في الوقت المناسب
الفصل 56: في الوقت المناسب
أخطو للأمام حتى أقفَ بمحاذاة موستانغ. “يا أدريوس، نحن قادمون إليك. سنحطمُ سفنك، وسنقتحمُ المريخ، وسننقبُ عبر جدران مخبئك. سنجدُك وسنحضركَ للعدالة. وحين تُشنقُ على المشنقة، وحين يفتحُ البابُ تحتك، وحين تؤدي قدماكَ ‘رقصة الشيطان’، حينها ستدركُ في تلك اللحظة أن كلَّ هذا كان بلا طائل؛ لأنه لن يتبقى أحدٌ ليسحبَ قدميك.”
يجلسُ فوق كرسيٍّ بسيط في منتصف غرفة تدريبي الدائرية، مرتدياً معطفاً أبيضَ بأسدين ذهبيين على جانبي ياقته العالية. تبدو النجومُ فوق صورته المجسمة المتوهجة كبقعِ ضوءٍ باردة عبر قبة “الزجاج المقوى”. بُنيت هذه الغرفة للتدريب على الحرب، لذا هنا سأمنحُ عدوي مقابلة؛ لن أدعَه ينجسُ هذه السفينة حيث عاش روكي وحيث يحتفلُ أصدقائي برؤيته أو بوجوده في أي مكانٍ آخر.
“لم يكن روكي مثالياً، لكنه كان يهتمُّ بالذهبيين. كان يهتمُّ بالبشرية. كان يملكُ شيئاً يموتُ لأجله، وهذا ما يجعله رجلاً أفضل من معظم الناس،” أقولُ.
رغم أنه يبعدُ ملايين الكيلومترات، إلا أنني أكادُ أشمُّ رائحته التي تشبهُ نشارة أقلام الرصاص. وأسمعُ الصمتَ الشاسع الذي يملأُ به الغرفَ بينما أقفُ أمام صورته الرقمية. إنها نابضةٌ بالحياة لدرجة أنني لو لم أرها تتوهجُ لظننتُه هنا. الخلفيةُ وراءه مشوشة. يراقبني وأنا أدخلُ الغرفة؛ لا ابتسامة على وجهه، ولا تلطفٌ زائف، لكني أستطيعُ القول إنه مستمتع. يدورُ قلمُه الفضي في يده الوحيدة؛ العلامة الوحيدة على اضطرابه.
هناك صوتٌ عند الباب، خارج نطاق التقاط الكاميرا. لقد تتبعتني موستانغ من الزفاف. تراقبُ المشهدَ بصمت. يجبُ عليَّ إطفاء العرض المجسم، وتركُ هذا المخلوق لنفسه، لكني لا أستطيعُ مفارقته. الفضولُ ذاته الذي جلبني إلى هنا يثبتني الآن في مكاني.
“أهلاً يا حاصد. كيف هي الاحتفالات؟” أحاولُ ألا أدعَ ضيقي يظهر. بالطبع يعرفُ بشأن الزفاف، فلديه جواسيس في أسطولنا؛ لا أستطيعُ معرفة مدى قربهم مني، لكني لا أدعُ تلك الفكرة تنتشرُ بخبثٍ في داخلي. لو استطاعَ الوصولَ إلينا وإيذاءنا هنا، لفعلَ ذلك بالفعل.
“ألم تتطور كفاية حتى لتملك لوناً يا دارو؟ مجرد إنسان يلعبُ في أملاك الآلهة.”
“ماذا تريد؟” أسألُ.
“مثلك؟” يسألُ بتهكم. “أحمر قذر؟”
“لقد اتصلتَ بي في المرة السابقة، فظننتُ أن عليَّ ردَّ الجميل، خاصةً بالنظر إلى الرسالة التي أرسلتُها عن خالك. هل تلقيتَها؟” لا أقولُ شيئاً. “في النهاية، عندما تصلُ إلى المريخ، ستتحدثُ المدافعُ نيابةً عنا. قد لا نرى بعضنا مرةً أخرى. غريبٌ ذلك، أليس كذلك؟ هل رأيتَ روكي قبل أن يموت؟”
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
“رأيتُه.”
“رأيتُه.”
“وهل بكى طلباً لغفرانك؟”
“لا أكرهُك.”
“كلا.”
وهناك يضربُ صميمي؛ ذلك الخوف السحيق الذي جعل الظلامُ منه واقعي، الخوف من أن أكون وحيداً، من ألا أجد الحبَّ ثانيةً. ولكن حينها تخرجُ موستانغ لتنضمَّ إليَّ. تقولُ: “أنت مخطئٌ يا أخي”.
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
“أشفقُ عليك.”
هناك صوتٌ عند الباب، خارج نطاق التقاط الكاميرا. لقد تتبعتني موستانغ من الزفاف. تراقبُ المشهدَ بصمت. يجبُ عليَّ إطفاء العرض المجسم، وتركُ هذا المخلوق لنفسه، لكني لا أستطيعُ مفارقته. الفضولُ ذاته الذي جلبني إلى هنا يثبتني الآن في مكاني.
وهناك يضربُ صميمي؛ ذلك الخوف السحيق الذي جعل الظلامُ منه واقعي، الخوف من أن أكون وحيداً، من ألا أجد الحبَّ ثانيةً. ولكن حينها تخرجُ موستانغ لتنضمَّ إليَّ. تقولُ: “أنت مخطئٌ يا أخي”.
“لم يكن روكي مثالياً، لكنه كان يهتمُّ بالذهبيين. كان يهتمُّ بالبشرية. كان يملكُ شيئاً يموتُ لأجله، وهذا ما يجعله رجلاً أفضل من معظم الناس،” أقولُ.
“لقد قتلتُ باكس وخالك ولورن…”
“من السهل مسامحة الموتى،” يجيبُ جاكال. “أعرفُ ذلك.” يمرُّ تشنجٌ إنساني بسيط عبر شفتيه. قد لا يقولُ ذلك أبداً، لكن نبرة صوته ذاتها تخبرني أنه لا يخلو من الندم. أعرفُ أنه أرادَ نيلَ رضا والده، ولكن هل يمكنُ أن يكون مفتقداً للرجل حقاً؟ هل سامحَ والده في موته وهو الآن يحزنُ عليه؟
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
يسحبُ عصاً ذهبيةً قصيرة من حجره. وبضغطة زر، تمتدُّ العصا لتصبح صولجاناً؛ صولجانٌ يعلوه جمجمة جاكال فوق هرم المجتمع. لقد كلفتُ بصنعه له منذ أكثر من عام. يقول: “لم أفارق هديتك”. يتتبعُ رأس الجاكال بإصبعه. “طوال حياتي لم أُمنح سوى الأسود. لا شيء يخصني. ماذا يقولُ ذلك عني، أنَّ ألدَّ أعدائي يعرفني أكثر من أي صديق؟”
أتحركُ بغضبٍ نحو صورته المجسمة، لكنَّ موستانغ تضعُ يدها في منتصف صدري وتلتفتُ ثانيةً لأخيها. “تظنُّ أنك لم تنل الحبَّ قط يا أخي، لكنَّ أمي أحبتك.”
“لك الصولجان، و لي السيف،” أقولُ متجاهلاً سؤاله. “كانت تلك هي الخطة.” لقد أعطيتُه إياه لأنني أردتُه أن يشعرَ بأنه محبوب، أن يشعرَ بأنني كنتُ صديقه. وكنتُ سأكون كذلك حينها، كنتُ سأساعدُه على التغيّر كما فعلت موستانغ، وكما قد يفعلُ كاسيوس. “هل كان الأمرُ كما ظننتَه سيكون؟” أسألُ.
“لم أتوقع أن أبدأ في البكاء هكذا. آسفة.”
“ماذا؟”
“ماذا تريد؟” أسألُ.
“مقعدُ والدك.”
“يجبُ علينا ذلك. أنا وأنتِ أمامنا حياةٌ كاملة،” أقولُ وأنا أجذبها إليَّ. يبدو من المستحيل لامرأةٍ كهذه أن ترغبَ يوماً في أن أحتضنها، لكنها تضعُ رأسها على صدري بينما ألفُّ ذراعيَّ حولها وأتذكرُ كم نناسبُ بعضنا تماماً ونحن نحتضنُ بعضنا، والنجومُ والدقائقُ تمرُّ بعيداً.
يقطبُ حاجبيه، مفكراً في أي اتجاه يسلك. “كلا،” يقولُ أخيراً. “كلا، ليس هذا ما توقعتُه.”
أتحركُ بغضبٍ نحو صورته المجسمة، لكنَّ موستانغ تضعُ يدها في منتصف صدري وتلتفتُ ثانيةً لأخيها. “تظنُّ أنك لم تنل الحبَّ قط يا أخي، لكنَّ أمي أحبتك.”
“تريدُ أن تكون مكروهاً، أليس كذلك؟” أسألُ. “لهذا قتلتَ خالي بينما لم تكن بحاجةٍ لذلك. هذا يمنحُك غايةً. لهذا اتصلتَ بي؛ لتشعرَ بالأهمية. لكني لا أكرهُك.”
“لا تناديني بالأخ أيتها العاهرة. أنتِ لستِ أختاً لي؛ تفتحين ساقيكِ لهجين، لحيوان. هل الأوبسديان هم التاليون؟ أراهنُ أنهم جميعاً يصطفون بالفعل. أنتِ عارٌ على لونكِ وعلى منزلنا.”
“كاذب.”
“يجبُ أن نعودَ للاحتفال،” تقولُ لي في النهاية.
“لا أكرهُك.”
“لا أعرف،” تقولُ موستانغ. “لكني أحببتُك أنا أيضاً، وأنت ألقيتَ بذلك بعيداً. كنتَ توأمي، كنا مرتبطين مدى الحياة.” والدموعُ في عينيها. “لقد دافعتُ عنك لسنوات، ثم أكتشفُ أنك من أمرتَ بقتل كلوديوس.” ترمشُ من بين الدموع، وتهزُّ رأسها وهي تستجمعُ عزيمتها. “لا يمكنني أن أغفرَ ذلك، لا يمكنني. لقد نلتَ الحبَّ وأضعتَه يا أخي، تلك هي لعنتك.”
“لقد قتلتُ باكس وخالك ولورن…”
“للإنصاف، أعتقدُ أنني أبكي أكثر منكِ. لكن، أنتِ معذورة.”
“أشفقُ عليك.”
رغم أنه يبعدُ ملايين الكيلومترات، إلا أنني أكادُ أشمُّ رائحته التي تشبهُ نشارة أقلام الرصاص. وأسمعُ الصمتَ الشاسع الذي يملأُ به الغرفَ بينما أقفُ أمام صورته الرقمية. إنها نابضةٌ بالحياة لدرجة أنني لو لم أرها تتوهجُ لظننتُه هنا. الخلفيةُ وراءه مشوشة. يراقبني وأنا أدخلُ الغرفة؛ لا ابتسامة على وجهه، ولا تلطفٌ زائف، لكني أستطيعُ القول إنه مستمتع. يدورُ قلمُه الفضي في يده الوحيدة؛ العلامة الوحيدة على اضطرابه.
يتراجعُ للخلف. “شفقة؟”
الفصل 56: في الوقت المناسب
“الحاكم الأعلى لكل المريخ، أحدُ أقوى الرجال في كل العوالم، تملكُ القوة لفعل أي شيء تريده؛ ومع ذلك فليس هذا كافياً. لا شيء كان كافياً بالنسبة لك قط، ولن يكون. يا أدريوس، أنت لا تحاولُ إثبات نفسك لوالدك، أو لي، أو لفرجينيا، أو للسيدة الحاكمة؛ بل تحاولُ أن تكون مهماً لنفسك، لأنك محطمٌ من الداخل، لأنك تكرهُ ما أنت عليه. تتمنى لو أنك ولدتَ مثل كلوديوس، مثل فرجينيا، تتمنى لو كنتَ مثلي.”
“أهلاً يا حاصد. كيف هي الاحتفالات؟” أحاولُ ألا أدعَ ضيقي يظهر. بالطبع يعرفُ بشأن الزفاف، فلديه جواسيس في أسطولنا؛ لا أستطيعُ معرفة مدى قربهم مني، لكني لا أدعُ تلك الفكرة تنتشرُ بخبثٍ في داخلي. لو استطاعَ الوصولَ إلينا وإيذاءنا هنا، لفعلَ ذلك بالفعل.
“مثلك؟” يسألُ بتهكم. “أحمر قذر؟”
“من السهل مسامحة الموتى،” يجيبُ جاكال. “أعرفُ ذلك.” يمرُّ تشنجٌ إنساني بسيط عبر شفتيه. قد لا يقولُ ذلك أبداً، لكن نبرة صوته ذاتها تخبرني أنه لا يخلو من الندم. أعرفُ أنه أرادَ نيلَ رضا والده، ولكن هل يمكنُ أن يكون مفتقداً للرجل حقاً؟ هل سامحَ والده في موته وهو الآن يحزنُ عليه؟
“لستُ أحمراً.” أريه يديَّ، الخاليتين من الشعارات. يثيرُ الأمرُ اشمئزازه.
“لماذا؟ أنا أملكُ كلَّ ما أحتاجه هنا تماماً.” أنظرُ للأسفل إلى قمة رأسها الذهبي وأرى قتامة جذور شعرها. أستنشقُ كامل عطرها. إذا انتهى الأمرُ غداً أو بعد ثمانين عاماً، فبإمكاني استنشاق عطرها بقية حياتي. لكني أريدُ المزيد، أحتاجُ المزيد. أرفعُ فكها النحيل بيدي لتنظر إليَّ. كنتُ سأقولُ شيئاً مهماً، شيئاً للذكرى، لكني نسيتُه في عينيها. تلك الفجوة التي فرقتنا لا تزالُ هناك، مليئة بالأسئلة واللوم والذنب، لكنَّ ذلك ليس سوى جزءٍ من الحب، جزء من كوننا بَشراً. كلُّ شيءٍ مشروخ، كلُّ شيءٍ ملطخٌ باستثناء اللحظات الهشة التي تتعلقُ كالبلور في الزمان وتجعلُ الحياة تستحقُّ العيش.
“ألم تتطور كفاية حتى لتملك لوناً يا دارو؟ مجرد إنسان يلعبُ في أملاك الآلهة.”
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
“آلهة؟” أهزُّ رأسي. “لستَ إلهاً، لستَ حتى ذهبياً. أنت مجرد رجل يظنُّ أن اللقبَ سيجعله عظيماً، مجرد رجل يريدُ أن يكون أكثر مما هو عليه في الحقيقة. لكن كلَّ ما تريده حقاً هو الحب، أليس كذلك؟”
“رأيتُه.”
يشخرُ بازدراء. “الحبُّ للضعفاء. الشيء الوحيد المشترك بيني وبينك هو جوعنا. تظنُّ أنني لا أستطيعُ الاكتفاء، وأنني أتوقُ دائماً للمزيد؛ لكن انظر في المرآة وسترى الرجلَ نفسه يحدقُ فيك. قل لأصدقائك الحمر الصغار ما تشاء، لكني أعرفُ أنك فقدتَ نفسك بيننا. لقد تقتَ لتكون ذهبياً، رأيتُ ذلك في عينيك في المعهد، رأيتُ تلك الحمى في لونا عندما اقترحتُ أن نحكمَ معاً، رأيتُها عندما ركبتَ تلك العربة المنتصرة صاعداً نحو درجات القلعة. إنه ذلك الجوع الذي يجعلنا وحيدين للأبد.”
أخطو للأمام حتى أقفَ بمحاذاة موستانغ. “يا أدريوس، نحن قادمون إليك. سنحطمُ سفنك، وسنقتحمُ المريخ، وسننقبُ عبر جدران مخبئك. سنجدُك وسنحضركَ للعدالة. وحين تُشنقُ على المشنقة، وحين يفتحُ البابُ تحتك، وحين تؤدي قدماكَ ‘رقصة الشيطان’، حينها ستدركُ في تلك اللحظة أن كلَّ هذا كان بلا طائل؛ لأنه لن يتبقى أحدٌ ليسحبَ قدميك.”
وهناك يضربُ صميمي؛ ذلك الخوف السحيق الذي جعل الظلامُ منه واقعي، الخوف من أن أكون وحيداً، من ألا أجد الحبَّ ثانيةً. ولكن حينها تخرجُ موستانغ لتنضمَّ إليَّ. تقولُ: “أنت مخطئٌ يا أخي”.
يميلُ جاكال للخلف عند رؤية أخته.
يميلُ جاكال للخلف عند رؤية أخته.
“تريدُ أن تكون مكروهاً، أليس كذلك؟” أسألُ. “لهذا قتلتَ خالي بينما لم تكن بحاجةٍ لذلك. هذا يمنحُك غايةً. لهذا اتصلتَ بي؛ لتشعرَ بالأهمية. لكني لا أكرهُك.”
“لقد كان لـ دارو زوجة، عائلةٌ أحبها. كان يملكُ القليل وكان سعيداً. أما أنت فقد ملكتَ كلَّ شيء، وكنتَ بائساً. وستظلُّ كذلك دائماً لأنك طمّاع.” تبدأُ قاعدة هدوئه في الانهيار. “لهذا قتلتَ أبي وكوين، لهذا قتلتَ باكس. لكنَّ هذه ليست لعبة يا أخي، هذه ليست إحدى متاهاتك…”
“لا أكرهُك.”
“لا تناديني بالأخ أيتها العاهرة. أنتِ لستِ أختاً لي؛ تفتحين ساقيكِ لهجين، لحيوان. هل الأوبسديان هم التاليون؟ أراهنُ أنهم جميعاً يصطفون بالفعل. أنتِ عارٌ على لونكِ وعلى منزلنا.”
“لم يكن روكي مثالياً، لكنه كان يهتمُّ بالذهبيين. كان يهتمُّ بالبشرية. كان يملكُ شيئاً يموتُ لأجله، وهذا ما يجعله رجلاً أفضل من معظم الناس،” أقولُ.
أتحركُ بغضبٍ نحو صورته المجسمة، لكنَّ موستانغ تضعُ يدها في منتصف صدري وتلتفتُ ثانيةً لأخيها. “تظنُّ أنك لم تنل الحبَّ قط يا أخي، لكنَّ أمي أحبتك.”
“يجبُ أن نعودَ للاحتفال،” تقولُ لي في النهاية.
“إذا كانت قد أحبتني فلماذا لم تبقَ؟” يسألُ بحدة. “لماذا رحلت؟”
يتراجعُ للخلف. “شفقة؟”
“لا أعرف،” تقولُ موستانغ. “لكني أحببتُك أنا أيضاً، وأنت ألقيتَ بذلك بعيداً. كنتَ توأمي، كنا مرتبطين مدى الحياة.” والدموعُ في عينيها. “لقد دافعتُ عنك لسنوات، ثم أكتشفُ أنك من أمرتَ بقتل كلوديوس.” ترمشُ من بين الدموع، وتهزُّ رأسها وهي تستجمعُ عزيمتها. “لا يمكنني أن أغفرَ ذلك، لا يمكنني. لقد نلتَ الحبَّ وأضعتَه يا أخي، تلك هي لعنتك.”
“كلا.”
أخطو للأمام حتى أقفَ بمحاذاة موستانغ. “يا أدريوس، نحن قادمون إليك. سنحطمُ سفنك، وسنقتحمُ المريخ، وسننقبُ عبر جدران مخبئك. سنجدُك وسنحضركَ للعدالة. وحين تُشنقُ على المشنقة، وحين يفتحُ البابُ تحتك، وحين تؤدي قدماكَ ‘رقصة الشيطان’، حينها ستدركُ في تلك اللحظة أن كلَّ هذا كان بلا طائل؛ لأنه لن يتبقى أحدٌ ليسحبَ قدميك.”
“لا أعرف،” تقولُ موستانغ. “لكني أحببتُك أنا أيضاً، وأنت ألقيتَ بذلك بعيداً. كنتَ توأمي، كنا مرتبطين مدى الحياة.” والدموعُ في عينيها. “لقد دافعتُ عنك لسنوات، ثم أكتشفُ أنك من أمرتَ بقتل كلوديوس.” ترمشُ من بين الدموع، وتهزُّ رأسها وهي تستجمعُ عزيمتها. “لا يمكنني أن أغفرَ ذلك، لا يمكنني. لقد نلتَ الحبَّ وأضعتَه يا أخي، تلك هي لعنتك.”
يتلاشى الضوءُ الباهت للعرض المجسم بينما نغلقُ الاتصال، تاركاً إيانا للسقف الزجاجي والنجوم وراءه. “هل أنتِ بخير؟” أسألُ موستانغ. تومئُ برأسها وهي تمسحُ عينيها.
أخطو للأمام حتى أقفَ بمحاذاة موستانغ. “يا أدريوس، نحن قادمون إليك. سنحطمُ سفنك، وسنقتحمُ المريخ، وسننقبُ عبر جدران مخبئك. سنجدُك وسنحضركَ للعدالة. وحين تُشنقُ على المشنقة، وحين يفتحُ البابُ تحتك، وحين تؤدي قدماكَ ‘رقصة الشيطان’، حينها ستدركُ في تلك اللحظة أن كلَّ هذا كان بلا طائل؛ لأنه لن يتبقى أحدٌ ليسحبَ قدميك.”
“لم أتوقع أن أبدأ في البكاء هكذا. آسفة.”
“كلا.”
“للإنصاف، أعتقدُ أنني أبكي أكثر منكِ. لكن، أنتِ معذورة.”
“لا أكرهُك.”
تحاولُ الابتسام. “هل تظنُّ حقاً أننا نستطيعُ فعل ذلك يا دارو؟”
“لستُ أحمراً.” أريه يديَّ، الخاليتين من الشعارات. يثيرُ الأمرُ اشمئزازه.
عيناها محمرتان، والـ “ماسكارا” التي وضعتها للزفاف تلطخت بالدموع. أنفُها المحمرُّ يقطرُ، لكني لم أرَ جمالاً بعمق جمالها الآن. كلُّ عفوية الحياة تتدفقُ من خلالها، كلُّ الشروخ والمخاوف التي تجعلها ما هي عليه مرسومةٌ في عينيها. غير مثالية وخشنة لدرجة أنني أريدُ احتضانها وحبها طالما استطعت. وللمرة الأولى، سمحت لي بذلك.
رغم أنه يبعدُ ملايين الكيلومترات، إلا أنني أكادُ أشمُّ رائحته التي تشبهُ نشارة أقلام الرصاص. وأسمعُ الصمتَ الشاسع الذي يملأُ به الغرفَ بينما أقفُ أمام صورته الرقمية. إنها نابضةٌ بالحياة لدرجة أنني لو لم أرها تتوهجُ لظننتُه هنا. الخلفيةُ وراءه مشوشة. يراقبني وأنا أدخلُ الغرفة؛ لا ابتسامة على وجهه، ولا تلطفٌ زائف، لكني أستطيعُ القول إنه مستمتع. يدورُ قلمُه الفضي في يده الوحيدة؛ العلامة الوحيدة على اضطرابه.
“يجبُ علينا ذلك. أنا وأنتِ أمامنا حياةٌ كاملة،” أقولُ وأنا أجذبها إليَّ. يبدو من المستحيل لامرأةٍ كهذه أن ترغبَ يوماً في أن أحتضنها، لكنها تضعُ رأسها على صدري بينما ألفُّ ذراعيَّ حولها وأتذكرُ كم نناسبُ بعضنا تماماً ونحن نحتضنُ بعضنا، والنجومُ والدقائقُ تمرُّ بعيداً.
“لا أكرهُك.”
“يجبُ أن نعودَ للاحتفال،” تقولُ لي في النهاية.
“لا أعرف،” تقولُ موستانغ. “لكني أحببتُك أنا أيضاً، وأنت ألقيتَ بذلك بعيداً. كنتَ توأمي، كنا مرتبطين مدى الحياة.” والدموعُ في عينيها. “لقد دافعتُ عنك لسنوات، ثم أكتشفُ أنك من أمرتَ بقتل كلوديوس.” ترمشُ من بين الدموع، وتهزُّ رأسها وهي تستجمعُ عزيمتها. “لا يمكنني أن أغفرَ ذلك، لا يمكنني. لقد نلتَ الحبَّ وأضعتَه يا أخي، تلك هي لعنتك.”
“لماذا؟ أنا أملكُ كلَّ ما أحتاجه هنا تماماً.” أنظرُ للأسفل إلى قمة رأسها الذهبي وأرى قتامة جذور شعرها. أستنشقُ كامل عطرها. إذا انتهى الأمرُ غداً أو بعد ثمانين عاماً، فبإمكاني استنشاق عطرها بقية حياتي. لكني أريدُ المزيد، أحتاجُ المزيد. أرفعُ فكها النحيل بيدي لتنظر إليَّ. كنتُ سأقولُ شيئاً مهماً، شيئاً للذكرى، لكني نسيتُه في عينيها. تلك الفجوة التي فرقتنا لا تزالُ هناك، مليئة بالأسئلة واللوم والذنب، لكنَّ ذلك ليس سوى جزءٍ من الحب، جزء من كوننا بَشراً. كلُّ شيءٍ مشروخ، كلُّ شيءٍ ملطخٌ باستثناء اللحظات الهشة التي تتعلقُ كالبلور في الزمان وتجعلُ الحياة تستحقُّ العيش.
“لقد اتصلتَ بي في المرة السابقة، فظننتُ أن عليَّ ردَّ الجميل، خاصةً بالنظر إلى الرسالة التي أرسلتُها عن خالك. هل تلقيتَها؟” لا أقولُ شيئاً. “في النهاية، عندما تصلُ إلى المريخ، ستتحدثُ المدافعُ نيابةً عنا. قد لا نرى بعضنا مرةً أخرى. غريبٌ ذلك، أليس كذلك؟ هل رأيتَ روكي قبل أن يموت؟”
يتلاشى الضوءُ الباهت للعرض المجسم بينما نغلقُ الاتصال، تاركاً إيانا للسقف الزجاجي والنجوم وراءه. “هل أنتِ بخير؟” أسألُ موستانغ. تومئُ برأسها وهي تمسحُ عينيها.
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات