تنظيف السلايم
“روك”. بالتأكيد لم يكن ذلك ال”روك”. كادت “سيفن” تفقد توازنها من شدة الذهول وهو يجرّها نحو الباب، وابتسامةٌ عريضة ملتصقة بوجهه. ومع ذلك، كانت على يقين تام بأنها لم تلتقِ بهذا الرجل في حياتها قط. ابن عمٍّ بعيد، ربما؟ غير أن مجرد فكرة أن أحداً من عائلة “روك” يرتاد هذا المكان لم تكن بشيرةً بالخير، ولم تُهدّئ من روعها في شيء. حاولت تفادي النظر إليه مباشرةً وهو يقودها بعيداً، متضرعةً إلى كل إله تعرفه ألا يتعرف عليها.
“لنجهّزك للنجاح!” قال ذلك. ذراع “روك” القوية بشكل مُفرط دفعتها عبر الباب وفي متاهة من الممرات التي ازداد عفنها كلما توغّلوا أعمق. لم يبقَ أثرٌ للضوء الطبيعي، وكانت الأنابيب تبرز من الجدران، تُطلق بين الحين والآخر أزيز البخار الذي كانت سيفن تتقلّص منه. “أنتِ تبدئين من الصفر يا صغيرتي، لكن في مستودعنا كل ما تحتاجينه لتصبحي عاملة تعدين واعدة.”
كانت “سيفن” في أمسّ الحاجة إلى أي شيء تحصل عليه، لكن منظر المعدات المعلّقة على الجدار جعلها تتردد. ربما بضعة ليالٍ أخرى في صالة القمار مع “إيميت” وتستطيع— “أنا متأكدة أنني أستطيع توفير معداتي بنفسي—”
“هراء،” قال وهو يضحك. دفعها عبر باب آخر وداخل المستودع الفعلي. تجمّدت “سيفن” عند العتبة، وفمها نصف مفتوح من الدهشة. كان المستودع بأكمله خطراً مهنياً قائماً بذاته — بالغ الخطورة بحيث لا يجتاز أي تفتيش ملكي. كيف يفلت “روك” بالعمل بهذا الاستهتار التام بالسلامة؟
لأن للتاج لا سلطة هنا، ذكّرت نفسها. كان من السهل جداً نسيان ذلك. من السهل جداً نسيان أنها لا شيء هنا. وأن لا أحد بوسعه إنقاذها إن غرقت في الوحل أكثر مما ينبغي. حسناً، لا مفرّ من ذلك الآن. لقد تجاوزت تلك الحدود منذ أمد بعيد، ربما قبل أن تطأ قدمها شركة لاكي للتعدين.
مئات الأدوات الصدئة تتدلى من الجدران، بعضها ملقى باستهتار فوق الأنابيب، كلها في مراحل متفاوتة من البِلى. كان الصيانة واضحاً أنها آخر ما يُفكَّر فيه، وكثيرٌ من الأدوات ملفوفة بضمادات وملطخة بدماء قديمة. تبعت “سيفن” “روك” وهو يدندن، محاولةً ألا تفكر فيما حلّ بأصحابها الأصليين.
“هذا معولك!” رفع “روك” أداةً بدا جلياً أنها عاشت أيام أفضل. كانت المقبض ملفوفةً بلاصق متهالك، قذر لدرجة أنه بدا مصبوغاً بالأسود. “وخوذة. السلامة أخيراً، كما أحب أن أقول.” قذف إليها بخوذة فيها شقٌّ واضح يشقها من طرف إلى طرف. قلبّتها “سيفن” في يديها بعين شاكّة فلاحظت ملصقاتٍ زاهية تحاول سدّ الفجوة بين قطعتي الخوذة. “وأخيراً وليس آخراً، دليل السلامة!”
ناولها كتيّباً مكتوباً بـ… بأيّ لغة هذا؟ تصفّحته “سيفن”، لكنها لم تستطع فكّ رموز الحروف فيه. تلقّت تعليماً رسمياً في عشرات اللغات، وعلى الرغم من أنها لم تكن بارعة في أيٍّ منها، إلا أنها لم تكن أميّة. لكن هذا…
“هذا هذيان،” قالت وهي تُمعن النظر في رمز بعينه أوجع رأسها مجرد النظر إليه. هزّت الكتيّب أمام “روك” الذي بدا غير مكترث وأشار إليها بيده بنفاد صبر.
“تقليد تعديني،” قال وهو ينقّب في دلو آخر. “تقول إدارة الموارد البشرية إنها يجب أن تغطينا في حالة المسؤولية القانونية أو شيء من هذا القبيل.” وبينما كان ينقّب، مرّ قرب مجموعة من عمال المناجم يتثاقلون في خطاهم، أحدهم تنقصه عدة أصابع، وآخر رأسه ملفوف بضمادات. وفي مكان قريب، كان عدد من الموظفين الجدد يتلقّون المعاملة ذاتها التي تتلقّاها “سيفن”، إلا أن معداتهم بدت أقل تهالكاً من معداتها. وعلى الأقل لم يكن من يتولّى أمرهم يستمتع بالأمر بالقدر ذاته.
قهقه “روك” حين انتزع حقيبة جلدية مهترئة من الصندوق وأدارها حول إصبع سمين مرة واحدة. “والآن،” قال بكل دراما مقدّم برامج المسابقات وهو يُعلن الجائزة الكبرى، “نرد التعدين الخاص بكِ!”
أفرغ الحقيبة في يدي “سيفن”، واضطرت إلى التلقّف بعجلة بيديها المقفّزتين. عضّت على شفتها لتكبح ضحكة مرّة — أو صرخة خيبة أمل موجعة. في هذه اللحظة، لم تكن تعرف أيهما سيفلت منها. النرد المئوي بين يديها بالكاد بدا كنردٍ البتة. كان كرة بحجم راحة يدها، طُمست حوافّها من فرط الاستخدام. معظم الأرقام تلاشت، وما بقي منها بدا كأنه نُقش بيد مرتجفة تعاني ربما من إدمان الشرب.
لم تستطع إلا التفكير في أن استنزاف هذا النرد تحديداً سيكون رحمةً به.
“حسناً؟” سأل “روك” وابتسامته لا تفتر. ابتلعت “سيفن” ريقها محاولةً لمّ شتات أفكارها، وأخفت النرد في حقيبتها. كان يتوهّج بضوء ساطع، لكنها لم تكن تستطيع أن تكون حذرةً بما يكفي، لا سيما مع “روك” المُدوّر واقفاً هناك. لو لاحظ الضوء يتسرّب من خلال قفازيها، فهل سيثير ريبته؟ لم تكن تريد معرفة الإجابة.
“إنه… متهالك قليلاً، أليس كذلك؟”
“فيه شخصية!” أجاب “روك” مشرق الوجه. فرك يديه بحماس. “يُعيدني إلى الماضي. أذكر حين حصلت على نردي الأول. آه، ما يمكنك فعله بها، أليس كذلك؟” نكزها بمرح، فكادت “سيفن” أن تسقط من شدة الوقع. “كان نردي أسوأ بكثير من هذا. هذه الجميلة الصغيرة تُفعَّل عند الأرقام 44 و55 و66. مثير، أليس كذلك؟” “كيف كان نردك أسوأ من هذا؟” انفجرت “سيفن” أخيراً. “هذا لن يُطلق أي شيء أبداً. ماذا يفعل أصلاً؟” “عليكِ اكتشاف ذلك بنفسك،” همس “روك” بنبرة المتآمرين. “لا يُعدّ من الإنصاف إرسال عمّالنا الجدد بنرد ثابت النتائج، أليس كذلك؟ ستبنين شخصيتك، وحين تعودين، ربما تدرّبين عمالنا الجدد في أحد دورات المرونة العاطفية لدينا. نحتاج مدرباً جديداً لتلك الدورة.” تراجعت الابتسامة للحظة. “فقدنا المدرب السابق الأسبوع الماضي. رجل طيب. طيّب جداً.” “ألا تُحقق نتائج ثابتة أرباحاً أكبر لشركة لاكي للتعدين؟” سألت “سيفن”. “لماذا لا تريد المزيد من المال؟” “آه، نحن نجني ما يكفي من — حسناً، الأمر يتعلق بالهوية المؤسسية، تفهمين؟ مساهمونا يحبون عرضاً مثيراً، والحظ في اسمنا بعد كل شيء!” كان منطقه ملتوياً لدرجة أنه كان يستطيع حفر الأنفاق التي تخترق الأنابيب المتبخّرة القريبة. راقبت “سيفن” “روك” يفتّش في صناديق أخرى وهو يصفر. حاولت أن تطرد الحسابات من رأسها. ثلاثة أرقام من مئة. احتمال ثلاثة في المئة للنجاح. كان بإمكانها أيضاً أن تأمل في أن تُصعقها صاعقة برق. “آه!” قال ’روك‘ وصوته مكتوم بصندوق البضائع. تقلّصت “سيفن” من نبرته المبتهجة. “وثمة رسوم بسيطة إذا ظهرت أرقام خارج نطاق النجاح. يُبقي الأمور عادلة. لا يمكننا منحه مجاناً، كما تعلمين.” “رسوم؟” فتحت “سيفن” فمها. “هذا—” “محفّز، أليس كذلك؟ نحن لا نحب الاستسلام في شركة لاكي للتعدين، وبالحظ المناسب والمكاسب، يمكنكِ استعادة أموالك. لا شيء يحفّزك على الاستمرار في الحفر مثل الخوف من الانهيار المالي.” بدأت “سيفن” تتساءل إن كان “روك” إنساناً أصلاً. مع الأسرة التي ينتمي إليها، لا عجب أنه على ما هو عليه. كان وكأنه كائن فضائي من حيث سوء الطالع الذي جلبه لكل من حوله. وبينما كان “روك” يسترسل في حديثه عن “الفرص” و”التآزر”، صوته رتيب في مصطلحات الشركات الجوفاء التي جعلت “سيفن” تتوق إلى أن تهوي بمعولها عليه، انجذب نظرها إلى حظيرة قريبة مُقحمة في زاوية المستودع. عشرات السلايم الملوّنة خلف سلك دجاج، كل منها يحمل لافتة بخطٍّ يدوي — بالكريون: سلايم مجاني. يُنير طريقك. سلايم للدعم العاطفي. على الأرجح لن يأكلك. تسلّلت “سيفن” نحو الحظيرة متجاهلةً “روك”، فوجدت أحد السلايم مدفوعا بعيدا إلى الخلف. بالكاد كانت بحجم راحة يدها، شبه مدفونة تحت ضخامة السلايم الأخرى. كانت تتوهّج بخفوت في لون أصفر خردلي مريض، وشكلها الهلامي ضبابي كمن ترك حلوى الفانيليا في الشمس لوقت أطول بقليل مما ينبغي. كتبت لافتتها: بوكيت. يضيء (أحياناً)، مكتوب هو الآخر بالكريون. من كتب لافتة بوكيت كان قد شطب وصحّح عدة مرات بخطٍّ يعكس إحباطاً متصاعداً، وكادت الخربشات تمزّق الورقة. حسناً، وجود رفيق سيكون لطيفاً، حتى لو كان مجرد سلايم، فكّرت سيفن. التفتت نحو “روك” وأشارت إلى الحظيرة. “هل هذه مجانية فعلاً؟” سألت. رفع “روك” نظره من حيث كان يُوازن صندوق أدوات قديماً وكومة أخرى من الأوراق، وترنّحت ابتسامته للحظة قبل أن تعود إلى وجهه ساطعة. استقام، أسقط حمله، ونفض يديه. “بالطبع مجانية! ألا ينبغي أن يكون للعائلة رفقاء؟ ولا شيء يعبّر عن العائلة مثل حيوان أليف لا تستطيع تحمّل نفقاته.” قيلت هذه الأخيرة همساً تحت أنفاسه، لكن “سيفن” التقطتها على شفتيه. قراءة الشفاه كانت مهارة نافعة في وطنها، ولم تختلف الحال هنا. تظاهرت بأنها لم تسمع، لكنها أعادت النظر في السلايم الصغيرة. كان يبدو كمصيدة لولا أن “روك” بدا منزعجاً من انتباهها للحظيرة. كانت تصرفاته تعكس توتراً الآن، كأنه يريد التخلص منها. ما الذي تمثله السلايم له حتى أراد منها تجاهلهن؟ “أحتاج فقط منك التوقيع على بعض النماذج الصغيرة جداً،” قال روك، وأخرج ركاماً من الأوراق يتضاعف مع عيون الناظر. “نموذج تسجيل الحيوان الأليف، وتنازل عن المسؤولية الخاصة بالعناية بالسلايم، وإخلاء مسؤولية التعلق العاطفي، وتأمين أضرار السلايم على ممتلكات الشركة، واتفاقية خدمة اشتراك إطعام السلايم، وعقد المسؤولية المالية في حالات طوارئ الطبيب البيطري، وبند ‘أكل سلايمي واجباتي المدرسية’ للحوادث المتعلقة بالإنتاجية.” أهوى بالركام على طاولة متهالكة قريبة، وتصفّحته “سيفن” باستهتار. لم يكن ثمة جدوى من قراءة أي منه؛ الصفحات مكتوبة بلغة قانونية كثيفة تجعل قوانين الضرائب تبدو قراءة خفيفة. قدّرت “سيفن” أنها على وشك التنازل عن حقوق لم تكن تعلم بوجودها أصلاً، لكنها فعلت ذلك من قبل. “إيميت” فعل ذلك من قبل — نيابةً عنها. والحظ يأخذها، إن كان هذا عمق الهاوية التي تحتاج إلى النزول إليها للانتقام من “روك”، فلتنزل.
“فيه شخصية!” أجاب “روك” مشرق الوجه. فرك يديه بحماس. “يُعيدني إلى الماضي. أذكر حين حصلت على نردي الأول. آه، ما يمكنك فعله بها، أليس كذلك؟” نكزها بمرح، فكادت “سيفن” أن تسقط من شدة الوقع. “كان نردي أسوأ بكثير من هذا. هذه الجميلة الصغيرة تُفعَّل عند الأرقام 44 و55 و66. مثير، أليس كذلك؟”
“كيف كان نردك أسوأ من هذا؟” انفجرت “سيفن” أخيراً. “هذا لن يُطلق أي شيء أبداً. ماذا يفعل أصلاً؟”
“عليكِ اكتشاف ذلك بنفسك،” همس “روك” بنبرة المتآمرين. “لا يُعدّ من الإنصاف إرسال عمّالنا الجدد بنرد ثابت النتائج، أليس كذلك؟ ستبنين شخصيتك، وحين تعودين، ربما تدرّبين عمالنا الجدد في أحد دورات المرونة العاطفية لدينا. نحتاج مدرباً جديداً لتلك الدورة.” تراجعت الابتسامة للحظة. “فقدنا المدرب السابق الأسبوع الماضي. رجل طيب. طيّب جداً.”
“ألا تُحقق نتائج ثابتة أرباحاً أكبر لشركة لاكي للتعدين؟” سألت “سيفن”. “لماذا لا تريد المزيد من المال؟”
“آه، نحن نجني ما يكفي من — حسناً، الأمر يتعلق بالهوية المؤسسية، تفهمين؟ مساهمونا يحبون عرضاً مثيراً، والحظ في اسمنا بعد كل شيء!”
كان منطقه ملتوياً لدرجة أنه كان يستطيع حفر الأنفاق التي تخترق الأنابيب المتبخّرة القريبة. راقبت “سيفن” “روك” يفتّش في صناديق أخرى وهو يصفر. حاولت أن تطرد الحسابات من رأسها. ثلاثة أرقام من مئة. احتمال ثلاثة في المئة للنجاح. كان بإمكانها أيضاً أن تأمل في أن تُصعقها صاعقة برق.
“آه!” قال ’روك‘ وصوته مكتوم بصندوق البضائع. تقلّصت “سيفن” من نبرته المبتهجة. “وثمة رسوم بسيطة إذا ظهرت أرقام خارج نطاق النجاح. يُبقي الأمور عادلة. لا يمكننا منحه مجاناً، كما تعلمين.”
“رسوم؟” فتحت “سيفن” فمها. “هذا—”
“محفّز، أليس كذلك؟ نحن لا نحب الاستسلام في شركة لاكي للتعدين، وبالحظ المناسب والمكاسب، يمكنكِ استعادة أموالك. لا شيء يحفّزك على الاستمرار في الحفر مثل الخوف من الانهيار المالي.”
بدأت “سيفن” تتساءل إن كان “روك” إنساناً أصلاً. مع الأسرة التي ينتمي إليها، لا عجب أنه على ما هو عليه. كان وكأنه كائن فضائي من حيث سوء الطالع الذي جلبه لكل من حوله.
وبينما كان “روك” يسترسل في حديثه عن “الفرص” و”التآزر”، صوته رتيب في مصطلحات الشركات الجوفاء التي جعلت “سيفن” تتوق إلى أن تهوي بمعولها عليه، انجذب نظرها إلى حظيرة قريبة مُقحمة في زاوية المستودع. عشرات السلايم الملوّنة خلف سلك دجاج، كل منها يحمل لافتة بخطٍّ يدوي — بالكريون: سلايم مجاني. يُنير طريقك. سلايم للدعم العاطفي. على الأرجح لن يأكلك.
تسلّلت “سيفن” نحو الحظيرة متجاهلةً “روك”، فوجدت أحد السلايم مدفوعا بعيدا إلى الخلف. بالكاد كانت بحجم راحة يدها، شبه مدفونة تحت ضخامة السلايم الأخرى. كانت تتوهّج بخفوت في لون أصفر خردلي مريض، وشكلها الهلامي ضبابي كمن ترك حلوى الفانيليا في الشمس لوقت أطول بقليل مما ينبغي. كتبت لافتتها: بوكيت. يضيء (أحياناً)، مكتوب هو الآخر بالكريون. من كتب لافتة بوكيت كان قد شطب وصحّح عدة مرات بخطٍّ يعكس إحباطاً متصاعداً، وكادت الخربشات تمزّق الورقة.
حسناً، وجود رفيق سيكون لطيفاً، حتى لو كان مجرد سلايم، فكّرت سيفن. التفتت نحو “روك” وأشارت إلى الحظيرة.
“هل هذه مجانية فعلاً؟” سألت.
رفع “روك” نظره من حيث كان يُوازن صندوق أدوات قديماً وكومة أخرى من الأوراق، وترنّحت ابتسامته للحظة قبل أن تعود إلى وجهه ساطعة. استقام، أسقط حمله، ونفض يديه. “بالطبع مجانية! ألا ينبغي أن يكون للعائلة رفقاء؟ ولا شيء يعبّر عن العائلة مثل حيوان أليف لا تستطيع تحمّل نفقاته.”
قيلت هذه الأخيرة همساً تحت أنفاسه، لكن “سيفن” التقطتها على شفتيه. قراءة الشفاه كانت مهارة نافعة في وطنها، ولم تختلف الحال هنا. تظاهرت بأنها لم تسمع، لكنها أعادت النظر في السلايم الصغيرة.
كان يبدو كمصيدة لولا أن “روك” بدا منزعجاً من انتباهها للحظيرة. كانت تصرفاته تعكس توتراً الآن، كأنه يريد التخلص منها. ما الذي تمثله السلايم له حتى أراد منها تجاهلهن؟
“أحتاج فقط منك التوقيع على بعض النماذج الصغيرة جداً،” قال روك، وأخرج ركاماً من الأوراق يتضاعف مع عيون الناظر. “نموذج تسجيل الحيوان الأليف، وتنازل عن المسؤولية الخاصة بالعناية بالسلايم، وإخلاء مسؤولية التعلق العاطفي، وتأمين أضرار السلايم على ممتلكات الشركة، واتفاقية خدمة اشتراك إطعام السلايم، وعقد المسؤولية المالية في حالات طوارئ الطبيب البيطري، وبند ‘أكل سلايمي واجباتي المدرسية’ للحوادث المتعلقة بالإنتاجية.”
أهوى بالركام على طاولة متهالكة قريبة، وتصفّحته “سيفن” باستهتار. لم يكن ثمة جدوى من قراءة أي منه؛ الصفحات مكتوبة بلغة قانونية كثيفة تجعل قوانين الضرائب تبدو قراءة خفيفة. قدّرت “سيفن” أنها على وشك التنازل عن حقوق لم تكن تعلم بوجودها أصلاً، لكنها فعلت ذلك من قبل. “إيميت” فعل ذلك من قبل — نيابةً عنها. والحظ يأخذها، إن كان هذا عمق الهاوية التي تحتاج إلى النزول إليها للانتقام من “روك”، فلتنزل.
توقّفت عند الأوراق، القلم في يدها، ثم نظرت إلى “روك” المُدوّر. كان ينقر قدمه والذراعان متقاطعتان على صدره، بادياً الانزعاج بأقل وصف. تنقّل نظره بين السلايم و”سيفن” وابتسامته تتذبذب.
“روك” لم يُرد منها التوقيع على هذه الأوراق. وكان لدى سيفن حدسٌ ما حيال السلايمة في الحظيرة. الأفضل على أي حال أن يكون لها صديق رفيق، بدلاً من أن تموت وحيدة في المناجم. ما أسوأ ما يمكن أن يكون عليه سلايم رفيق؟
وقّعت الأوراق تراقب جفن “روك” يرتجف، وناولت الركام إليه. أجبر ابتسامة أخرى على وجهه ثم حشر الركام داخل معطفه كاسراً في الأثناء عدة دبابيس.
“ممتاز! لا يمكننا السماح بالوحدة — إنه مخالف لسياسة الشركة. والموظفون المكتئبون يُضرّون بالروح المعنوية.”
صفّق كفّيه معاً كفقمة تؤدي عرضها ثم فتح الحظيرة بكل رسمية واحتضن السلايم.
بوكيت — إن كان هذا اسمه فعلاً — ارتجّ كبالونة منفوخة، وعيناه الصغيرتان تتنقلان بين “روك” و”سيفن” في ما بدا نظرة غير مكترثة. كان سطحه يتموج بما يمكن أن يكون إما انزعاجاً أو عسراً في الهضم.
“إنه يضيء!” أعلن “روك” رافعاً بوكيت بحماس من يحاول بيع مصباح يدوي معطوب.
كأنه على أمر، وهج بوكيت مرة واحدة — ضوء خافت مريض بدا يعكس أمل “سيفن” في مستقبلها في شركة لاكي للتعدين. كان الضوء خافتاً لدرجة أنه بالكاد كان مرئياً حتى في عتمة المستودع، وحاولت “سيفن” إجبار ابتسامة على وجهها. لم تكن تريد جرح مشاعر السلايم — إن كانت تمتلك مشاعر أصلاً.
“آه، مثير للإعجاب جداً،” حاولت حاشدةً الصدق في صوتها. لم يكن بمقدورها الغضب على شرائها؛ فبوكيت، أو من كتب لافتته، كان صريحاً جداً بشأن محدودياته.
“أكثر إثارةً للإعجاب منك على كل حال، يا صاحبة السمو،” تذمّر بوكيت، وتجمّدت “سيفن” عند سماع اللقب. نعم، كونه سلايم متكلمة كان أمراً سيئاً بما يكفي. أما سماع لقبها يُنطق باستخفاف كهذا… لم يكن ممكناً أن يعرف السلايم شيئاً عن ماضيها. ومع ذلك، استغرق منها لحظة حتى تستعيد تعبير وجهها. “روك”، بفضل الحظ، لم يكن يُبدي اهتماماً بها بعد الآن، وراح ينظر في ساعته، قاذفاً بوكيت في اتجاهها العام.
أمسكت بالسلايم الصغير الذي لم يكن أكبر من راحة يدها، فتسلّقتذراعها ونصب نفسه على كتفيها، وهجها كمصباح لا يستطيع الاستقرار على الإضاءة.
حين أشار “روك” إليها للمضي قدماً، وهو يتصفح أوراقها بعيون طمّاعة، أدركت “سيفن” أن وضعها قد ازداد تعقيداً إلى ما لا نهاية. كانت قد تنازلت عن حياتها، والآن هذه السلايم من بين كل الكائنات ربما تعرف هويتها.
“ستكون تسعاً وأربعين سنة طويلة جداً،” تمتمت.
“فقط إن كنتِ محظوظة،” ردّ بوكيت بمرح. “احتمال نجاتك بعد الأسبوع الأول هو واحد في سبعة آلاف وخمسمئة وثلاثة وأربعين.”
“شكراً.”
“آه، آسف — سبعة ملايين وسبعة آلاف وخمسمئة وثلاثة وأربعين.”
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات