البطل التائه
كان الثلج بارداً… قاسياً إلى حدٍّ يجعل العظام نفسها ترتجف. لم أَدرِ أين أنا، ولا كيف انتهى بي المطافُ في هذا المكان. كل ما كُنت أراه حين فتحت عينيَّ نصف فتحةٍ هو البياض… بياضٌ موحش يبتلع العالم كله بسِفاح ثلوجه الممتدة. لكن شيئًا ما كسر صمته؛ بُقعٌ حمراء صغيرة تنتشر حولي، تتسع ببطء مع كل نبضٍ من خاصرتي اليسرى، حيث كان الدم يتدفّق بحرارةٍ خافتة فوق الثلج البارد.
‘لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تبدو بطلا.’
حاولت أن أرفع رأسي، لكن الألم صعق جسدي كما يفعل الكهرباء… بدَني كله يصرخ، من وجهي المليء بالكدمات، إلى أضلعي المتألمة تحت ملابسي الممزقة البالية. شعرت ببرودةٍ تلتهمني من الداخل، وبأن كل شهيق هو معركة صغيرة ضد الموت. وجهي شاحب إلى درجة الغثيان، وشعري الأسود الفوضوي التصق بجبيني من الدم والعرق. أنفاسي متقطعة، وكل زفير يخرج محمّلًا بطعم الحديد والدماء.
‘مهلا، مهلا… ما الذي يجري هنا بحق؟’
كانت رؤيتي ضبابية، لكنني شعرت بحضور شخصين بالقرب من جسدي كما يشعر الجلد بدفء الاقتراب من النار. كانا واقفَين قريباً مني، أحدهما على يساري، والآخر أبعد بقليل… ظِلّان غامضان، ملامحهما غارقة في سحابة البياض، كأن الثلج نفسه شكّلهما. لم يتكلما، ولم يتحركا، أو ربما أنا فقط من لم يتمكن من سماعهما، لكن إحساسًا غريبًا بالخوف من الموت والحنين اجتاحني في اللحظة ذاتها، كما لو أنني أعرفهما منذ زمنٍ بعيد… ولا أتذكر أين…
يبدو أنهما يُحدثان جلبةً حولي، لكنني بالكاد أسمع شيئاً عدا رياح الجبال العاتية.
حاولتُ أن أنطق، أن أسأل عن هويتهما، من أنتما؟ لكن صوتي لم يخرج، فقط شفتاي تحركتا في صمتٍ ثقيل.
…
يبدو أنهما يُحدثان جلبةً حولي، لكنني بالكاد أسمع شيئاً عدا رياح الجبال العاتية.
جلستُ على سريري وبدأت في تمديد جسدي للتخلص من الكسل الذي يغمُرني، نظرتُ إلى الساعة مجدداً… إنها السابعة مساءً فعلًا…
الثلج صار أثقل، الضوء خافت، والعالم كله انكمش في نقطة بين الألم والجمود. آخر ما شعرت به قبل أن ينطفئ كل شيء هو دفءٌ بسيط قرب يدي، أو ربما كان ذلك الوهم الأخير قبل أن أعود إلى العدم… إلى الظلام.
“إحذري!” نبهتُها
…
‘هل ما زال يلقى هذا النوع رواجًا في أيامنا هذه؟’
فتحتُ عيناي إثر صوتِ المنبِّه الذي يرِنُّ دون توقفٍ، ينتظر المستيقِظ أن يوقفه فيتبادلان الأدوار ويُنهي دوره بإتمام مهمته. مدَدتُ يديِ وأنا منسدحٌ على السَّرير، غارِقٌ في الكسل، بالكاد لمستُ المنبِّه لكنه توقَّف عن إزعاجي. قابلتُه لأتحقَّق من الوقت… إنها السابعةُ مساءً، يبدو أن قيلولة العصر أخذت وقتاً أطول من المتوقع.
إنها ترتجف بشدة، بئسا. لا أحاول أن أبدو بطلا ولا أهتم لنظرتها لي، لا شيئ من هذا مهم إن تعرضت لأذى، لكن…
جلستُ على سريري وبدأت في تمديد جسدي للتخلص من الكسل الذي يغمُرني، نظرتُ إلى الساعة مجدداً… إنها السابعة مساءً فعلًا…
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com “ماذا فعلت هذه الفتاة لتستحق مطاردة ثلاث أشخاص لها، هل تظنون أن تصرفكم هذا يمد للرجولة بِصِلَة؟” قلت متحديا
“سأتأخَّرُ عن موعدي…” قلتُ بنبرةٍ كسولة
‘هل ما زال يلقى هذا النوع رواجًا في أيامنا هذه؟’
**********
لا أنظر إليهم طويلًا. ليس لأنني أزدريهم، ولا لأنني أُفضِّلهم… بل لأن داخلي صار يشبه هذه الأزقة؛ مستهلكًا، صامتًا، خاليًا من ردّ الفعل. لم أعد أملك رفاهية الكره، ولا شغف الحب. أنا فقط أعبر، كما تعبر الريح بين البيوت دون أن تُصلح شيئًا. هذه المدينة عشوائية في كل شيء؛ في عمرانها، في رائحتها، في صمودها العبثي. بُنيت بلا حلمٍ واضح، وتعيش بلا وعدٍ حقيقي. هي مثل ما تبقّى مني، أجزاءٌ متراكمة، متعبة، متلاصقة بلا انسجام… لكنها باقية، رغم كل شيء.
‘أهلًا، معكم طالب جامعي منعزل بدون عائلة ولا أصدقاء. لا أخبركم هذا بدافع طلب الشفقة، بل على العكس تماما، إذ أنني أجد راحتي المطلقة في غرفتي محاطاً بمجلدات المانغا والروايات الخفيفة. عمري 19، سأتمم ربيعي العشرين بحلول مارس القادم. مع ذلك، ليس وكأنني سأعيش حتى ذلك الوقت على أيِّ حال. كم تمنيت لو أستطيع بلوغ العشرين صراحةً، وَقْعُ الرقم قوي أكثر، يبعث شعورًا بالرشد والكِبَر، كان ليكون ذلك جميلا، أن أكبر لأصبح بالغا. ليس وكأن لدي أحلاماً أطمح لتحقيقها أو ماشابه، لكنني لا أظن أن العيش للعيش فقط سببٌ تافه، ألا توافقونني؟’
‘هل ما زال يلقى هذا النوع رواجًا في أيامنا هذه؟’
‘اسمي… لا أظن أن ذلك مهم على الأرجح… ليس وكأن أحدهم مهتم بسماع اسم شخص سيموت قريبا على كل حال هاها. أ لستُ محقا؟’
جلستُ على سريري وبدأت في تمديد جسدي للتخلص من الكسل الذي يغمُرني، نظرتُ إلى الساعة مجدداً… إنها السابعة مساءً فعلًا…
‘لقد عدت للتو من موعد في هذا المساء… لكنه لم يكن مثيرا للغاية فمرافقي كان طبيب القلب في فترة حراسته الليلية. كثيرا مانلتقي مؤخرا، رغم أنني أكره مغادرة البيت، لكنه يتصل لتذكيري بالمواعيد مرارا وتكرارا. حتى أنا أعلم أنه لايتصل لأنه يريد رؤيتي، كل ما في الأمر أن حالتي تتدهور وأصبحتُ أحتاج عناية طبية أكثر تركيزا. أشعر بألمٍ يخترق قلبي… الألم في صدري كقبضة خفية تنكمش ببطء حول قلبي، لا طعنة ولا جرح، بل ثقل خانق يضغط من الداخل. كل خفقة كانت كصرخة مكتومة، والهواء يدخل بصعوبة كأنه يمرّ عبر ضبابٍ من النار. لم يكن الألم قويًا فحسب، بل عميقًا… كأن قلبي يذبل من الداخل بصمتٍ لا يُرى. أتمنى ألا أضطر للمبيت في العيادة يوما ما، سيكون ذلك سيئا للغاية فلدي جدول مزدحم من الألعاب التي علي تختيمها قبل وفاتي…’
…
‘نعم، لقد أخبرني الطبيب سابقًا أنني لن أعيش طويلا، تبقى لي ثلاث أشهر لأعيشها على أحسن تقدير! بئسا… يبدو أنني سأموت قبل أن أشهد نهاية أنمي القطعة الواحدة…’
‘هيهي، هل أبدو كشخص يتدخل في شؤون الأخرين بالنسبة لهم؟ كل مافي الأمر أنها اصطدمت بي. ليس وكأن لدي نقصا في المشاكل كي أبحث عن آخر جديد.’
‘ضيق في التنفس، ألم وضغط لا يُطاق في منطقة القلب والصدر، نبضٌ غير منتظم، فقدان شهية، وصعوبة في النوم… بدأتُ أعاني من كل هذه الأعراض مؤخرًا، لكنني لستُ حزينًا بالخصوص… ما يُزعجني حقًا هو السُّعال، كم أبغضُه.’
حاولت أن أرفع رأسي، لكن الألم صعق جسدي كما يفعل الكهرباء… بدَني كله يصرخ، من وجهي المليء بالكدمات، إلى أضلعي المتألمة تحت ملابسي الممزقة البالية. شعرت ببرودةٍ تلتهمني من الداخل، وبأن كل شهيق هو معركة صغيرة ضد الموت. وجهي شاحب إلى درجة الغثيان، وشعري الأسود الفوضوي التصق بجبيني من الدم والعرق. أنفاسي متقطعة، وكل زفير يخرج محمّلًا بطعم الحديد والدماء.
أحد أسباب نفوري من مغادرة المنزل ليس التعب… بل المدينة ذاتها. أخرج فأجدها ممدّدة أمامي كجسدٍ أُرهق من كثرة ما صمد، حيّ عشوائي بُني على عجلٍ ثم تُرك ليواجه مصيره وحده. الأزقة ضيقة إلى حدّ أنها تخنق الهواء. الجدران متلاصقة كأنها تتآمر على ضوء الشارع، فلا تترك منه إلا خيوطًا شاحبة تتسلّل بخجل. الطين تحت قدمي ليس طينًا خالصًا، بل خليط من غبارٍ عالق، ومياهِ مصارف كريهة، وبقايا ما لفظته البيوت من تعبها اليومي. الرائحة هنا ليست رائحةً واحدة؛ بل ذاكرة فسادٍ متراكمة. عفن طعامٍ تُرك لينسى، سمك ذبل قرب حاوياتٍ ممتلئة، ماءٌ راكد يحمل سرّ الأيام التي لم تُنظَّف. رائحة تُثقِل الصدر، لكنها لم تعد تثير فيّ شيئًا. كأن أنفي قد اعتاد الهزيمة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com ‘لا لا لا، أنا من أرجوك أن تبتعدي عني هنا، إنهم ثلاثة رجال، ثلاثة، وأنا وحدي. غالب الظن أنهم مسلحون أيضا، ليس وكأن لدي فرصة للفوز أمامهم حتى لو كانوا غير ذلك. لا أريد عيش الأشهر القليلة المتبقية من عمري مُقْعَدًا دون أن يرعاني أحد حتى.’
البيوت… آه، هذه البيوت. جدران متشققة تشبه وجوهًا هرِمة لم تُمنح فرصة الراحة. طبقات الطلاء المتساقطة كجلدٍ يتقشّر ببطء، نوافذ مكسورة تسترها أقمشة باهتة، وأبواب تئنّ كلما داعبتها الريح، كأنها تتذكّر زمنًا كانت تُفتح فيه على أملٍ لا على ضجر. الكلب ذاته عند الزاوية، ينبح كأنه يحرس الخراب. البائع نفسه لا يتوقف عن الصراخ مروِّجًا لسِلعته بالكلمات ذاتها، كأن الزمن هنا عالق في حلقةٍ لا تجيد التقدّم. عجوزٌ تقذف الشتائم في الهواء بلا سببٍ واضح، وأطفالٌ يركضون حفاةً بين البِرك الصغيرة، يضحكون كما لو أن الفقر لعبة، وكأن الطين ليس سوى مسرح لبراءتهم الفاسدة.
‘لقد عدت للتو من موعد في هذا المساء… لكنه لم يكن مثيرا للغاية فمرافقي كان طبيب القلب في فترة حراسته الليلية. كثيرا مانلتقي مؤخرا، رغم أنني أكره مغادرة البيت، لكنه يتصل لتذكيري بالمواعيد مرارا وتكرارا. حتى أنا أعلم أنه لايتصل لأنه يريد رؤيتي، كل ما في الأمر أن حالتي تتدهور وأصبحتُ أحتاج عناية طبية أكثر تركيزا. أشعر بألمٍ يخترق قلبي… الألم في صدري كقبضة خفية تنكمش ببطء حول قلبي، لا طعنة ولا جرح، بل ثقل خانق يضغط من الداخل. كل خفقة كانت كصرخة مكتومة، والهواء يدخل بصعوبة كأنه يمرّ عبر ضبابٍ من النار. لم يكن الألم قويًا فحسب، بل عميقًا… كأن قلبي يذبل من الداخل بصمتٍ لا يُرى. أتمنى ألا أضطر للمبيت في العيادة يوما ما، سيكون ذلك سيئا للغاية فلدي جدول مزدحم من الألعاب التي علي تختيمها قبل وفاتي…’
لا أنظر إليهم طويلًا. ليس لأنني أزدريهم، ولا لأنني أُفضِّلهم… بل لأن داخلي صار يشبه هذه الأزقة؛ مستهلكًا، صامتًا، خاليًا من ردّ الفعل. لم أعد أملك رفاهية الكره، ولا شغف الحب. أنا فقط أعبر، كما تعبر الريح بين البيوت دون أن تُصلح شيئًا. هذه المدينة عشوائية في كل شيء؛ في عمرانها، في رائحتها، في صمودها العبثي. بُنيت بلا حلمٍ واضح، وتعيش بلا وعدٍ حقيقي. هي مثل ما تبقّى مني، أجزاءٌ متراكمة، متعبة، متلاصقة بلا انسجام… لكنها باقية، رغم كل شيء.
“إحذري!” نبهتُها
حين أرفع بصري نحو السماء الجميلة التي تعلوها، يخطر لي أنها لن تبقى طويلًا. هذا الخراب لن يدوم. سيأتي يوم تُزال فيه هذه الجدران، تُسوّى الأرض، وتُمحى هذه الأزقة كما تُمحى الكلمات من ذاكرةٍ مثقلة.
‘لقد عدت للتو من موعد في هذا المساء… لكنه لم يكن مثيرا للغاية فمرافقي كان طبيب القلب في فترة حراسته الليلية. كثيرا مانلتقي مؤخرا، رغم أنني أكره مغادرة البيت، لكنه يتصل لتذكيري بالمواعيد مرارا وتكرارا. حتى أنا أعلم أنه لايتصل لأنه يريد رؤيتي، كل ما في الأمر أن حالتي تتدهور وأصبحتُ أحتاج عناية طبية أكثر تركيزا. أشعر بألمٍ يخترق قلبي… الألم في صدري كقبضة خفية تنكمش ببطء حول قلبي، لا طعنة ولا جرح، بل ثقل خانق يضغط من الداخل. كل خفقة كانت كصرخة مكتومة، والهواء يدخل بصعوبة كأنه يمرّ عبر ضبابٍ من النار. لم يكن الألم قويًا فحسب، بل عميقًا… كأن قلبي يذبل من الداخل بصمتٍ لا يُرى. أتمنى ألا أضطر للمبيت في العيادة يوما ما، سيكون ذلك سيئا للغاية فلدي جدول مزدحم من الألعاب التي علي تختيمها قبل وفاتي…’
ستزول المدينة… وسأزول معها.
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"}) التفتُّ لأرى مايجري خلف ظهري إذ بفتاة يافعة تصطدم بي في محاولة هربها من ثلاث مطاردين. أمسكتها من كتفيها كي أساعدها على الوقوف بتوازن، ثم حذرتها.
لا لأنني أكرهها… بل لأننا، أنا وهي، مجرّد بقايا مرحلةٍ لم يعد لها مكانٌ على هذه الأرض… أو هذا ما ظننتُه.
“يا أيها الشقي أنت لاتفهم، لا شيئ يخصُّنا معك، قدِّم الفتاة لنا وغادر وسندعك تنام بعد ذلك هذه الليلة في هناء.” قال بنبرة مستفزة رخيصة
“اللعنة، كيف لا تستطيعان الإمساك بفتاة واحدة وأنتما رجلان ضخمان رغم كونها جريحة.” قال رجل وهو يصرخ من خلفي
‘مهلا، مهلا… ما الذي يجري هنا بحق؟’
التفتُّ لأرى مايجري خلف ظهري إذ بفتاة يافعة تصطدم بي في محاولة هربها من ثلاث مطاردين. أمسكتها من كتفيها كي أساعدها على الوقوف بتوازن، ثم حذرتها.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
“إحذري!” نبهتُها
…
شعرتُ بقبضة الألم تلك تعتصر قلبي من جديد… نبضٌ مرتفع، أقوى من المعتاد ضرَب أوتار صدري.
“س-س-ساعدني أرجوك!” قالت بنبرة خافتة ترتعد خوفا
رفعت الفتاة نظرها إلي بعينان مرتعبتان. “آ-آ-آسفة!” اعتذرَت بنبرة قلقة
“هاه! صادفت الليلة أنني كنت أنوي السهر في كل الأحوال، لكن يبدو أن الخطة ستتغير من تختيم لعبة إلى تلكيم بِضعة أوغاد رعاع.” قلت متحديا بابتسامة
‘مهلا، مهلا… ما الذي يجري هنا بحق؟’
لا لأنني أكرهها… بل لأننا، أنا وهي، مجرّد بقايا مرحلةٍ لم يعد لها مكانٌ على هذه الأرض… أو هذا ما ظننتُه.
مددت بصري مباشرة عكس اتجاه الفتاة، فالتقت عينيَّ بأعين المطاردين. لقد كانوا ثلاث رجالٍ ضخام البنية في منتصف العمر. لا شيء في وقفتهم يوحي بالثقل أو الثبات. يرتدون سترات جلدية داكنة متشققة عند الأطراف، كأنها تحاول التمسك بما تبقى من هيبة زائفة. وجوههم مجعدة بغضب مفتعل، وابتساماتهم عريضة أكثر من اللازم، كأنهم يقلّدون مشهداً شاهدوه كثيرًا في فيلم رديء. على اليمين، كان أحدهم أصلعًا ذا لحية مشذبة بعناية زائدة، لايزال يشذب لحيته بأطراف أصابعه مبتسما كمن ينتظر تصفيقًا. الآخر يسارا، ارتدى نظارته الشمسية المعلَّقة في قميصه رغم اختفاء الشمس، كان يبتسم ابتسامة ساخرة وهو ينظر نحو قائدهم في المنتصف على ما يبدو بافتخار. كان القائد في المنتصف الشخص الذي ألقى الأوامر سابقا، يزمُّ شفتيه في محاولة عبثية لإبراز فكِّه العريض. كان سمينا نوعا ما بكرش واضحة، لكنه يبدو الأقوى بينهم، متباهيا بسلسلته الذهبية البارزة على عنقه.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com “ماذا فعلت هذه الفتاة لتستحق مطاردة ثلاث أشخاص لها، هل تظنون أن تصرفكم هذا يمد للرجولة بِصِلَة؟” قلت متحديا
‘هل ما زال يلقى هذا النوع رواجًا في أيامنا هذه؟’
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com الثلج صار أثقل، الضوء خافت، والعالم كله انكمش في نقطة بين الألم والجمود. آخر ما شعرت به قبل أن ينطفئ كل شيء هو دفءٌ بسيط قرب يدي، أو ربما كان ذلك الوهم الأخير قبل أن أعود إلى العدم… إلى الظلام.
كانوا يقفون كتفًا إلى كتف، كأنهم نسخة واحدة تكررت ثلاث مرات… لا شيء فيهم يُقنع بأنهم خطرون كما يظنون. لكنهم كانوا ببساطة أقوى مني على الأقل! ليس وكأن منظري هو الآخر يوحي بالقوة على كل حال.
مددت بصري مباشرة عكس اتجاه الفتاة، فالتقت عينيَّ بأعين المطاردين. لقد كانوا ثلاث رجالٍ ضخام البنية في منتصف العمر. لا شيء في وقفتهم يوحي بالثقل أو الثبات. يرتدون سترات جلدية داكنة متشققة عند الأطراف، كأنها تحاول التمسك بما تبقى من هيبة زائفة. وجوههم مجعدة بغضب مفتعل، وابتساماتهم عريضة أكثر من اللازم، كأنهم يقلّدون مشهداً شاهدوه كثيرًا في فيلم رديء. على اليمين، كان أحدهم أصلعًا ذا لحية مشذبة بعناية زائدة، لايزال يشذب لحيته بأطراف أصابعه مبتسما كمن ينتظر تصفيقًا. الآخر يسارا، ارتدى نظارته الشمسية المعلَّقة في قميصه رغم اختفاء الشمس، كان يبتسم ابتسامة ساخرة وهو ينظر نحو قائدهم في المنتصف على ما يبدو بافتخار. كان القائد في المنتصف الشخص الذي ألقى الأوامر سابقا، يزمُّ شفتيه في محاولة عبثية لإبراز فكِّه العريض. كان سمينا نوعا ما بكرش واضحة، لكنه يبدو الأقوى بينهم، متباهيا بسلسلته الذهبية البارزة على عنقه.
تكلم قائدهم بنبرة حادة إلي مباشرة دون لف ودوران. “أيها الشقي، ابتعد عن تلك الساقطة حالا! لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تُبدي رأيك حتى.”
‘لقد عدت للتو من موعد في هذا المساء… لكنه لم يكن مثيرا للغاية فمرافقي كان طبيب القلب في فترة حراسته الليلية. كثيرا مانلتقي مؤخرا، رغم أنني أكره مغادرة البيت، لكنه يتصل لتذكيري بالمواعيد مرارا وتكرارا. حتى أنا أعلم أنه لايتصل لأنه يريد رؤيتي، كل ما في الأمر أن حالتي تتدهور وأصبحتُ أحتاج عناية طبية أكثر تركيزا. أشعر بألمٍ يخترق قلبي… الألم في صدري كقبضة خفية تنكمش ببطء حول قلبي، لا طعنة ولا جرح، بل ثقل خانق يضغط من الداخل. كل خفقة كانت كصرخة مكتومة، والهواء يدخل بصعوبة كأنه يمرّ عبر ضبابٍ من النار. لم يكن الألم قويًا فحسب، بل عميقًا… كأن قلبي يذبل من الداخل بصمتٍ لا يُرى. أتمنى ألا أضطر للمبيت في العيادة يوما ما، سيكون ذلك سيئا للغاية فلدي جدول مزدحم من الألعاب التي علي تختيمها قبل وفاتي…’
‘هيهي، هل أبدو كشخص يتدخل في شؤون الأخرين بالنسبة لهم؟ كل مافي الأمر أنها اصطدمت بي. ليس وكأن لدي نقصا في المشاكل كي أبحث عن آخر جديد.’
أبعدتُ الفتاة مني ببطئ، واستدرت دون نطق كلمة واحدة مكملا طريقي. شدني بعدها شيئ ما ممسكا بي من الخلف… لقد كانت يدا مرتجفة، أطراف أصابع صغيرة وناعمة شدَّت قميصي وأنا راحل.
أبعدتُ الفتاة مني ببطئ، واستدرت دون نطق كلمة واحدة مكملا طريقي. شدني بعدها شيئ ما ممسكا بي من الخلف… لقد كانت يدا مرتجفة، أطراف أصابع صغيرة وناعمة شدَّت قميصي وأنا راحل.
أحد أسباب نفوري من مغادرة المنزل ليس التعب… بل المدينة ذاتها. أخرج فأجدها ممدّدة أمامي كجسدٍ أُرهق من كثرة ما صمد، حيّ عشوائي بُني على عجلٍ ثم تُرك ليواجه مصيره وحده. الأزقة ضيقة إلى حدّ أنها تخنق الهواء. الجدران متلاصقة كأنها تتآمر على ضوء الشارع، فلا تترك منه إلا خيوطًا شاحبة تتسلّل بخجل. الطين تحت قدمي ليس طينًا خالصًا، بل خليط من غبارٍ عالق، ومياهِ مصارف كريهة، وبقايا ما لفظته البيوت من تعبها اليومي. الرائحة هنا ليست رائحةً واحدة؛ بل ذاكرة فسادٍ متراكمة. عفن طعامٍ تُرك لينسى، سمك ذبل قرب حاوياتٍ ممتلئة، ماءٌ راكد يحمل سرّ الأيام التي لم تُنظَّف. رائحة تُثقِل الصدر، لكنها لم تعد تثير فيّ شيئًا. كأن أنفي قد اعتاد الهزيمة.
“س-س-ساعدني أرجوك!” قالت بنبرة خافتة ترتعد خوفا
رفعت الفتاة نظرها إلي بعينان مرتعبتان. “آ-آ-آسفة!” اعتذرَت بنبرة قلقة
‘لا لا لا، أنا من أرجوك أن تبتعدي عني هنا، إنهم ثلاثة رجال، ثلاثة، وأنا وحدي. غالب الظن أنهم مسلحون أيضا، ليس وكأن لدي فرصة للفوز أمامهم حتى لو كانوا غير ذلك. لا أريد عيش الأشهر القليلة المتبقية من عمري مُقْعَدًا دون أن يرعاني أحد حتى.’
إنها ترتجف بشدة، بئسا. لا أحاول أن أبدو بطلا ولا أهتم لنظرتها لي، لا شيئ من هذا مهم إن تعرضت لأذى، لكن…
‘لكن…’
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"}) التفتُّ لأرى مايجري خلف ظهري إذ بفتاة يافعة تصطدم بي في محاولة هربها من ثلاث مطاردين. أمسكتها من كتفيها كي أساعدها على الوقوف بتوازن، ثم حذرتها.
استدرت لأواجهها وأخبرها بذلك لكنني لم أستطع، إذ كانت ترتعد خوفا من هؤلاء المطاردين. ليس وكأنني أعرف طبيعة علاقتهم أو شيئا من هذا القبيل، لكن لم تبدو عليها ملامح شخص قد يفعل شيئا مسيئا لهذه الدرجة. لقد كانت فتاةً في مثل عمري تقريبا ذات مظهرٍ حسَن، كان وجهها بيضاوي الشكل بملامح فاتنة، شعرها أسود طويل ينسدل على كتفيها لكنه كان فوضويا قليلًا، عينان سوداوتان ذات رموش سفلية بارزة، لكن بكاءها جعل الماكياج يتداعى من أسفل جفنيها على وجهها، أنف مستقيم جميل، وفم صغير عليه أثر أحمر شفاه. لقد كانت ترتدي مختلف الأكسسوارات والزينة. حلقات دائرية ذهبية، وكانت تضع عِقدًا من الفضة يتدلّى فوق عنقها، وتُزيّن معصمها بسِوارٍ ذهبيٍّ رقيق، وخواتم فضية على بعض أصابعها. كانت ترتدي فستانا أبيضا بأكتاف مكشوفة متسخا بالغبار حتى صار يبدو باليا، ممزقا من فتحة الأرجل كي تستطيع الركض به غالبا. ساقها كانت نحيلة مليئة بالدماء إثر جُرحٍ في ركبتها تداعت دماؤه حتى أسفل القدم. كانت ترتدي حذاءًا ذهبيا بالكعب مما يفسّر بطئ حركتها، يبدو أن جريها مرتدية إياه آذى قدمها بشدة إذ تبدو متورمة وغير قادرة على الهروب أبعد من هذا.
كانت رؤيتي ضبابية، لكنني شعرت بحضور شخصين بالقرب من جسدي كما يشعر الجلد بدفء الاقتراب من النار. كانا واقفَين قريباً مني، أحدهما على يساري، والآخر أبعد بقليل… ظِلّان غامضان، ملامحهما غارقة في سحابة البياض، كأن الثلج نفسه شكّلهما. لم يتكلما، ولم يتحركا، أو ربما أنا فقط من لم يتمكن من سماعهما، لكن إحساسًا غريبًا بالخوف من الموت والحنين اجتاحني في اللحظة ذاتها، كما لو أنني أعرفهما منذ زمنٍ بعيد… ولا أتذكر أين…
إنها ترتجف بشدة، بئسا. لا أحاول أن أبدو بطلا ولا أهتم لنظرتها لي، لا شيئ من هذا مهم إن تعرضت لأذى، لكن…
‘نعم، لقد أخبرني الطبيب سابقًا أنني لن أعيش طويلا، تبقى لي ثلاث أشهر لأعيشها على أحسن تقدير! بئسا… يبدو أنني سأموت قبل أن أشهد نهاية أنمي القطعة الواحدة…’
رفعت بصري إلى قائدهم محاولا إظهار أكثر النظرات جدِّيةً في جعبتي. وضعَت الفتاة رأسها على صدري وهي تبكي من الخوف وكأنني آخر أمل لها أمام هؤلاء الحثالة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com ‘ضيق في التنفس، ألم وضغط لا يُطاق في منطقة القلب والصدر، نبضٌ غير منتظم، فقدان شهية، وصعوبة في النوم… بدأتُ أعاني من كل هذه الأعراض مؤخرًا، لكنني لستُ حزينًا بالخصوص… ما يُزعجني حقًا هو السُّعال، كم أبغضُه.’
“ماذا فعلت هذه الفتاة لتستحق مطاردة ثلاث أشخاص لها، هل تظنون أن تصرفكم هذا يمد للرجولة بِصِلَة؟” قلت متحديا
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com كانوا يقفون كتفًا إلى كتف، كأنهم نسخة واحدة تكررت ثلاث مرات… لا شيء فيهم يُقنع بأنهم خطرون كما يظنون. لكنهم كانوا ببساطة أقوى مني على الأقل! ليس وكأن منظري هو الآخر يوحي بالقوة على كل حال.
“يا أيها الشقي أنت لاتفهم، لا شيئ يخصُّنا معك، قدِّم الفتاة لنا وغادر وسندعك تنام بعد ذلك هذه الليلة في هناء.” قال بنبرة مستفزة رخيصة
“هاه! صادفت الليلة أنني كنت أنوي السهر في كل الأحوال، لكن يبدو أن الخطة ستتغير من تختيم لعبة إلى تلكيم بِضعة أوغاد رعاع.” قلت متحديا بابتسامة
‘لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تبدو بطلا.’
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com ستزول المدينة… وسأزول معها.
“هاه! صادفت الليلة أنني كنت أنوي السهر في كل الأحوال، لكن يبدو أن الخطة ستتغير من تختيم لعبة إلى تلكيم بِضعة أوغاد رعاع.” قلت متحديا بابتسامة
‘هل ما زال يلقى هذا النوع رواجًا في أيامنا هذه؟’
يُتبع…
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com ستزول المدينة… وسأزول معها.
أحد أسباب نفوري من مغادرة المنزل ليس التعب… بل المدينة ذاتها. أخرج فأجدها ممدّدة أمامي كجسدٍ أُرهق من كثرة ما صمد، حيّ عشوائي بُني على عجلٍ ثم تُرك ليواجه مصيره وحده. الأزقة ضيقة إلى حدّ أنها تخنق الهواء. الجدران متلاصقة كأنها تتآمر على ضوء الشارع، فلا تترك منه إلا خيوطًا شاحبة تتسلّل بخجل. الطين تحت قدمي ليس طينًا خالصًا، بل خليط من غبارٍ عالق، ومياهِ مصارف كريهة، وبقايا ما لفظته البيوت من تعبها اليومي. الرائحة هنا ليست رائحةً واحدة؛ بل ذاكرة فسادٍ متراكمة. عفن طعامٍ تُرك لينسى، سمك ذبل قرب حاوياتٍ ممتلئة، ماءٌ راكد يحمل سرّ الأيام التي لم تُنظَّف. رائحة تُثقِل الصدر، لكنها لم تعد تثير فيّ شيئًا. كأن أنفي قد اعتاد الهزيمة.
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات