علاقات الحياة الحالية (١)
في اليوم الذي سبق سقوط قلعة بينيديكت، تلقى الكونت فاندنبرغ، قائد الجبهة الغربية، تقريراً زلزل أركان السكينة في “كايرو”.
“لقد عبرت إمبراطورية كرونوس الحدود! سقط خط الدفاع الأول، وهم الآن يقودون فيالقهم نحو الخط الثاني. أيها القائد، ننتظر أوامركم، فالمسألة ليست سوى مسألة وقت قبل أن ينهار خط الدفاع الثاني أيضاً!”
كان هذا نداء استغاثة من أحد مرؤوسيه. فالمملكة كانت تترنح تحت وطأة حرب أهلية اندلعت منذ أيام؛ إذ حشد “دانيال كايرو” قواته لإخماد التمرد، غير أن أحداً من حماة الجبهة الغربية لم يُستدعَ للمشاركة، لوجود قوة شريرة تتربص بهم وراء الغرب.
ولأن أحداً لم يتكهن بموعد غزو إمبراطورية كرونوس، فقد وضعوا شبكة أمان دنيا؛ فما كان خط الدفاع الأول إلا مركزاً دفاعياً مؤقتاً، كان دوره في الواقع يقتصر على الاستطلاع والتبليغ عن تحركات العدو، بينما خُصص الخط الثاني لتجهيز مؤن المعركة وعتادها.
هتف الكونت فاندنبرغ:
“استدعوا القوات فوراً! كايرو تغرق في فوضى الحرب الأهلية، وفي ظل هذا الوضع، إذا وطأت أقدام إمبراطورية كرونوس أرضنا، فستخرج الفوضى عن حد السيطرة.”
كان توقيت الغزو هو الخيار الأمثل الذي يمكن أن يتخذه أعداؤهم. وبما أن خط الدفاع الثالث هو معقلهم الأخير، فقد كان لزاماً عليهم حصد نصرٍ ما في الخط الثاني.
وفي تلك اللحظة الحرجة…
“كلا. يجب علينا التخلي عن خط الدفاع الثاني والانسحاب بالقوات.”
ساد الصمت في نهاية الاجتماع؛ لقد كان المتحدث أحد أفراد طاقم الجبهة الغربية. سأل الكونت فاندنبرغ بدهشة:
“فلورا، ماذا تعنين؟”
كانت هي “فلورا لورانس”، وانحنت نحوها كل الأنظار.
فلورا، تلك الشخصية المتفردة في الجبهة الغربية، كانت بمثابة أيقونة في الغرب. فبعد أن غادرت كنف عائلتها، التحقت بالأكاديمية الملكية لدراسة فنون التكتيك، ثم فاجأت الجميع بإعلان رغبتها في التطوع بالجبهة الغربية، مما أثار ضجة عارمة في العاصمة.
لقد كان طلباً غير مألوف، فهي ليست مجرد امرأة عادية، بل ابنة عائلة نبيلة مرموقة، فانقسمت الآراء حولها. وفي نهاية المطاف، تركوا القرار لوالدها، الفيكونت لورانس، الذي ما إن سمع بقرار ابنته حتى بعث برسالة يقول فيها إنه يؤمن بها وبقدراتها.
كانت تلك سابقة في تاريخ “كايرو”؛ فلم يحدث قط أن طلبت سيدة نبيلة ذات مستقبل واعد الانخراط في أتون الحرب، مما أثار حفيظة الكثيرين. ومع ذلك، كان هناك من يرى أن البعض يملك خيار الذهاب لساحة المعركة لمجرد خوض التجربة دون المخاطرة بحياتهم، فاصطدمت فلورا بجدار من التحيز المسبق في الغرب، لكن لم يمضِ شهر واحد حتى تبدلت تلك النظرة تماماً.
وما أظهرته من براعة حتى الآن جعل الكونت يصغي إليها طواعية.
“فلورا، أوضحي مقصِدك.”
قالت فلورا: “لقد اعتادت إمبراطورية كرونوس غزو حدود كايرو بشكل دوري كنوع من التحذير، دون نية حقيقية للاستيلاء عليها. لكن الأمر يختلف هذه المرة؛ فالحرب الأهلية تمزق أحشاء المملكة، وتفيد التقارير بأن الماركيز بينيديكت بات محاصراً. الموقف معقد للغاية، وأعتقد أن هجوم كرونوس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الحرب.”
“… هل تعنين أن إمبراطورية كرونوس قد تحالفت مع الماركيز بينيديكت؟”
“لست متيقنة من هوية الحليف تحديداً، فقد يكون الأمر متعلقاً بالكونت غريغوري السجين، أو ربما طلب الماركيز بينيديكت العون بنفسه. الثابت هو أن كرونوس اجتاحت الحدود رغم الصراع الداخلي في المملكة، لذا لا ينبغي لنا الاستهانة بالأمر.”
ضجت الغرفة بالهمسات؛ فكلمات فلورا تعني تورط كرونوس في الحرب الأهلية. وسط هذا المشهد المربك، سأل أحدهم:
“فلورا، إذا كان الأمر كذلك، أليس من الأهم صدّ كرونوس عند خط الدفاع الثاني؟ الحرب سجال، وعلينا الإمساك بزمام المبادرة. إذا انسحبنا الآن، فسنخسر الكثير من الموارد الحربية.”
أجابت بقوة: “نعم، هذا صحيح في الظروف العادية. لكن إذا قررت كرونوس استغلال الحرب الأهلية لمآربها، فإن هدفها هو اختراق الخط الثالث بأي ثمن واجتياح كايرو. وإذا انشغلت المملكة بالتمرد ولم تجد قوات دعم فائضة، فسنواجه أسوأ سيناريو: التصدي لكرونوس بمفردنا. لا نملك دائماً ترف الخيار الأفضل، ومصير كايرو الآن على المحك، لذا يجب أن نفاضل بين الخيارات المتاحة لنتجنب الأسوأ.”
أضافت فلورا نبرة من الثقة لحديثها؛ فمنذ تعيينها في الغرب، أثبتت جدارتها في الميدان، حتى أصبحت عضواً محورياً يقدره الجميع متجاوزين القيود الجندرية والطبقية.
صمت الكونت فاندنبرغ ملياً، وبعد تفكير عميق، حسم أمره:
“فلورا على حق. أمروا القوات في الخط الثاني بالانسحاب. تحسباً للأسوأ، سنعد العدة لمواجهة كرونوس عند خط الدفاع الثالث.”
سارت الأحداث كما توقعوا؛ فلم تكتفِ إمبراطورية كرونوس بالخط الثاني، بل زحفت لما وراءه. وسرعان ما تلقت القوات رسالة من العائلة الملكية في كايرو:
[لقد تواطأ الماركيز بينيديكت مع إمبراطورية كرونوس. إنهم ينوون تحطيم خط الدفاع الثالث والهجوم مباشرة على قلب المملكة. تحتاج قوات المملكة إلى وقت لتصفية التمرد. اصمدوا لثلاثة أيام؛ إذا استطعتم الصمود لهذه المدة، فسأقوم بتنظيم القوات سريعاً وإرسال التعزيزات إلى الجبهة الغربية.]
عُقد اجتماع طارئ للقادة. تحدث البارون نول، رئيس الأركان، قائلاً:
“وعدنا جلالته بثلاثة أيام، لكن المنطق يقول إن إخماد تمرد كهذا في ثلاثة أيام ضرب من المستحيل. لقد استعد الماركيز بينيديكت لهذا التمرد طويلاً، وقلعته مجهزة بكل ما يلزم للحرب. ورغم أن القائد الذي يقودهم هو ‘رومان دميتري’ الذي هزم مملكة هكتور، إلا أننا بحاجة لإعداد خطة ما.”
“صحيح، وحتى لو نجحوا في إخضاع التمرد، فسيستغرق تحركهم وقتاً. حتى مع استخدام بوابة النقل (Warp Gate)، سيستغرق وصولهم يوماً كاملاً. هل يُعقل أن يطهروا قلعة بينيديكت في يوم واحد؟”
ساد التشاؤم بين الحضور؛ فرغم وجود بوابات النقل بين الغرب وبينيديكت التي تختصر المسافات، إلا أن مهلة الثلاثة أيام بدت قصيرة جداً.
قال الكونت فاندنبرغ:
“أنتم على حق. إذا أردنا حقاً منع كرونوس من اجتياحنا، فعلينا تأمين المواد الحربية بأسرع ما يمكن والاستعداد للدفاع. في أسوأ الأحوال، قد يعجز جيش المملكة عن تصفية المتمردين، مما يعني أننا سنواجه هذه الأزمة وحدنا.”
“لدي رأي آخر.”
كان صوتاً عذباً… إنها فلورا مرة أخرى.
سألها البارون نول: “رأي آخر؟ هل تعتقدين أن قوات المملكة ستنهي الأمر في ثلاثة أيام؟”
“أنا أيضاً أرى أن الثلاثة أيام مهلة ضيقة، لكن جلالته قال إنه منح هذا الموعد النهائي لرومان دميتري. لذا، هناك فرصة كبيرة ألا يطول الأمر لأكثر من خمسة أيام كحد أقصى. سيقبضون على المتمردين في ثلاثة أيام، ومع وقت السفر، سيصلون في غضون خمسة أيام.”
“كيف لكِ أن تكوني بهذه الثقة؟”
“أعتقد أن الجميع يدرك طبيعة العلاقة بين عائلتي دميتري ولورانس. رومان دميتري رجل يصنع المستحيل من العدم. منذ اللحظة التي أسقط فيها عائلة ‘باركو’ مع لورانس، علمت أنه شخص لا يمكن الحكم عليه بالمنطق المعتاد. وبما أن شخصاً مثله قال ثلاثة أيام، فأنا أثق به.”
لم يكن قادة الجبهة الغربية عاجزين؛ فلكل منهم نقاط قوته، وآمنت فلورا أنهم طالما حموا هذا المكان، فبإمكانهم تغيير المجرى.
رومان دميتري… لقد خبرت قوته بنفسها. ورغم ضيق الوقت، وضعت ثقتها فيه، لكن البارون نول لم يشاطرها الرأي:
“كل هذا حكم بلا أساس. إذا تراجعنا وتحققت نبوءتك، فما هي الطريقة الصحيحة للرد؟”
أجابت بنظرة حادة: “الوقت ينفد بالنسبة لنا ولـكرونوس أيضاً. سيحاول الماركيز بينيديكت قضم أراضي كايرو قبل سقوطه، لذا سيبذلون قصارى جهدهم منذ البداية. حتى لو انتقلنا للخط الثالث، فلا ضمانة لصد هجومهم. في النهاية، لا يوجد سوى طريق واحد.”
ركزت نظراتها؛ فإذا كانت قد فطنت لنوايا كرونوس وقررت الانسحاب، فعليها الآن أن تبرر هذا الخيار.
“هناك مقولة تقول إن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع. أعتقد أن الأفضل هو مباغتتهم أولاً وإضعافهم حتى لا يتمكنوا من الإطاحة بنا خلال الأيام الخمسة القادمة.”
الهجوم! أثارت كلمات فلورا ارتباكاً بين القادة. كانت فكرة جريئة تبدو شبه مستحيلة، ولأن فلورا توقعت هذا الارتباك، فقد كشفت عما أعدته مسبقاً.
(تك.. خشخشة..)
بسطت الخرائط والمواد أمامهم، وبينما اتجهت العيون نحوها، شرحت بصوت هادئ وموزون:
“علينا تحليل نمط هجوم كرونوس. عندما يغزون للتحذير، يلجأون عادة للالتحام الجسدي، لكن عندما يسعون لنصر مؤكد كما هو الحال الآن، يفضلون حشد سحرة الحرب. البيانات هنا تثبت ذلك؛ إنه نمط كرونوس المعتاد استخدام السحر لهدم الأسوار ثم اجتياح القلعة بقواتهم.”
“هذا أمر نعرفه. أليس الأهم هو تأمين أحجار المانا والمؤن؟”
“بلى. إذا استخدمنا الدفاع السحري، فسيطول أمد القتال. لكن الحقيقة المعلنة للطرفين هي أنه إذا استخدم العدو سحرته، فسنرد بالدفاع السحري. وهنا سيقوم سحرة الحرب بمضاعفة قوتهم، وبالنسبة لإمبراطورية كرونوس التي تمتلك سبعة أبراج سحرية، فإن استقدام المزيد من السحرة ليس بالأمر الصعب.”
(سويش..) قلبت الصفحة.
“انظروا إلى هذا. لهجمات العدو نمط معين؛ فسحرتهم يضاعفون قوتهم أثناء إلقاء السحر من مسافة آمنة بعيداً عن سهامنا، لأن السحرة يكونون في أضعف حالاتهم أثناء الإلقاء، وعادة ما تكون المسافة حوالي كيلومتر واحد. هذه المسافة لا تصلها السهام، وحتى لو حاولنا الهجوم بعيد المدى، فإن الدقة تكون منخفضة جداً، ناهيك عن أنهم سيتسلحون بتمائم دفاعية إذا زاد عددهم.”
“كيلومتر واحد… هل تعنين أن هناك طريقة لاستغلال ذلك؟”
“نعم. إذا استطعنا توقع المكان الذي سيقف فيه السحرة، وزرعنا فخاخاً سحرية في تلك المنطقة.”
ابتسم البارون نول بتهكم مشوب بالإرهاق؛ فكلمات فلورا منمقة لكنها تبدو عبثية.
“هذا مستحيل. رغم أن مسافة الكيلومتر محددة، إلا أنها تشير للمسافة من سور القلعة فقط، ولا يمكن ضمان المكان الدقيق الذي سيختارونه. كما لا يمكننا تأمين فخاخ سحرية بكميات ضخمة، والسحرة يمكنهم رصد أماكن الفخاخ عبر المانا. إذا استشعروا أي شيء مريب، فسيبطلونها ويهاجمون من موقع آمن.”
“صحيح.. لذا، من الآن فصاعداً، علينا العمل باستراتيجية.”
ارتفع صوت فلورا وهي تجول بنظرها في الوجوه؛ فمنذ دخولها الأكاديمية، تعلمت الكثير عن الميادين الملطخة بالدماء.
“يجب أن نعرض عليهم ‘مبارزة المحاربين العظام'”
“ماذا؟”
“نعم. في الحروب بين الدول، تُستخدم هذه المبارزة لكسر شوكة الخصم وانتزاع المبادرة. وبما أن إمبراطورية كرونوس قوية، فلن يرفضوا العرض لثقتهم بأن رجالهم سيسحقوننا.”
“حتى لو قبلوا… لا يعقل؟!”
صُدم البارون نول بخطتها؛ فقد أدرك ما ترمي إليه.
“إذا أعددنا الفخاخ مسبقاً وعرضنا المبارزة، فسيضطرون لتحريك قواتهم وفقاً لموقعنا. حينها، سيكون من الممكن التنبؤ بالموقع الذي سيختاره السحرة لإلقاء تعاويذهم. سيتركون القوات خلفهم ويتقدمون للأمام، مما يقلص هامش الخطأ لدينا بشكل كبير.”
“وماذا عن استشعارهم للمانا؟”
“هنا يأتي الدور المحوري للمبارز الذي سيشارك في القتال. إذا قاتل المبارز مستخدماً أقصى طاقته من ‘الأورا’، فسيؤدي ذلك لرفع تركيز المانا في المحيط. حتى أكثر السحرة حساسية لن يستطيعوا اختراق تلك الهالة الهائجة لرصد الفخاخ السحرية. وفي اللحظة التي يطأون فيها الفخاخ باطمئنان زائف بسبب المعركة المحتدمة أمامهم، سنتمكن من تدميرهم ببطء وثبات.”
أذهلت الخطة الجميع. البارون نول، الذي كان ينظر إليها بتشكيك، بات الآن يومئ برأسه موافقاً. لقد كانت النتيجة المثلى؛ فلم يعترض إلا لصعوبتها، لكن الخطة كانت بارعة وجذابة، فهي تضمن تحييد السحرة وتأخير تقدم كرونوس.
أضافت فلورا بنبرة هادئة:
“المعضلة تكمن في هوية ‘المحارب العظيم’ الذي سيذهب. سيتعين على محاربنا المخاطرة بحياته وإطالة أمد النزال لتنجح الخطة. وبصراحة، قد لا ينجو من يذهب؛ فأنا لا أعرف أي نوع من السيافين سترسله كرونوس، لكنه بالتأكيد لن يكون خصماً يستهان به.”
كان مأزقاً حقيقياً؛ فمن أجل إتمام العملية، كان على أحدهم الموت.
وفي تلك اللحظة، انطلق صوت من وسط الاجتماع:
“سأفعلها أنا.”
صُعق الجميع؛ فقد كان المتحدث هو “رودويل دميتري”.
في اليوم الذي سبق سقوط قلعة بينيديكت، تلقى الكونت فاندنبرغ، قائد الجبهة الغربية، تقريراً زلزل أركان السكينة في “كايرو”. “لقد عبرت إمبراطورية كرونوس الحدود! سقط خط الدفاع الأول، وهم الآن يقودون فيالقهم نحو الخط الثاني. أيها القائد، ننتظر أوامركم، فالمسألة ليست سوى مسألة وقت قبل أن ينهار خط الدفاع الثاني أيضاً!” كان هذا نداء استغاثة من أحد مرؤوسيه. فالمملكة كانت تترنح تحت وطأة حرب أهلية اندلعت منذ أيام؛ إذ حشد “دانيال كايرو” قواته لإخماد التمرد، غير أن أحداً من حماة الجبهة الغربية لم يُستدعَ للمشاركة، لوجود قوة شريرة تتربص بهم وراء الغرب. ولأن أحداً لم يتكهن بموعد غزو إمبراطورية كرونوس، فقد وضعوا شبكة أمان دنيا؛ فما كان خط الدفاع الأول إلا مركزاً دفاعياً مؤقتاً، كان دوره في الواقع يقتصر على الاستطلاع والتبليغ عن تحركات العدو، بينما خُصص الخط الثاني لتجهيز مؤن المعركة وعتادها. هتف الكونت فاندنبرغ: “استدعوا القوات فوراً! كايرو تغرق في فوضى الحرب الأهلية، وفي ظل هذا الوضع، إذا وطأت أقدام إمبراطورية كرونوس أرضنا، فستخرج الفوضى عن حد السيطرة.” كان توقيت الغزو هو الخيار الأمثل الذي يمكن أن يتخذه أعداؤهم. وبما أن خط الدفاع الثالث هو معقلهم الأخير، فقد كان لزاماً عليهم حصد نصرٍ ما في الخط الثاني. وفي تلك اللحظة الحرجة… “كلا. يجب علينا التخلي عن خط الدفاع الثاني والانسحاب بالقوات.” ساد الصمت في نهاية الاجتماع؛ لقد كان المتحدث أحد أفراد طاقم الجبهة الغربية. سأل الكونت فاندنبرغ بدهشة: “فلورا، ماذا تعنين؟” كانت هي “فلورا لورانس”، وانحنت نحوها كل الأنظار. فلورا، تلك الشخصية المتفردة في الجبهة الغربية، كانت بمثابة أيقونة في الغرب. فبعد أن غادرت كنف عائلتها، التحقت بالأكاديمية الملكية لدراسة فنون التكتيك، ثم فاجأت الجميع بإعلان رغبتها في التطوع بالجبهة الغربية، مما أثار ضجة عارمة في العاصمة. لقد كان طلباً غير مألوف، فهي ليست مجرد امرأة عادية، بل ابنة عائلة نبيلة مرموقة، فانقسمت الآراء حولها. وفي نهاية المطاف، تركوا القرار لوالدها، الفيكونت لورانس، الذي ما إن سمع بقرار ابنته حتى بعث برسالة يقول فيها إنه يؤمن بها وبقدراتها. كانت تلك سابقة في تاريخ “كايرو”؛ فلم يحدث قط أن طلبت سيدة نبيلة ذات مستقبل واعد الانخراط في أتون الحرب، مما أثار حفيظة الكثيرين. ومع ذلك، كان هناك من يرى أن البعض يملك خيار الذهاب لساحة المعركة لمجرد خوض التجربة دون المخاطرة بحياتهم، فاصطدمت فلورا بجدار من التحيز المسبق في الغرب، لكن لم يمضِ شهر واحد حتى تبدلت تلك النظرة تماماً. وما أظهرته من براعة حتى الآن جعل الكونت يصغي إليها طواعية. “فلورا، أوضحي مقصِدك.” قالت فلورا: “لقد اعتادت إمبراطورية كرونوس غزو حدود كايرو بشكل دوري كنوع من التحذير، دون نية حقيقية للاستيلاء عليها. لكن الأمر يختلف هذه المرة؛ فالحرب الأهلية تمزق أحشاء المملكة، وتفيد التقارير بأن الماركيز بينيديكت بات محاصراً. الموقف معقد للغاية، وأعتقد أن هجوم كرونوس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الحرب.” “… هل تعنين أن إمبراطورية كرونوس قد تحالفت مع الماركيز بينيديكت؟” “لست متيقنة من هوية الحليف تحديداً، فقد يكون الأمر متعلقاً بالكونت غريغوري السجين، أو ربما طلب الماركيز بينيديكت العون بنفسه. الثابت هو أن كرونوس اجتاحت الحدود رغم الصراع الداخلي في المملكة، لذا لا ينبغي لنا الاستهانة بالأمر.” ضجت الغرفة بالهمسات؛ فكلمات فلورا تعني تورط كرونوس في الحرب الأهلية. وسط هذا المشهد المربك، سأل أحدهم: “فلورا، إذا كان الأمر كذلك، أليس من الأهم صدّ كرونوس عند خط الدفاع الثاني؟ الحرب سجال، وعلينا الإمساك بزمام المبادرة. إذا انسحبنا الآن، فسنخسر الكثير من الموارد الحربية.” أجابت بقوة: “نعم، هذا صحيح في الظروف العادية. لكن إذا قررت كرونوس استغلال الحرب الأهلية لمآربها، فإن هدفها هو اختراق الخط الثالث بأي ثمن واجتياح كايرو. وإذا انشغلت المملكة بالتمرد ولم تجد قوات دعم فائضة، فسنواجه أسوأ سيناريو: التصدي لكرونوس بمفردنا. لا نملك دائماً ترف الخيار الأفضل، ومصير كايرو الآن على المحك، لذا يجب أن نفاضل بين الخيارات المتاحة لنتجنب الأسوأ.” أضافت فلورا نبرة من الثقة لحديثها؛ فمنذ تعيينها في الغرب، أثبتت جدارتها في الميدان، حتى أصبحت عضواً محورياً يقدره الجميع متجاوزين القيود الجندرية والطبقية. صمت الكونت فاندنبرغ ملياً، وبعد تفكير عميق، حسم أمره: “فلورا على حق. أمروا القوات في الخط الثاني بالانسحاب. تحسباً للأسوأ، سنعد العدة لمواجهة كرونوس عند خط الدفاع الثالث.” سارت الأحداث كما توقعوا؛ فلم تكتفِ إمبراطورية كرونوس بالخط الثاني، بل زحفت لما وراءه. وسرعان ما تلقت القوات رسالة من العائلة الملكية في كايرو: [لقد تواطأ الماركيز بينيديكت مع إمبراطورية كرونوس. إنهم ينوون تحطيم خط الدفاع الثالث والهجوم مباشرة على قلب المملكة. تحتاج قوات المملكة إلى وقت لتصفية التمرد. اصمدوا لثلاثة أيام؛ إذا استطعتم الصمود لهذه المدة، فسأقوم بتنظيم القوات سريعاً وإرسال التعزيزات إلى الجبهة الغربية.] عُقد اجتماع طارئ للقادة. تحدث البارون نول، رئيس الأركان، قائلاً: “وعدنا جلالته بثلاثة أيام، لكن المنطق يقول إن إخماد تمرد كهذا في ثلاثة أيام ضرب من المستحيل. لقد استعد الماركيز بينيديكت لهذا التمرد طويلاً، وقلعته مجهزة بكل ما يلزم للحرب. ورغم أن القائد الذي يقودهم هو ‘رومان دميتري’ الذي هزم مملكة هكتور، إلا أننا بحاجة لإعداد خطة ما.” “صحيح، وحتى لو نجحوا في إخضاع التمرد، فسيستغرق تحركهم وقتاً. حتى مع استخدام بوابة النقل (Warp Gate)، سيستغرق وصولهم يوماً كاملاً. هل يُعقل أن يطهروا قلعة بينيديكت في يوم واحد؟” ساد التشاؤم بين الحضور؛ فرغم وجود بوابات النقل بين الغرب وبينيديكت التي تختصر المسافات، إلا أن مهلة الثلاثة أيام بدت قصيرة جداً. قال الكونت فاندنبرغ: “أنتم على حق. إذا أردنا حقاً منع كرونوس من اجتياحنا، فعلينا تأمين المواد الحربية بأسرع ما يمكن والاستعداد للدفاع. في أسوأ الأحوال، قد يعجز جيش المملكة عن تصفية المتمردين، مما يعني أننا سنواجه هذه الأزمة وحدنا.” “لدي رأي آخر.” كان صوتاً عذباً… إنها فلورا مرة أخرى. سألها البارون نول: “رأي آخر؟ هل تعتقدين أن قوات المملكة ستنهي الأمر في ثلاثة أيام؟” “أنا أيضاً أرى أن الثلاثة أيام مهلة ضيقة، لكن جلالته قال إنه منح هذا الموعد النهائي لرومان دميتري. لذا، هناك فرصة كبيرة ألا يطول الأمر لأكثر من خمسة أيام كحد أقصى. سيقبضون على المتمردين في ثلاثة أيام، ومع وقت السفر، سيصلون في غضون خمسة أيام.” “كيف لكِ أن تكوني بهذه الثقة؟” “أعتقد أن الجميع يدرك طبيعة العلاقة بين عائلتي دميتري ولورانس. رومان دميتري رجل يصنع المستحيل من العدم. منذ اللحظة التي أسقط فيها عائلة ‘باركو’ مع لورانس، علمت أنه شخص لا يمكن الحكم عليه بالمنطق المعتاد. وبما أن شخصاً مثله قال ثلاثة أيام، فأنا أثق به.” لم يكن قادة الجبهة الغربية عاجزين؛ فلكل منهم نقاط قوته، وآمنت فلورا أنهم طالما حموا هذا المكان، فبإمكانهم تغيير المجرى. رومان دميتري… لقد خبرت قوته بنفسها. ورغم ضيق الوقت، وضعت ثقتها فيه، لكن البارون نول لم يشاطرها الرأي: “كل هذا حكم بلا أساس. إذا تراجعنا وتحققت نبوءتك، فما هي الطريقة الصحيحة للرد؟” أجابت بنظرة حادة: “الوقت ينفد بالنسبة لنا ولـكرونوس أيضاً. سيحاول الماركيز بينيديكت قضم أراضي كايرو قبل سقوطه، لذا سيبذلون قصارى جهدهم منذ البداية. حتى لو انتقلنا للخط الثالث، فلا ضمانة لصد هجومهم. في النهاية، لا يوجد سوى طريق واحد.” ركزت نظراتها؛ فإذا كانت قد فطنت لنوايا كرونوس وقررت الانسحاب، فعليها الآن أن تبرر هذا الخيار. “هناك مقولة تقول إن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع. أعتقد أن الأفضل هو مباغتتهم أولاً وإضعافهم حتى لا يتمكنوا من الإطاحة بنا خلال الأيام الخمسة القادمة.” الهجوم! أثارت كلمات فلورا ارتباكاً بين القادة. كانت فكرة جريئة تبدو شبه مستحيلة، ولأن فلورا توقعت هذا الارتباك، فقد كشفت عما أعدته مسبقاً. (تك.. خشخشة..) بسطت الخرائط والمواد أمامهم، وبينما اتجهت العيون نحوها، شرحت بصوت هادئ وموزون: “علينا تحليل نمط هجوم كرونوس. عندما يغزون للتحذير، يلجأون عادة للالتحام الجسدي، لكن عندما يسعون لنصر مؤكد كما هو الحال الآن، يفضلون حشد سحرة الحرب. البيانات هنا تثبت ذلك؛ إنه نمط كرونوس المعتاد استخدام السحر لهدم الأسوار ثم اجتياح القلعة بقواتهم.” “هذا أمر نعرفه. أليس الأهم هو تأمين أحجار المانا والمؤن؟” “بلى. إذا استخدمنا الدفاع السحري، فسيطول أمد القتال. لكن الحقيقة المعلنة للطرفين هي أنه إذا استخدم العدو سحرته، فسنرد بالدفاع السحري. وهنا سيقوم سحرة الحرب بمضاعفة قوتهم، وبالنسبة لإمبراطورية كرونوس التي تمتلك سبعة أبراج سحرية، فإن استقدام المزيد من السحرة ليس بالأمر الصعب.” (سويش..) قلبت الصفحة. “انظروا إلى هذا. لهجمات العدو نمط معين؛ فسحرتهم يضاعفون قوتهم أثناء إلقاء السحر من مسافة آمنة بعيداً عن سهامنا، لأن السحرة يكونون في أضعف حالاتهم أثناء الإلقاء، وعادة ما تكون المسافة حوالي كيلومتر واحد. هذه المسافة لا تصلها السهام، وحتى لو حاولنا الهجوم بعيد المدى، فإن الدقة تكون منخفضة جداً، ناهيك عن أنهم سيتسلحون بتمائم دفاعية إذا زاد عددهم.” “كيلومتر واحد… هل تعنين أن هناك طريقة لاستغلال ذلك؟” “نعم. إذا استطعنا توقع المكان الذي سيقف فيه السحرة، وزرعنا فخاخاً سحرية في تلك المنطقة.” ابتسم البارون نول بتهكم مشوب بالإرهاق؛ فكلمات فلورا منمقة لكنها تبدو عبثية. “هذا مستحيل. رغم أن مسافة الكيلومتر محددة، إلا أنها تشير للمسافة من سور القلعة فقط، ولا يمكن ضمان المكان الدقيق الذي سيختارونه. كما لا يمكننا تأمين فخاخ سحرية بكميات ضخمة، والسحرة يمكنهم رصد أماكن الفخاخ عبر المانا. إذا استشعروا أي شيء مريب، فسيبطلونها ويهاجمون من موقع آمن.” “صحيح.. لذا، من الآن فصاعداً، علينا العمل باستراتيجية.” ارتفع صوت فلورا وهي تجول بنظرها في الوجوه؛ فمنذ دخولها الأكاديمية، تعلمت الكثير عن الميادين الملطخة بالدماء. “يجب أن نعرض عليهم ‘مبارزة المحاربين العظام'” “ماذا؟” “نعم. في الحروب بين الدول، تُستخدم هذه المبارزة لكسر شوكة الخصم وانتزاع المبادرة. وبما أن إمبراطورية كرونوس قوية، فلن يرفضوا العرض لثقتهم بأن رجالهم سيسحقوننا.” “حتى لو قبلوا… لا يعقل؟!” صُدم البارون نول بخطتها؛ فقد أدرك ما ترمي إليه. “إذا أعددنا الفخاخ مسبقاً وعرضنا المبارزة، فسيضطرون لتحريك قواتهم وفقاً لموقعنا. حينها، سيكون من الممكن التنبؤ بالموقع الذي سيختاره السحرة لإلقاء تعاويذهم. سيتركون القوات خلفهم ويتقدمون للأمام، مما يقلص هامش الخطأ لدينا بشكل كبير.” “وماذا عن استشعارهم للمانا؟” “هنا يأتي الدور المحوري للمبارز الذي سيشارك في القتال. إذا قاتل المبارز مستخدماً أقصى طاقته من ‘الأورا’، فسيؤدي ذلك لرفع تركيز المانا في المحيط. حتى أكثر السحرة حساسية لن يستطيعوا اختراق تلك الهالة الهائجة لرصد الفخاخ السحرية. وفي اللحظة التي يطأون فيها الفخاخ باطمئنان زائف بسبب المعركة المحتدمة أمامهم، سنتمكن من تدميرهم ببطء وثبات.” أذهلت الخطة الجميع. البارون نول، الذي كان ينظر إليها بتشكيك، بات الآن يومئ برأسه موافقاً. لقد كانت النتيجة المثلى؛ فلم يعترض إلا لصعوبتها، لكن الخطة كانت بارعة وجذابة، فهي تضمن تحييد السحرة وتأخير تقدم كرونوس. أضافت فلورا بنبرة هادئة: “المعضلة تكمن في هوية ‘المحارب العظيم’ الذي سيذهب. سيتعين على محاربنا المخاطرة بحياته وإطالة أمد النزال لتنجح الخطة. وبصراحة، قد لا ينجو من يذهب؛ فأنا لا أعرف أي نوع من السيافين سترسله كرونوس، لكنه بالتأكيد لن يكون خصماً يستهان به.” كان مأزقاً حقيقياً؛ فمن أجل إتمام العملية، كان على أحدهم الموت. وفي تلك اللحظة، انطلق صوت من وسط الاجتماع: “سأفعلها أنا.” صُعق الجميع؛ فقد كان المتحدث هو “رودويل دميتري”.
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"})
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات