة مريرة تفلت من شفتيه: “أشياء أفضل؟ المقامرة مع حثالة المدينة؟ لعب ألعاب الفرصة في الساحة مع—”
قاطعته قائلة: “إنها ليست لعبة فرصة، إنها لعبة مهارة يا أبي”.
“اسمها يحتوي على كلمة ‘فرصة’ يا سيفين”.
جادلت وهي تتقدم خطوة للأمام: “الناس يقضون أعماراً لإتقانها. لو كلفت نفسك عناء التعرف عليها، لرأيت ذلك. جانب المقامرة في اللعبة ليس سوى جزء صغير”.
رد والدها بحدة ومرارة: “أنتِ تدنسين النرد لتحريك قطعكِ. لقد رأيتُ الكثير من هذا، ورأيته يدمر حياتكِ أيضاً. إنها مقامرة، بكل بساطة ووضوح. وصمة عار لاسمنا”.
“وكيف تختلف المقامرة عن النرد الذي تملكه أنت وأمي؟ أو ‘أليف’، أو—”
ضرب والدها يده على المكتب، مما أحدث انبعاجاً طفيفاً فيه. قال: “لا تقولي لي ذلك مرة أخرى أبداً. لا تتحدثي عن نردنا، ولا تتحدثي عن مهاراتنا. النرد للمهارات والسحر فقط يا سيفين، وليس لجني المال بخدع رخيصة والفوز بالبطولات”. وعندما صمتت والكلمات تموت في فمها، استند إلى كرسيه، راضياً بوضوح عن انتصاره في الجدال. “يجب أن نكون ممتنين لأن.. حالتكِ.. تدخلت في نتائج البطولة”.
عدلت “سيفين” حزام حقيبة عودها، متمنية لو غادرت مكتب والدها؛ أي شيء للابتعاد عن هذا السخرية. سألت بهدوء: “وما الذي يدعو للامتنان؟ حياتي المستقبلية كمجرمة؟”
أجاب وهو يراقبها بدقة: “لا، بل لأنكِ ستملكين حياة أصلاً خارج نطاق المقامرة وتلك التفاهات المسماة ‘فرصة المتسول'”. نظر إليها للحظة أطول، ثم تنهد ولانت ملامحه. “على أية حال، لن يهم أي من هذا بعد غد”.
تراجعت “سيفين” خطوة صغيرة للوراء: “غداً؟ لماذا؟ ماذا سيحدث غداً؟”
تجنب والدها النظر في عينيها، ثم التقيا أخيراً، وكانت القسوة في نظرته كافية لجعل قلبها يخفق خوفاً. قال بهدوء: “سنرسلكِ بعيداً يا سيفين. لا يمكننا تحمل هذا النوع من الفضائح، خاصة مع سلوككِ الأخير”.
استغرق الأمر لحظة لاستيعاب الكلمات. عدة أنفاس حتى اصطدمت بالواقع. النفي. إنهم ينفونها. بعيداً عن “فيلهوم”. بعيداً عن “جونو” و”مور” وكل شخص آخر. بعيداً عن كل ما عرفته يوماً.
“ستفعلون ماذا؟”
تجنب والدها عينيها مجدداً؛ كان سلوكاً غريباً الآن بعد أن فكرت فيه؛ فلطالما نظر في عينيها مباشرة، حتى وهو على وشك قول شيء خبيث. لم يخجل يوماً من طريقة تعامله معها، ولم يقلق أبداً من جعلها تشعر بأنها منبوذة من عائلتها. مع هذا القرار، بدا وكأن حتى والدها يعلم أنه تجاوز الحدود.
أوضح قائلاً: “لقد عقدتُ صفقة مع المحاكم نيابة عنكِ. وافقنا على نفيكِ -علنياً- ووافقوا هم على إسقاط التهم ونسيان الأمر برمته. لن نتعافى أبداً من فضيحة هذا الأمر، لكن على الأقل ابنتي الصغرى لن تكون في السجن”.
هتفت “سيفين” بصوت علا بنبرة ذعر: “كأنني سأكون فيه! تريدني أن أغادر ‘فيلهوم’؟ ‘فيل’ نفسها؟ أنا بالكاد وطأت قدماي خارج المدينة. هل تعلم أمي بهذا؟”
قال والدها بوقار: “تعلم. ورغم أنها قلقة على سلامتكِ بالتأكيد، إلا أنها وافقت على أن هذا أفضل من زيارتكِ في زنزانة”.
“لن تزورني على الإطلاق إذا كنتُ على بعد ثلاث ممالك”.
“سيفين”. صدمتها نبرة شبه الشفقة في صوت والدها؛ فلم تسمعه يوماً يقول “آسف” في حياته. بالنسبة لوالدها، الواجب يأتي أولاً؛ الواجب والقوة، وأن يبدو قوياً وذا سلطة في أعين الجميع. أن تظن أن لديه أي شفقة تجاهها.. لا بد أنها خدعة. ومع ذلك، كان الحزن في عينيه حقيقياً بشكل غريب. “هذه العاصفة ستمر يا طفلتي. قد يبدو النفي.. درامياً، لكنه سيمنحكِ فرصة لتعلم كيف يسير العالم خارج ‘فيل’. وفرصة لتقويم حياتكِ”. هز رأسه: “لا يمكنني الوقوف مكتوف الأيدي وأنتِ تقامرين بحياتكِ هنا. إذا كانت ابنتي ستصبح لصة عادية، فلن تستمر في فعل ذلك في ‘فيلهوم'”.
“ها هو ذا”، فكرت وهي تستمع إلى ذلك النبر المألوف يعود لصوت والدها. كان عملياً الصوت الوحيد الذي سمعته يستخدمه معها. شتان بينه وبين الدفء في صوته عند مخاطبة “أليف” الأكبر، أو “تيسا” المفضلة بوضوح بين الفتاتين في العائلة.
ربما شعر والدها أنه لا يملك خياراً؛ ففي ذهنه، النفي أفضل من السجن. فالسجينة “سيفين” ستكون نقطة مؤلمة في تفكيره، دليلاً على فشله كوالد وكملك. أما المنفية، فستكون “بعيدة عن العين، بعيدة عن العقل”؛ الطريقة المثالية لنسيان مشكلة حاضرة وصاخبة في مملكته.
وبالتخلص من “سيفين”، لن يضطر للقلق بشأن النرد الذي يضعف والأضرار التي تلحق بسمعتهم بسبب تلك القضية تحديداً. ومع ذلك، لم تستطع “سيفين” منع نفسها من محاولة القتال من أجل مستقبلها، حتى لو بدا الأمر في هذه الحالة نهائياً. أخذت نفساً عميقاً ووضعت كل أوراقها على الطاولة.
قالت وجف حلقها: “سأعود إلى القصر. سأتخلى عن كل شيء. لن ألعب جولة أخرى من ‘فرصة المقامر’، وسأ… سأ…” تلاشت كلماتها، غير متأكدة مما يمكنها تقديمه أكثر. ألم تقدم عملياً كل ما تملك؟ فرصة الشعور بتلك الإثارة لرهان وُضع في مكانه الصحيح. الشعور بالنرد في يديها -ميتاً ويفتقر إلى شرارة ودفء النرد الحقيقي، لكنه في يديها على أي حال. لكن كان لديها شيء آخر لتقدمه؛ شيء آلمها أكثر حتى من التخلي عن عادتها في القمار. وأضافت بصوت خفيض ومنكسر: “وسأرتدي قفازاتي طوال الوقت. لن ألمس نردًا آخر أبداً”.
ساد الصمت الغرفة إلا من صوت الرياح التي تلطم نوافذ مكتب والدها، وشعرت “سيفين” بأنها عارية وهي تقف هناك بلا قفازات. كانت مخبأة في حقيبة عودها، والحقيقة أنها كانت تكره منظرها؛ فهي تذكير آخر بكل ما كانت عليه، وكل ما لا يمكنها أن تكونه. حاجز آخر بينها وبين النرد. حاجز آخر بينها وبين أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية. بدونها، كانت تشعر بالحرية تقريباً، لولا الندوب التي تزين راحتي يديها. وبوجودها، كان الأمر أشبه بارتداء مجموعة من الأغلال.
بدا والدها وكأنه يفكر في الأمر، ونظرته تخترقها وهي تقاوم الرغبة في التململ من قدم إلى أخرى، وحقيبة العود تضغط على كتفها. أخيراً تنهد، وكانت تلك التنهيدة كأن عالمها يميل على محوره.
“لا أستطيع يا سيفين”. انكسر صوته قليلاً، ودفن عينيه في راحتيه. “هذه هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على سلامتكِ. ستكونين مجهولة هناك؛ لستِ أميرة ولا حتى نبيلة. لن يملك ‘روك’ أي وسيلة للعثور عليكِ، ومع هذه الصفقة، لن يكون بحاجة لذلك. ستكون حياة أفضل، بدون توقعات المملكة فوق كتفيكِ. حياة أهدأ، وأبسط. صدقيني عندما أقول لكِ إن هذا هو الخيار الأفضل.. لنا جميعاً”.
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"}) أرادت أن تُرى. لمرة واحدة في حياتها، أن تكون ذات صلة.. أن تكون مهمة.
استمعت “سيفين” لـ كلمات والدها الموزونة؛ كلمات حاكم، رجل اضطر للتخلص منها للحفاظ على إرث العائلة. سمعت الكلمات، سمعت طمأنة والدها بحياة هادئة وبسيطة. كل كلمة جرحتها كخنجر. لأن “سيفين” لم تكن تريد حياة هادئة وبسيطة. لم تكن تريد أن تكون مجهولة، منسية، منبوذة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com وعرفت، بيقين جليدي صافٍ، أنها ستُنسى.
في تلك اللحظة، لم تكن تريد أكثر من أن تُذكر. لم تكن تريد أكثر من أن تدافع عنها عائلتها، أن تعترف بوجودها – حتى مع اللعنة التي جعلتها عديمة الفائدة تماماً كابنة للعائلة المالكة.
في تلك اللحظة، لم تكن تريد أكثر من أن تُذكر. لم تكن تريد أكثر من أن تدافع عنها عائلتها، أن تعترف بوجودها – حتى مع اللعنة التي جعلتها عديمة الفائدة تماماً كابنة للعائلة المالكة.
أرادت أن تُرى. لمرة واحدة في حياتها، أن تكون ذات صلة.. أن تكون مهمة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com وعرفت، بيقين جليدي صافٍ، أنها ستُنسى.
وعرفت، بيقين جليدي صافٍ، أنها ستُنسى.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com وعرفت، بيقين جليدي صافٍ، أنها ستُنسى.
استمعت “سيفين” لـ كلمات والدها الموزونة؛ كلمات حاكم، رجل اضطر للتخلص منها للحفاظ على إرث العائلة. سمعت الكلمات، سمعت طمأنة والدها بحياة هادئة وبسيطة. كل كلمة جرحتها كخنجر. لأن “سيفين” لم تكن تريد حياة هادئة وبسيطة. لم تكن تريد أن تكون مجهولة، منسية، منبوذة.
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات