لا تغفر سبع مرات
بُنيت دار القضاء في شكل حلقات متحدة المركز في أعماق وسط المدينة. كانت “فيلهوم” تشبه في تصميمها اللولب؛ حيث تفسح الشرفات الملتوية المجال للحدائق الشاسعة والرخام المصقول. لم يكن هناك محيط، لكن لم تكن هناك حاجة إليه؛ ليس بوجود تلك الأروقة المنسقة التي تنضح بالمياه المتلألئة في حرارة الصيف، وتتجمد لتتحول إلى مسارات جليدية فاخرة للمراسلين في الشتاء. في الوقت الحالي، كانت تلك القنوات تفيض بمياه العاصفة، والجداول الزخرفية في الجزء العلوي من القاعة تثرثر بمرح.
كان ينبغي أن يكون مكاناً يسوده السلام؛ مكاناً للنقاش والجدال المتحضر، ربما. كانت “سيفين” قد زارت هذا المكان مئات المرات من قبل مع عائلتها، وكانت دار القضاء مشهورة باستضافة عروض ملونة في أيامها الأفضل. أما في حالتها الراهنة، فقد بدت الحلقات المركزية المحيطة بها وكأنها حبل مشنقة يضيق حول عنقها.
جلست “سيفين” في منتصف ذلك التشابك من المقاعد، وحيدة.. معزولة. حتى القضاة جلسوا في صف خلفي، ستة قضاة في المجمل؛ أي شيء لتجنب الرقم الملعون الذي يليه.. الرقم سبعة. كان معظم رواد المحكمة يرتدون اللون الأحمر، وهو اللون التقليدي في يوم صدور الحكم النهائي على شخص ما. وبينما كان الحراس قليلين في السابق، لم تغفل عين “سيفين” اليوم عن أولئك المتمركزين عند كل مخرج، كما لو أنهم سيأخذونها بالقوة إذا لم تبدِ استعداداً للتعاون.
أشقاؤها، بطبيعة الحال، كانوا في أبهى صورهم في مكان قريب. جلسوا في الصف الثاني خلف القضاة، بينما جلس والداها مع القضاة أنفسهم؛ متجاهلين بوضوح أي قواعد تمنع التحيز. كان والدها يراقبها بصرامة وبرود، أما والدتها فكاد أنفها يلامس السقف لو استطاع الارتفاع أكثر من ذلك. كان جزء من ذلك تمثيلاً – نوعاً من الدرع الذي تستخدمه والدتها للدفاع عن نفسها أمام العالم – لكن جزءاً منه، كما علمت “سيفين”، كان حقيقياً؛ ازدراء حقيقي لابنتها. لم تكن متأكدة أي من والديها هو من طلب محاكمتها، لكن الأرجح أنهما كلاهما.
“أليف”، الأكبر سناً، جلس كنموذج مثالي لوالدهم؛ ملابسه مثالية، شعره مصفف بدقة، ووقفته خالية من العيوب. وجلس “ملاخي” بصرامة في مكان قريب، وفي يده دفتر ملاحظات، مستعداً بوضوح لتدوين الملاحظات – ليس للدفاع عن “سيفين” على الأرجح، رغم أنه قد يكون ليناً معها أحياناً.
أما “تيسا”، أختها الوحيدة، فكانت أنيقة في ثوبها وقفازاتها، تبدو وكأنها تستعد لحفلة راقصة لا لمحاكمة. وجلس الفتيان الثلاثة الأصغر سناً: “كويد” و”فين” و”جونو” في حلقة معاً، يتهامسون. ربما كانوا الأكثر تعاطفاً مع قضيتها، لكن ذلك لم يكن يهم؛ فبالتأكيد لم يكونوا هم من جلبوها للمحاكمة.
تجنب “فين” النظر في عينيها. بدا “جونو” قلقاً. أما “كويد” فبدا عليه الملل فحسب، مستعداً لمغادرة مقعده. ومن جانبها، أطلقت “سيفين” زفيراً وسط ضجيج الحشد ورفعت حذاءها فوق الطاولة. انطلقت شهقة مسموعة من الحشد، وفي مكان قريب، سمعت “مور” يتنهد بأسى.
صاح “ماركوس”: “نظام!”. لقد كان رئيساً للقضاة لسنوات تحت إمرة والدها. كان عادلاً في العادة، رغم أنه من المستحيل أن تكون عادلاً في محاكمة زُورت نتائجها منذ البداية. كان يتم تتبع النرد بعناية بمجرد دخوله إلى “فيلهوم”، خاصة إذا كان سيُستخدم في لعبة “فرصة المتسول”. لم يكن هناك سبب يذكر – بخلاف شهادة “سيفين” نفسها – للتشكيك في قرار لجنة النرد على الإطلاق.
أشار “ماركوس” للحشد قائلاً: “للأميرة الحق في الجلوس بالطريقة التي تختارها”، ثم نظر إلى “سيفين” بعبوس: “وإن كان لمستشارها القانوني أن ينصحها بخلاف ذلك”.
تقدم “أرنوت” قائلاً: “نحن لا ننصح الأميرة سيفينترا إلا بالقليل. نحن نرغب فقط في تمثيلها.. باحترام طبعاً”. انحنى نحو والدي “سيفين”، ولوت هي عينيها. فالمحامي الذي لا يستطيع الوقوف في وجه والديها لا فائدة منه بالنسبة لها، لكنها و”مور” لم يتمكنا من العثور على أي شخص آخر يجرؤ على ذلك. بالنسبة لـ “سيفين”، كان والداها مجرد بشر، أما بالنسبة لبقية سكان “فيلهوم”، فقد كانوا بمثابة آلهة.
“إذا كان بإمكانك المضي قدماً في النطق بالحكم يا ماركوس، فسيكون ذلك مثالياً”. انتمى ذلك الصوت اللزج لأحد أعضاء الفريق القانوني الضخم التابع لـ “روك”. “سنتان فترة طويلة جداً للجدال حول موضوع كان واضحاً بالفعل ليلة الجريمة. النرد لا يكذب، وقد تم التحقق منه بشكل مستقل من قبل لجنة الألعاب أيضاً. هل أفهم أننا ندرس عقوبات أخرى اليوم؟”
تصلبت “سيفين”، لكنها حاولت الحفاظ على ملامح محايدة. لن تسمح لهم بإثارة ذعرها، حتى لو كان ذلك هو هدفهم. ربما ينفونها، لكنها لن تمنحهم لذة تصويرها كحمقاء تماماً.
قال “ماركوس” بحدة، وهو ينظر إلى فريق “روك” من فوق نظارته: “إذا وجد الحكم ‘سيفينترا’ من ‘بيت فيل’ مدانة، فسننظر في أشكال أخرى من العقوبة”. راجع ماركوس بعض الأوراق على مكتبه، وهو يعدل نظارته. “حالياً، يتداول القضاة الموقرون بين السجن، والغرامات، والنفي—” انكمشت “سيفين” عند الكلمة، لكن “ماركوس” واصل، وانتقلت نظراته من الورقة لتلتقي بعينيها بلمحة من الصدمة. “—والإعدام”.
هتفت “سيفين” وهي تقفز واقفة بقوة كادت تقلب الطاولة أمامها: “الإعدام؟”. من حولها، انفجر الحشد في حالة من الهرج والمرج، وفر العديد من المراسلين من القاعة لإيصال الخبر إلى المنادين في أنحاء المدينة. بالتأكيد لم يذكر والدها هذا الاحتمال. “تدرسون الإعدام في محاكمة بدأتها عائلتي، وبأدلة واهية فوق ذلك؟”. أشارت إلى القضاة، وهي تعلم أنه يجب عليها الصمت، لكنها لم تستطع منع نفسها. “نحن نعرف حقيقة ما يجري هنا، أليس كذلك؟ هذا لا علاقة له بما فعلتُه أو لم أفعله؛ بل يتعلق بحفظ ‘بيت فيل’ لماء وجهه، حتى لو تطلب الأمر التضحية بأحد أفراده—”
“سيفينترا!”. ارتعدت “سيفين” أمام الهدير العميق لصوت والدها الرخيم. “لن تهيني هذه المحكمة، ولن تشوهي اسم العائلة علانية”.
“سأشوه ما يحلو لي إذا كان الأمر يتعلق بإرسالي إلى المشنقة يا أبي”.
لم يرد والدها، بل أومأ برأسه لـ “ماركوس”، الذي نقر بنرد كبير على الطاولة، فدوّى صوته بشكل غير طبيعي في أنحاء القاعة. هدأ بقية الحضور، لكن “سيفين” ظلت واقفة، وقلبها يتسابق في صدرها.
كان يجب أن تهرب من أجل حياتها اليوم.. بل ليلة أمس. لكنها لم تتوقع هذا. لقد كانت مرعوبة من النفي، لا الإعدام. لمحت والدها، لكن وجهه كان جامداً. هل كان هذا ما يحاول حمايتها منه؟ سواء كان يملك نفوذاً ملكياً أم لا، فمن الصعب عليه التراجع عن أي قرار يُتخذ علناً في قاعة المحكمة. تجمدت الدماء في عروقها حين تحدث ماركوس مرة أخرى بلهجة رسمية بحتة.
“أخشى، يا سمو الأميرة سيفينترا، أن الفريق القانوني لـ ‘روك’ قد عرض الدعوى بشكل جيد للغاية. إذا ثبتت إدانتكِ بهذه الجريمة، فإنها تقع تحت طائلة القوانين القديمة. التلاعب بالنرد جريمة يعاقب عليها بالإعدام”.
غرقت “سيفين” ببطء في كرسيها، وشعرت بضعف في ساقيها. لم يكن هناك الكثير مما يمكنها فعله. لقد ذكرت الحقائق، وجعلت رجال “مور” يدافعون عن أفعالها – برغم ضعف موقفهم – لكنها لم تكن تملك شيئاً ضد اللجنة نفسها. كم من الناس كانوا في وضعها؟ كم من الناس أُلقوا في السجن، أو شُنقوا، أو فُصلوا عن عائلاتهم بسبب اتهامات باطلة؟
قال “ماركوس” بهدوء: “سيصدر القضاة الآن حكمهم”، وساد الصمت أرجاء القاعة بالكامل. وقف البعض يراقبون رد فعل “سيفين”. ووقف الحراس مستعدين عند المداخل؛ إما لتهدئة رد فعل الحشد أو لمنعها من الهروب، لم تعد متأكدة أيهما.
ومع ذلك، وقعت عيناها على عائلتها؛ على والدتها ووالدها الجالسين بلا حراك أو عاطفة. على أشقائها الكبار الذين يتجنبون النظر في عينيها. على أشقائها القريبين منها وهم يراقبونها بمزيج من الرعب وعدم الارتياح. قالت لنفسها: “لا بد أن يفعل أحدهم شيئاً”. لا بد أن يتدخل أحدهم في النطق بالحكم. بالتأكيد لن تنبذ العائلة أحد أفرادها، لن يقودوهم إلى المشنقة.
على الأقل، كان هناك شخص يرسل لها المال بانتظام، حتى لو كانت تعيش به كالقروية تقريباً. وهذا يعني وجود شخص واحد على الأقل في القصر إلى جانبها؛ شخص واحد قد يملك الموارد أو العلاقات لمحاربة الحكم.
وقف القضاة، ورفع كل منهم نرداً. كانت تحفظ معانيها منذ طفولتها، لكنها الآن تمنت لو لم تكن قد أولت اهتماماً كبيراً للنظام القانوني؛ لأنه كان من السهل رؤية حياتها تتبخر أمام عينيها مع كل قرار.
الرقم ستة.. مذنب.
رقم ستة آخر.. مذنب.
قرأ الصف بأكمله الرقم ستة، كل رقم منحوت على النرد الأحمر الدامي.
قال رئيس القضاة: “نجد سيفينترا من ‘بيت فيل’ مذنبة بالتلاعب بقلب نرد، وبالغش باستخدامه في لعبة ‘فرصة المتسول'”.
أومأ “ماركوس” بوقار، ثم نظر إلى “سيفين”: “يرجى الوقوف لسماع العقوبة”.
وقفت “سيفين” بذهول، وهي تشعر وكأنها لم تعد موجودة في القاعة. بدا الحشد بعيداً، وأفراد عائلتها كالغرباء الآن. وبشكل غامض، أدركت أن أطراف أصابعها قد تخدرت من الخوف الذي يوخزها.
سأل “ماركوس”: “أيها القضاة؟”، فرفع كل منهم نرداً آخر؛ هذه المرة كان أسود اللون ونهائياً. الرقم واحد يشير إلى الغرامات، والاثنان إلى السجن، والثلاثة إلى النفي، والأربعة إلى الموت. حبست “سيفين” أنفاسها بينما رفع كل قاضٍ نرده.
الرقم ثلاثة.. جف حلقها.
الرقم أربعة.. سقط قلبها.
رقم ثلاثة آخر. هل سيختارون النفي بدلاً من الموت؟ لمحت والدها، الذي بدا، للحق، شاحباً قليلاً. زادها ذلك شعوراً بالسوء؛ فمن الواضح أن هذا لم يكن مخططه.
استمر القضاة في التعداد بالتناوب بين الأرقام، ورمش “ماركوس” أمام النتيجة. قال: “تعادل.. بين الإعدام والنفي”. تمتمت القاعة، ونظر الكثيرون بين “سيفين” وعائلتها. لم تعد “سيفين” تقوى على النظر إلى أشقائها، بل لم تعد تقوى على إبقاء عينيها مفتوحتين. أرادت فقط أن تختفي. ومع ذلك، إذا لم تسر الرمية التالية في صالحها، فقد تتحقق أمنيتها.
قال “ماركوس” وقد شحب وجهه: “نظراً للتعادل، سنسمح للمدعى عليها برمي نرد ‘d20’ واحد. الأرقام الفردية تعني النفي، والزوجية تعني الإعدام”.
أحضر حارس مسلح نرداً، ووضعه في وعاء مخملي، فأمسكته “سيفين”، وأصابعها توخزها خوفاً. ماذا لو كان هناك خطأ ما في هذا النرد؟ ماذا لو رفضها هذا النرد كما فعل غيره؟ وهي تمسكه، أدركت أنها لطالما شعرت بهذا الشعور والنرد في يدها؛ كأنها تشعر بنواياه، تدوي في الهواء من حولها.
قال “ماركوس”: “ليكن الحظ معكِ”، وقبلت “سيفين” ظهر يدها اليسرى طلباً للحظ. لم يسعها إلا أن تضحك في سرها بمرارة؛ “الحظ”.. ربما لم يخذلها حظها على طاولات القمار أبداً، لكن حظها في بقية حياتها كان يقبع في المجاري مؤخراً.
رمت “سيفين” النرد على الطاولة في القاعة الصامتة. تدحرج فوق السطح الخشبي الناعم، وشعرت برعشة من الأمل وهي تراقبه. شعرت وكأنه.. ملكها بطريقة ما. ليس نرد إعدامها، ليس النرد الذي يُرمى لتحديد مصير ما تبقى من حياتها، بل نرد كان يمكن أن تملكه في حياة أفضل، وزمن أفضل. نرد بلوغ سن الرشد الذي كان بإمكانها وراثته كما ورثه أشقاؤها من قبل.
تعثر النرد وتوقف.
تراجعت إلى الوراء، تاركة الحراس يلتقطونه، وكادت ركبتاها تنهاران من الراحة.
صاح أحدهم وهو ينظر إليها بذهول: “الرقم سبعة!”.
لكن عيني “سيفين” لم تكن على أشقائها، الذين بدت عليهم ملامح مزيج من الراحة والذهول، ولا على والديها اللذين بدت وجوههما جامدة بعناية. لم تكن عيناها على “مور” الذي غرق في كرسيه وبدا وكأن عشر سنوات من عمره قد مضت فجأة، ولا على السعاة الذين غادروا مجدداً لإيصال الخبر عبر المدينة.
لا، بل وقعت عيناها بدلاً من ذلك على رجل في عوارض سقف القاعة، عيناه مألوفتان؛ العينان اللتان تراهما كل ليلة قبل النوم. تلك العينان اللتان ستطاردانها بقية حياتها.
آخر شيء رأته قبل أن يتغير كل شيء.
كان “روك”، بابتسامة خافتة على وجهه.
ألقى لها تحية ساخرة وكأنه يقول لها: “حظاً أوفر في المرة القادمة”، واختفى في السقف. اندفعت “سيفين” نحوه، لكن مجموعة من الحراس أمسكوا بملابسها وسحبوها بعيداً عن أعين الحشد المتطفلة وعائلتها.. وعن آخر بقايا حياتها في “فيلهوم”.
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"})
بُنيت دار القضاء في شكل حلقات متحدة المركز في أعماق وسط المدينة. كانت “فيلهوم” تشبه في تصميمها اللولب؛ حيث تفسح الشرفات الملتوية المجال للحدائق الشاسعة والرخام المصقول. لم يكن هناك محيط، لكن لم تكن هناك حاجة إليه؛ ليس بوجود تلك الأروقة المنسقة التي تنضح بالمياه المتلألئة في حرارة الصيف، وتتجمد لتتحول إلى مسارات جليدية فاخرة للمراسلين في الشتاء. في الوقت الحالي، كانت تلك القنوات تفيض بمياه العاصفة، والجداول الزخرفية في الجزء العلوي من القاعة تثرثر بمرح. كان ينبغي أن يكون مكاناً يسوده السلام؛ مكاناً للنقاش والجدال المتحضر، ربما. كانت “سيفين” قد زارت هذا المكان مئات المرات من قبل مع عائلتها، وكانت دار القضاء مشهورة باستضافة عروض ملونة في أيامها الأفضل. أما في حالتها الراهنة، فقد بدت الحلقات المركزية المحيطة بها وكأنها حبل مشنقة يضيق حول عنقها. جلست “سيفين” في منتصف ذلك التشابك من المقاعد، وحيدة.. معزولة. حتى القضاة جلسوا في صف خلفي، ستة قضاة في المجمل؛ أي شيء لتجنب الرقم الملعون الذي يليه.. الرقم سبعة. كان معظم رواد المحكمة يرتدون اللون الأحمر، وهو اللون التقليدي في يوم صدور الحكم النهائي على شخص ما. وبينما كان الحراس قليلين في السابق، لم تغفل عين “سيفين” اليوم عن أولئك المتمركزين عند كل مخرج، كما لو أنهم سيأخذونها بالقوة إذا لم تبدِ استعداداً للتعاون. أشقاؤها، بطبيعة الحال، كانوا في أبهى صورهم في مكان قريب. جلسوا في الصف الثاني خلف القضاة، بينما جلس والداها مع القضاة أنفسهم؛ متجاهلين بوضوح أي قواعد تمنع التحيز. كان والدها يراقبها بصرامة وبرود، أما والدتها فكاد أنفها يلامس السقف لو استطاع الارتفاع أكثر من ذلك. كان جزء من ذلك تمثيلاً – نوعاً من الدرع الذي تستخدمه والدتها للدفاع عن نفسها أمام العالم – لكن جزءاً منه، كما علمت “سيفين”، كان حقيقياً؛ ازدراء حقيقي لابنتها. لم تكن متأكدة أي من والديها هو من طلب محاكمتها، لكن الأرجح أنهما كلاهما. “أليف”، الأكبر سناً، جلس كنموذج مثالي لوالدهم؛ ملابسه مثالية، شعره مصفف بدقة، ووقفته خالية من العيوب. وجلس “ملاخي” بصرامة في مكان قريب، وفي يده دفتر ملاحظات، مستعداً بوضوح لتدوين الملاحظات – ليس للدفاع عن “سيفين” على الأرجح، رغم أنه قد يكون ليناً معها أحياناً. أما “تيسا”، أختها الوحيدة، فكانت أنيقة في ثوبها وقفازاتها، تبدو وكأنها تستعد لحفلة راقصة لا لمحاكمة. وجلس الفتيان الثلاثة الأصغر سناً: “كويد” و”فين” و”جونو” في حلقة معاً، يتهامسون. ربما كانوا الأكثر تعاطفاً مع قضيتها، لكن ذلك لم يكن يهم؛ فبالتأكيد لم يكونوا هم من جلبوها للمحاكمة. تجنب “فين” النظر في عينيها. بدا “جونو” قلقاً. أما “كويد” فبدا عليه الملل فحسب، مستعداً لمغادرة مقعده. ومن جانبها، أطلقت “سيفين” زفيراً وسط ضجيج الحشد ورفعت حذاءها فوق الطاولة. انطلقت شهقة مسموعة من الحشد، وفي مكان قريب، سمعت “مور” يتنهد بأسى. صاح “ماركوس”: “نظام!”. لقد كان رئيساً للقضاة لسنوات تحت إمرة والدها. كان عادلاً في العادة، رغم أنه من المستحيل أن تكون عادلاً في محاكمة زُورت نتائجها منذ البداية. كان يتم تتبع النرد بعناية بمجرد دخوله إلى “فيلهوم”، خاصة إذا كان سيُستخدم في لعبة “فرصة المتسول”. لم يكن هناك سبب يذكر – بخلاف شهادة “سيفين” نفسها – للتشكيك في قرار لجنة النرد على الإطلاق. أشار “ماركوس” للحشد قائلاً: “للأميرة الحق في الجلوس بالطريقة التي تختارها”، ثم نظر إلى “سيفين” بعبوس: “وإن كان لمستشارها القانوني أن ينصحها بخلاف ذلك”. تقدم “أرنوت” قائلاً: “نحن لا ننصح الأميرة سيفينترا إلا بالقليل. نحن نرغب فقط في تمثيلها.. باحترام طبعاً”. انحنى نحو والدي “سيفين”، ولوت هي عينيها. فالمحامي الذي لا يستطيع الوقوف في وجه والديها لا فائدة منه بالنسبة لها، لكنها و”مور” لم يتمكنا من العثور على أي شخص آخر يجرؤ على ذلك. بالنسبة لـ “سيفين”، كان والداها مجرد بشر، أما بالنسبة لبقية سكان “فيلهوم”، فقد كانوا بمثابة آلهة. “إذا كان بإمكانك المضي قدماً في النطق بالحكم يا ماركوس، فسيكون ذلك مثالياً”. انتمى ذلك الصوت اللزج لأحد أعضاء الفريق القانوني الضخم التابع لـ “روك”. “سنتان فترة طويلة جداً للجدال حول موضوع كان واضحاً بالفعل ليلة الجريمة. النرد لا يكذب، وقد تم التحقق منه بشكل مستقل من قبل لجنة الألعاب أيضاً. هل أفهم أننا ندرس عقوبات أخرى اليوم؟” تصلبت “سيفين”، لكنها حاولت الحفاظ على ملامح محايدة. لن تسمح لهم بإثارة ذعرها، حتى لو كان ذلك هو هدفهم. ربما ينفونها، لكنها لن تمنحهم لذة تصويرها كحمقاء تماماً. قال “ماركوس” بحدة، وهو ينظر إلى فريق “روك” من فوق نظارته: “إذا وجد الحكم ‘سيفينترا’ من ‘بيت فيل’ مدانة، فسننظر في أشكال أخرى من العقوبة”. راجع ماركوس بعض الأوراق على مكتبه، وهو يعدل نظارته. “حالياً، يتداول القضاة الموقرون بين السجن، والغرامات، والنفي—” انكمشت “سيفين” عند الكلمة، لكن “ماركوس” واصل، وانتقلت نظراته من الورقة لتلتقي بعينيها بلمحة من الصدمة. “—والإعدام”. هتفت “سيفين” وهي تقفز واقفة بقوة كادت تقلب الطاولة أمامها: “الإعدام؟”. من حولها، انفجر الحشد في حالة من الهرج والمرج، وفر العديد من المراسلين من القاعة لإيصال الخبر إلى المنادين في أنحاء المدينة. بالتأكيد لم يذكر والدها هذا الاحتمال. “تدرسون الإعدام في محاكمة بدأتها عائلتي، وبأدلة واهية فوق ذلك؟”. أشارت إلى القضاة، وهي تعلم أنه يجب عليها الصمت، لكنها لم تستطع منع نفسها. “نحن نعرف حقيقة ما يجري هنا، أليس كذلك؟ هذا لا علاقة له بما فعلتُه أو لم أفعله؛ بل يتعلق بحفظ ‘بيت فيل’ لماء وجهه، حتى لو تطلب الأمر التضحية بأحد أفراده—” “سيفينترا!”. ارتعدت “سيفين” أمام الهدير العميق لصوت والدها الرخيم. “لن تهيني هذه المحكمة، ولن تشوهي اسم العائلة علانية”. “سأشوه ما يحلو لي إذا كان الأمر يتعلق بإرسالي إلى المشنقة يا أبي”. لم يرد والدها، بل أومأ برأسه لـ “ماركوس”، الذي نقر بنرد كبير على الطاولة، فدوّى صوته بشكل غير طبيعي في أنحاء القاعة. هدأ بقية الحضور، لكن “سيفين” ظلت واقفة، وقلبها يتسابق في صدرها. كان يجب أن تهرب من أجل حياتها اليوم.. بل ليلة أمس. لكنها لم تتوقع هذا. لقد كانت مرعوبة من النفي، لا الإعدام. لمحت والدها، لكن وجهه كان جامداً. هل كان هذا ما يحاول حمايتها منه؟ سواء كان يملك نفوذاً ملكياً أم لا، فمن الصعب عليه التراجع عن أي قرار يُتخذ علناً في قاعة المحكمة. تجمدت الدماء في عروقها حين تحدث ماركوس مرة أخرى بلهجة رسمية بحتة. “أخشى، يا سمو الأميرة سيفينترا، أن الفريق القانوني لـ ‘روك’ قد عرض الدعوى بشكل جيد للغاية. إذا ثبتت إدانتكِ بهذه الجريمة، فإنها تقع تحت طائلة القوانين القديمة. التلاعب بالنرد جريمة يعاقب عليها بالإعدام”. غرقت “سيفين” ببطء في كرسيها، وشعرت بضعف في ساقيها. لم يكن هناك الكثير مما يمكنها فعله. لقد ذكرت الحقائق، وجعلت رجال “مور” يدافعون عن أفعالها – برغم ضعف موقفهم – لكنها لم تكن تملك شيئاً ضد اللجنة نفسها. كم من الناس كانوا في وضعها؟ كم من الناس أُلقوا في السجن، أو شُنقوا، أو فُصلوا عن عائلاتهم بسبب اتهامات باطلة؟ قال “ماركوس” بهدوء: “سيصدر القضاة الآن حكمهم”، وساد الصمت أرجاء القاعة بالكامل. وقف البعض يراقبون رد فعل “سيفين”. ووقف الحراس مستعدين عند المداخل؛ إما لتهدئة رد فعل الحشد أو لمنعها من الهروب، لم تعد متأكدة أيهما. ومع ذلك، وقعت عيناها على عائلتها؛ على والدتها ووالدها الجالسين بلا حراك أو عاطفة. على أشقائها الكبار الذين يتجنبون النظر في عينيها. على أشقائها القريبين منها وهم يراقبونها بمزيج من الرعب وعدم الارتياح. قالت لنفسها: “لا بد أن يفعل أحدهم شيئاً”. لا بد أن يتدخل أحدهم في النطق بالحكم. بالتأكيد لن تنبذ العائلة أحد أفرادها، لن يقودوهم إلى المشنقة. على الأقل، كان هناك شخص يرسل لها المال بانتظام، حتى لو كانت تعيش به كالقروية تقريباً. وهذا يعني وجود شخص واحد على الأقل في القصر إلى جانبها؛ شخص واحد قد يملك الموارد أو العلاقات لمحاربة الحكم. وقف القضاة، ورفع كل منهم نرداً. كانت تحفظ معانيها منذ طفولتها، لكنها الآن تمنت لو لم تكن قد أولت اهتماماً كبيراً للنظام القانوني؛ لأنه كان من السهل رؤية حياتها تتبخر أمام عينيها مع كل قرار. الرقم ستة.. مذنب. رقم ستة آخر.. مذنب. قرأ الصف بأكمله الرقم ستة، كل رقم منحوت على النرد الأحمر الدامي. قال رئيس القضاة: “نجد سيفينترا من ‘بيت فيل’ مذنبة بالتلاعب بقلب نرد، وبالغش باستخدامه في لعبة ‘فرصة المتسول'”. أومأ “ماركوس” بوقار، ثم نظر إلى “سيفين”: “يرجى الوقوف لسماع العقوبة”. وقفت “سيفين” بذهول، وهي تشعر وكأنها لم تعد موجودة في القاعة. بدا الحشد بعيداً، وأفراد عائلتها كالغرباء الآن. وبشكل غامض، أدركت أن أطراف أصابعها قد تخدرت من الخوف الذي يوخزها. سأل “ماركوس”: “أيها القضاة؟”، فرفع كل منهم نرداً آخر؛ هذه المرة كان أسود اللون ونهائياً. الرقم واحد يشير إلى الغرامات، والاثنان إلى السجن، والثلاثة إلى النفي، والأربعة إلى الموت. حبست “سيفين” أنفاسها بينما رفع كل قاضٍ نرده. الرقم ثلاثة.. جف حلقها. الرقم أربعة.. سقط قلبها. رقم ثلاثة آخر. هل سيختارون النفي بدلاً من الموت؟ لمحت والدها، الذي بدا، للحق، شاحباً قليلاً. زادها ذلك شعوراً بالسوء؛ فمن الواضح أن هذا لم يكن مخططه. استمر القضاة في التعداد بالتناوب بين الأرقام، ورمش “ماركوس” أمام النتيجة. قال: “تعادل.. بين الإعدام والنفي”. تمتمت القاعة، ونظر الكثيرون بين “سيفين” وعائلتها. لم تعد “سيفين” تقوى على النظر إلى أشقائها، بل لم تعد تقوى على إبقاء عينيها مفتوحتين. أرادت فقط أن تختفي. ومع ذلك، إذا لم تسر الرمية التالية في صالحها، فقد تتحقق أمنيتها. قال “ماركوس” وقد شحب وجهه: “نظراً للتعادل، سنسمح للمدعى عليها برمي نرد ‘d20’ واحد. الأرقام الفردية تعني النفي، والزوجية تعني الإعدام”. أحضر حارس مسلح نرداً، ووضعه في وعاء مخملي، فأمسكته “سيفين”، وأصابعها توخزها خوفاً. ماذا لو كان هناك خطأ ما في هذا النرد؟ ماذا لو رفضها هذا النرد كما فعل غيره؟ وهي تمسكه، أدركت أنها لطالما شعرت بهذا الشعور والنرد في يدها؛ كأنها تشعر بنواياه، تدوي في الهواء من حولها. قال “ماركوس”: “ليكن الحظ معكِ”، وقبلت “سيفين” ظهر يدها اليسرى طلباً للحظ. لم يسعها إلا أن تضحك في سرها بمرارة؛ “الحظ”.. ربما لم يخذلها حظها على طاولات القمار أبداً، لكن حظها في بقية حياتها كان يقبع في المجاري مؤخراً. رمت “سيفين” النرد على الطاولة في القاعة الصامتة. تدحرج فوق السطح الخشبي الناعم، وشعرت برعشة من الأمل وهي تراقبه. شعرت وكأنه.. ملكها بطريقة ما. ليس نرد إعدامها، ليس النرد الذي يُرمى لتحديد مصير ما تبقى من حياتها، بل نرد كان يمكن أن تملكه في حياة أفضل، وزمن أفضل. نرد بلوغ سن الرشد الذي كان بإمكانها وراثته كما ورثه أشقاؤها من قبل. تعثر النرد وتوقف. تراجعت إلى الوراء، تاركة الحراس يلتقطونه، وكادت ركبتاها تنهاران من الراحة. صاح أحدهم وهو ينظر إليها بذهول: “الرقم سبعة!”. لكن عيني “سيفين” لم تكن على أشقائها، الذين بدت عليهم ملامح مزيج من الراحة والذهول، ولا على والديها اللذين بدت وجوههما جامدة بعناية. لم تكن عيناها على “مور” الذي غرق في كرسيه وبدا وكأن عشر سنوات من عمره قد مضت فجأة، ولا على السعاة الذين غادروا مجدداً لإيصال الخبر عبر المدينة. لا، بل وقعت عيناها بدلاً من ذلك على رجل في عوارض سقف القاعة، عيناه مألوفتان؛ العينان اللتان تراهما كل ليلة قبل النوم. تلك العينان اللتان ستطاردانها بقية حياتها. آخر شيء رأته قبل أن يتغير كل شيء. كان “روك”، بابتسامة خافتة على وجهه. ألقى لها تحية ساخرة وكأنه يقول لها: “حظاً أوفر في المرة القادمة”، واختفى في السقف. اندفعت “سيفين” نحوه، لكن مجموعة من الحراس أمسكوا بملابسها وسحبوها بعيداً عن أعين الحشد المتطفلة وعائلتها.. وعن آخر بقايا حياتها في “فيلهوم”.
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات