أسد المريخ
الفصل 59: أسد المريخ
يصدرُ أحدُ فرسان العظام، وهو رجلٌ شامخ وجذاب بعينين متقدتين وعظام وجنتين كتمثال، صوتاً يشبه الهديل. أصابعه الموشومة بأظافر مطلية تنقرُ على شفته السفلية. يسأل: “بكم عظام باركا؟”. يجيب كاسيوس: “ليست للبيع”. يرسمُ الرجلُ ابتسامةً متغطرسة: “كلُّ شيءٍ للبيع يا صاحبي. عشرة ملايين رصيد مقابل ضلع”. “كلا”. “مئة مليون. هيا يا بيلونا…”.
يتمُّ سحبي أنا وموستانغ أسفل لوح شحن المركبة بواسطة رجال أوبسديان بدروع سوداء، كل واحد منهم بحجم راغنار تقريباً ويرتدون شارة الأسد. أحاولُ ركلهم، لكنهم يغرسون رماحاً أيونية بطول مترين في معدتي، صعقاً بالكهرباء. تتشنجُ عضلاتي. الكهرباءُ تصرخُ في داخلي. يلقون بي فوق السطح، ويجذبونني من شعري حتى أصبحتُ جاثياً على ركبتيّ أحدقُ في جثة سيفرو. ومن حسن الحظ أن عينيه مغلقتان؛ وفمه ورديٌ من الدماء الملطخة. تحاولُ موستانغ النهوض، فيُسمع صوتُ ارتطام مكتوم حين يضربها أحدُ الـ أوبسديان في معدتها؛ معيداً إياها إلى ركبتيها، وهي تلهثُ طلباً للهواء. كما أُجبر كاسيوس على الجثو أيضاً.
تنضمُّ أنطونيا إلى ليلاث، التي تقفُ أمامنا بدروع سوداء. جمجمةٌ ذهبية صارخة على كل كتف وأخرى في منتصف قطعة الصدر. وعلى جانبيها توجد عظامُ أضلاع بشرية مغروسة في الدرع؛ أولُ فارسة عظام بكامل زينتها البربرية. إنها “سيفرو” الخاص بـجاكال. الرأسُ حليق، والعينان الهادئتان غائرتان في وجه صغير منقبض لا يحبُّ إلا القليل مما يراه في العالم. وخلفها يبرزُ عشرةٌ من الشبان الفريدين المندوبين، رؤوسُهم حليقة مثلها من أجل الحرب. تأمرُ قائلة: “افحصوهم”.
يسأل ثارسوس: “وماذا عن فرجينيا؟”. يقول كاسيوس: “المسها وستموت، هذا كل ما تحتاج لمعرفته”. هناك خوفٌ خلف عيني كاسيوس، حتى وإن لم يظهره؛ لم يكن ليحضرها إلى هنا أبداً لو استطاع تجنب ذلك. فعلى عكس رجال السيدة الحاكمة، فإن جاكال عرضةٌ لفعل أي شيء في أي وقت. ضمانة آجا للسلامة تبدو فجأةً هشةً للغاية؛ لماذا أرسلتنا السيدة الحاكمة إلى هنا؟ تقول ليلاث بصوتٍ رتيبٍ ومخيف: “لن يلمس أحدٌ غنائمك، باستثناء الحاصد”. “عليَّ تسليمه…”. “نعرفُ ذلك. لكن سيدي يطلبُ تعويضاً عن مظالم الماضي. لقد منحته السيدة الحاكمة الإذن بينما كنتم تهبطون؛ كإجراءاتٍ احترازية”. تومضُ بلوحها الرقمي، فيقرأ كاسيوس الأمر ويشحبُ لونه قليلاً، ملتفتاً لينظر إليَّ. تتابع: “الآن هل يمكننا المضي قدماً، أم تودُّ الاستمرار في إثارة الضجيج؟”.
يسأل كاسيوس: “ما هذا بحق الجحيم؟”. تردُّ ليلاث: “أوامر جاكال”. تراقبُ ليلاث بعناية بينما يقوم الذهبيون بفحصي. يعاني كاسيوس من الإهانة بينما تتابع ليلاث: “الرئيس لا يريدُ أيَّ خدع”. يقول: “معي تفويضٌ من السيدة الحاكمة؛ علينا اصطحاب الحاصد وفرجينيا إلى القلعة”.
تبتسمُ أنطونيا باشمئزاز، مأخوذةً بمنظر ألمي. تأخذُ ليلاث نصلي من كاسيوس وتمشي مبتعدةً نحو ذوات الأجنحة الخاطفة التي رافقتنا إلى الحظيرة؛ وهناك، ترفعُ نصلي المنجلي وتضعه داخل أحد المحركات المشتعلة. يسأل ثارسوس بينما ننتظر: “أخبرني يا حاصد، هل كنت تعبثُ مع أخي الصغير؟ هل لهذا السبب كان مفتوناً بك؟”. خصلات شعره المعطرة تتدلى فوق عينيه؛ هو الوحيد الذي لم يحلق رأسه. ويضيف: “حسناً، لستَ أول من يحرثُ ذلك الحقل، إذا فهمت قصدي”. أحدقُ للأمام مباشرة. تنادي ليلاث من بعيد: “هل هو أيمن أم أعسر؟”. يجيب كاسيوس: “أيمن”.
تقول: “مفهوم. تلقينا الأوامر ذاتها. سنتوجهُ إلى هناك قريباً”. تشيرُ لـ كاسيوس بالوقوف بعد أن انتهى رجالُها من فحصهم؛ لا توجد أجهزة تصنت أو تعقب إشعاعي. ينفضُ كاسيوس الغبار عن ركبتيه. أبقى أنا على ركبتيَّ بينما تتأملُ ليلاث سيفرو، الذي جره أحدُ الـ أوبسديان أسفل المنحدر. تتحسسُ نبضَه وتبتسم. “قتلةٌ بارعة يا بيلونا”.
يصدرُ أحدُ فرسان العظام، وهو رجلٌ شامخ وجذاب بعينين متقدتين وعظام وجنتين كتمثال، صوتاً يشبه الهديل. أصابعه الموشومة بأظافر مطلية تنقرُ على شفته السفلية. يسأل: “بكم عظام باركا؟”. يجيب كاسيوس: “ليست للبيع”. يرسمُ الرجلُ ابتسامةً متغطرسة: “كلُّ شيءٍ للبيع يا صاحبي. عشرة ملايين رصيد مقابل ضلع”. “كلا”. “مئة مليون. هيا يا بيلونا…”.
يصدرُ أحدُ فرسان العظام، وهو رجلٌ شامخ وجذاب بعينين متقدتين وعظام وجنتين كتمثال، صوتاً يشبه الهديل. أصابعه الموشومة بأظافر مطلية تنقرُ على شفته السفلية. يسأل: “بكم عظام باركا؟”. يجيب كاسيوس: “ليست للبيع”. يرسمُ الرجلُ ابتسامةً متغطرسة: “كلُّ شيءٍ للبيع يا صاحبي. عشرة ملايين رصيد مقابل ضلع”. “كلا”. “مئة مليون. هيا يا بيلونا…”.
يقول كاسيوس: “لا توجد مشكلة”. يتقدمُ للأمام، ويرفعُ النصل عالياً، والمعدنُ ينبضُ بالحرارة. تسألُ موستانغ: “أهذا ما أصبحت عليه؟”. يتحملُ كاسيوس نظرتها، والخزيُ يعلو وجهه. تقول موستانغ: “انظر إليَّ يا دارو، انظر إليَّ”.
“لقبي، أيها الليجاتوس فالي راث، هو فارس الصباح. يمكنك مناداتي بـ ‘سيدي’ أو لا تنادِني على الإطلاق. جثة أريس ملكٌ للدولة، وليست ملكي لأبيعها. ولكن إذا سألتني عنها ثانيةً، فسيكون بيننا ما هو أكثرُ من الكلمات يا سيدي”. يسألُ شقيق تاكتوس الأكبر: “هل ستقاتل؟ هل هذا ما تقصده؟”. لم أقابل هذا المخلوق الأرستقراطي المزعج من قبل، وأنا سعيدٌ بذلك؛ فـ تاكتوس يبدو الأفضل بينهم. تقولُ موستانغ من بين أسنانها الملطخة بالدماء: “أيها البربري اللعين”. يسأل شقيق تاكتوس: “بربري؟ يا له من فمٍ جميل. ليس هكذا يجبُ أن تستخدميه”. يخطو كاسيوس خطوةً نحو الرجل؛ فيتحركُ بقية فرسان العظام نحو نصالهم.
أنطونيا ليست متأكدة مما يتحدثان عنه، ولا يعجبها الأمر بتاتاً. يديرُ جاكال نصلي في يده، ثم بالنظر بيني وبين موستانغ تخطرُ له فكرة. “كم قضيت سجيناً لدى دارو يا كاسيوس؟”. “أربعة أشهر”. “أربعة أشهر. إذاً أعتقدُ أن عليك القيام بالواجب”. يقذفُ النصل المتوهج لـ كاسيوس، الذي يلتقطه ببراعة من مقبضه. “اقطع يد دارو”. “السيدة الحاكمة تريده…”. “حياً، أجل؛ وسيبقى كذلك. لكنها لا تريده أن يدخلُ مخبأها وذراعُ سيفه متصلةٌ بجسده، أليس كذلك؟ علينا أخذ جميع أسلحته. قم بخصي الوحش ولنكن في طريقنا. إلا إذا… كانت هناك مشكلة؟”.
“ثارسوس. اصمت”. تميلُ ليلاث برأسها، مصغيةً إلى جهاز اتصال في أذنها بينما يعودُ هو لجانبها، رافعاً أنفه بكبرياء. تقول في جهاز اتصالها: “أجل يا مولاي. باركا ميت، لقد تحققتُ من ذلك”. تتقدمُ أنطونيا: “هل هذا أدريوس؟ دعيني أتحدث معه”. ترفعُ يدها في وجه المرأة الأطول: “أنطونيا تريد التحدث معك”. تصمتُ قليلاً ثم تتابع: “يقولُ إن الأمر يمكن أن ينتظر. ثارسوس، نوفاس، فكوا أصفاد الحاصد وافردوا ذراعيه”.
“لقبي، أيها الليجاتوس فالي راث، هو فارس الصباح. يمكنك مناداتي بـ ‘سيدي’ أو لا تنادِني على الإطلاق. جثة أريس ملكٌ للدولة، وليست ملكي لأبيعها. ولكن إذا سألتني عنها ثانيةً، فسيكون بيننا ما هو أكثرُ من الكلمات يا سيدي”. يسألُ شقيق تاكتوس الأكبر: “هل ستقاتل؟ هل هذا ما تقصده؟”. لم أقابل هذا المخلوق الأرستقراطي المزعج من قبل، وأنا سعيدٌ بذلك؛ فـ تاكتوس يبدو الأفضل بينهم. تقولُ موستانغ من بين أسنانها الملطخة بالدماء: “أيها البربري اللعين”. يسأل شقيق تاكتوس: “بربري؟ يا له من فمٍ جميل. ليس هكذا يجبُ أن تستخدميه”. يخطو كاسيوس خطوةً نحو الرجل؛ فيتحركُ بقية فرسان العظام نحو نصالهم.
يسأل ثارسوس: “وماذا عن فرجينيا؟”. يقول كاسيوس: “المسها وستموت، هذا كل ما تحتاج لمعرفته”. هناك خوفٌ خلف عيني كاسيوس، حتى وإن لم يظهره؛ لم يكن ليحضرها إلى هنا أبداً لو استطاع تجنب ذلك. فعلى عكس رجال السيدة الحاكمة، فإن جاكال عرضةٌ لفعل أي شيء في أي وقت. ضمانة آجا للسلامة تبدو فجأةً هشةً للغاية؛ لماذا أرسلتنا السيدة الحاكمة إلى هنا؟ تقول ليلاث بصوتٍ رتيبٍ ومخيف: “لن يلمس أحدٌ غنائمك، باستثناء الحاصد”. “عليَّ تسليمه…”. “نعرفُ ذلك. لكن سيدي يطلبُ تعويضاً عن مظالم الماضي. لقد منحته السيدة الحاكمة الإذن بينما كنتم تهبطون؛ كإجراءاتٍ احترازية”. تومضُ بلوحها الرقمي، فيقرأ كاسيوس الأمر ويشحبُ لونه قليلاً، ملتفتاً لينظر إليَّ. تتابع: “الآن هل يمكننا المضي قدماً، أم تودُّ الاستمرار في إثارة الضجيج؟”.
يختفي الرأس. يلمحُ جاكال نحو الـ أوبسديان الذين سحبوني أسفل منحدر الشحن. “أيها العبيد، اذهبوا لخدمة البريتور ليسينوس على مركز القيادة, لم تعد هناك حاجة لكم”. يغادرُ الـ أوبسديان دون سؤال. وعندما يرحلون، يرمقُ الثلاثين من فرسان العظام. “لقد منحنا فارس الصباح فرصةً لكسب هذه الحرب اليوم. آل تيليمانوس سيأتون لأجل أختي، والعواؤون وأبناء أريس سيأتون لأجل الحاصد. لن ينالوهم. يقعُ على عاتقنا تسليمهم لسيدتنا الحاكمة واستراتيجييها في القلعة”.
لا يملكُ كاسيوس خياراً. يضغطُ على جهاز التحكم؛ فينفتح القفلُ المعدني الذي يثبتُ يديَّ إلى صدري. يندفعُ ثارسوس ونوفاس للإمساك بذراعيَّ وسحبهما للجانبين، لافّين نصالهما في وضعية السوط حول كل معصم، ويشدونها بقوة حتى طحنت أكتافي في تجاويفها. تزمجرُ موستانغ في وجه كاسيوس: “ستتركهم يفعلون هذا؟ ماذا حدث لشرفك؟ هل هو زائفٌ كبقيتكم؟”. كان على وشك قول شيء، لكنها بصقت عند قدميه.
يزأرُ الغضبُ في داخلي وأحاولُ عضَّ وجهه، عاويا كحيوان جريح، مما أذهل موستانغ. أقاومُ الرجال الذين يثبتونني، مرتعشاً من الغيظ بينما يراقبني جاكال وأنا أتخبط. يحدقُ كاسيوس في الأرض، متجنباً نظرة موستانغ. يخرجُ صوتي كـ خوار، وبالكاد يشبهُ صوتي؛ ذلك الشيطان الأعمق الذي لا يستطيعُ استدعاءه مني سوى جاكال. أقول: “سأقشرُ جلدك”.
تبتسمُ أنطونيا باشمئزاز، مأخوذةً بمنظر ألمي. تأخذُ ليلاث نصلي من كاسيوس وتمشي مبتعدةً نحو ذوات الأجنحة الخاطفة التي رافقتنا إلى الحظيرة؛ وهناك، ترفعُ نصلي المنجلي وتضعه داخل أحد المحركات المشتعلة. يسأل ثارسوس بينما ننتظر: “أخبرني يا حاصد، هل كنت تعبثُ مع أخي الصغير؟ هل لهذا السبب كان مفتوناً بك؟”. خصلات شعره المعطرة تتدلى فوق عينيه؛ هو الوحيد الذي لم يحلق رأسه. ويضيف: “حسناً، لستَ أول من يحرثُ ذلك الحقل، إذا فهمت قصدي”. أحدقُ للأمام مباشرة. تنادي ليلاث من بعيد: “هل هو أيمن أم أعسر؟”. يجيب كاسيوس: “أيمن”.
تأمرُ ليلاث: “بولوكس، رابط الضغط”. أدركُ ما ينوون فعله ويتجمدُ الدم في عروقي. يبدو الأمرُ وكأنه يحدثُ لشخصٍ آخر؛ حتى عندما يشتدُّ المطاطُ حول ساعدي الأيمن وتنتشرُ وخزات الإحساس في أطراف أصابعي. ثم أسمعُ عدوي. طقطقةُ حذائه الأسود. التحولُ الدقيق في تصرفات الجميع. الخوف.
تأمرُ ليلاث: “بولوكس، رابط الضغط”. أدركُ ما ينوون فعله ويتجمدُ الدم في عروقي. يبدو الأمرُ وكأنه يحدثُ لشخصٍ آخر؛ حتى عندما يشتدُّ المطاطُ حول ساعدي الأيمن وتنتشرُ وخزات الإحساس في أطراف أصابعي. ثم أسمعُ عدوي. طقطقةُ حذائه الأسود. التحولُ الدقيق في تصرفات الجميع. الخوف.
لا يملكُ كاسيوس خياراً. يضغطُ على جهاز التحكم؛ فينفتح القفلُ المعدني الذي يثبتُ يديَّ إلى صدري. يندفعُ ثارسوس ونوفاس للإمساك بذراعيَّ وسحبهما للجانبين، لافّين نصالهما في وضعية السوط حول كل معصم، ويشدونها بقوة حتى طحنت أكتافي في تجاويفها. تزمجرُ موستانغ في وجه كاسيوس: “ستتركهم يفعلون هذا؟ ماذا حدث لشرفك؟ هل هو زائفٌ كبقيتكم؟”. كان على وشك قول شيء، لكنها بصقت عند قدميه.
ينقسمُ فرسان العظام لمراقبة سيدهم وهو يدخلُ من فتحة الردهة الرئيسية إلى حظيرة الطيران، محاطاً بدزينة أخرى من الحراس الشخصيين الذهبيين فارعي الطول برؤوسٍ حليقة؛ كلُّ واحدٍ منهم بطول فيكترا. جماجم ذهبية تضحكُ على ياقاتهم، وعلى مقابض نصالهم. عظامٌ تطقطقُ على أكتافهم، مفاصلُ أصابع نُزعت من أعدائهم؛ نُزعت من لورن، من فيتشنير، ومن عوائِيَّ. هؤلاء هم قتلة زماني، والغطرسةُ تقطرُ منهم. وبينما ينظرون إليَّ، ليس الكرهُ ما أراه في أعينهم العنيفة، بل غيابٌ جوهري للتعاطف.
ينقسمُ فرسان العظام لمراقبة سيدهم وهو يدخلُ من فتحة الردهة الرئيسية إلى حظيرة الطيران، محاطاً بدزينة أخرى من الحراس الشخصيين الذهبيين فارعي الطول برؤوسٍ حليقة؛ كلُّ واحدٍ منهم بطول فيكترا. جماجم ذهبية تضحكُ على ياقاتهم، وعلى مقابض نصالهم. عظامٌ تطقطقُ على أكتافهم، مفاصلُ أصابع نُزعت من أعدائهم؛ نُزعت من لورن، من فيتشنير، ومن عوائِيَّ. هؤلاء هم قتلة زماني، والغطرسةُ تقطرُ منهم. وبينما ينظرون إليَّ، ليس الكرهُ ما أراه في أعينهم العنيفة، بل غيابٌ جوهري للتعاطف.
لقد أخبرتُ جاكال أنني لا أكرهه؛ كانت تلك كذبة. هذا كلُّ ما أشعرُ به وأنا أراه يمشي عبر السطح، والمسدسُ الذي قتل به خالي معلقٌ في جراب ممغنط على فخذه. درعُه ذهبي، يزأرُ بأسود ذهبية. أضلاعٌ بشرية مغروسة على جانبي جذعه، كلُّ واحدٍ منها منقوشٌ بتفاصيل لا أستطيعُ تمييزها. شعره مصففٌ ومفرقٌ من الجانب. قلمه الفضي في يده، يدورُ ويدور. تأخذُ أنطونيا خطوةً نحوه، لكنها تتوقفُ عندما تراه يمشي نحو سيفرو وليس نحوها.
يقول: “هنا تكمنُ الأسود”. ويرددُ رجاله من خلفه: “هنا تكمنُ الأسود”.
“جيد. العظامُ سليمة”. بعد أن فحص جسد سيفرو الملطخ بالدماء، يقفُ فوق أخته. “أهلاً يا فرجينيا. أليس لديكِ ما تقولينه؟”. تسألُ من بين أسنانها المشدودة: “ماذا هناك ليُقال؟ أيُّ كلماتٍ أملكُ لوحش؟”. “همم”. يمسكُ فكها بين سبابتيه، مما يجعلُ يد كاسيوس تنجرفُ نحو نصله. كانت ليلاث وفرسان العظام ليقطعوه إرباً لو سلهُ حتى. يقول جاكال بنعومة: “نحن ضد العالم؛ أتتذكرين حين قلتِ لي ذلك؟”. “كلا”. “كنا صغاراً. كانت أمي قد توفيت للتو، ولم أستطع التوقف عن البكاء. وأنتِ قلتِ إنكِ لن تتركيني أبداً. ولكن بعد ذلك كان كلوديوس يدعوكِ إلى مكان ما، فكنتِ تنسين أمري تماماً. وكنتُ أبقى وحيداً في منزل قديم كبير وأبكي، لأني عرفتُ حتى حينها أنني وحيد”. ينقرُ على أنفها ويتابع: “الساعات القادمة ستختبرُ من أنتِ كشخص يا أختاه؛ أنا متحمسٌ لرؤية ما يقبعُ تحت كل هذا الهياج”.
“جيد. العظامُ سليمة”. بعد أن فحص جسد سيفرو الملطخ بالدماء، يقفُ فوق أخته. “أهلاً يا فرجينيا. أليس لديكِ ما تقولينه؟”. تسألُ من بين أسنانها المشدودة: “ماذا هناك ليُقال؟ أيُّ كلماتٍ أملكُ لوحش؟”. “همم”. يمسكُ فكها بين سبابتيه، مما يجعلُ يد كاسيوس تنجرفُ نحو نصله. كانت ليلاث وفرسان العظام ليقطعوه إرباً لو سلهُ حتى. يقول جاكال بنعومة: “نحن ضد العالم؛ أتتذكرين حين قلتِ لي ذلك؟”. “كلا”. “كنا صغاراً. كانت أمي قد توفيت للتو، ولم أستطع التوقف عن البكاء. وأنتِ قلتِ إنكِ لن تتركيني أبداً. ولكن بعد ذلك كان كلوديوس يدعوكِ إلى مكان ما، فكنتِ تنسين أمري تماماً. وكنتُ أبقى وحيداً في منزل قديم كبير وأبكي، لأني عرفتُ حتى حينها أنني وحيد”. ينقرُ على أنفها ويتابع: “الساعات القادمة ستختبرُ من أنتِ كشخص يا أختاه؛ أنا متحمسٌ لرؤية ما يقبعُ تحت كل هذا الهياج”.
ينتقلُ إليَّ، مرخياً كمامتي. حتى وأنا على ركبتيَّ فإن بنيتي الجسدية تتقزمُ أمامه؛ فأنا أثقلُ منه بخمسين كيلوغراماً. ومع ذلك، فإن حضوره يشبه البحر: غريبٌ وشاسع ومظلم ومليء بالأعماق والقوة الخفية؛ صمته، وزئيره. أرى والده فيه الآن. لقد خدعني، متوقعاً حركتي في لونا، والآن أخشى أن كلَّ ما فعلتُه سيتلاشى. يقول: “وها نحن هنا مرةً أخرى”. لا أردُّ. ويسأل: “هل تعرفُ هذه؟”.
يصدرُ أحدُ فرسان العظام، وهو رجلٌ شامخ وجذاب بعينين متقدتين وعظام وجنتين كتمثال، صوتاً يشبه الهديل. أصابعه الموشومة بأظافر مطلية تنقرُ على شفته السفلية. يسأل: “بكم عظام باركا؟”. يجيب كاسيوس: “ليست للبيع”. يرسمُ الرجلُ ابتسامةً متغطرسة: “كلُّ شيءٍ للبيع يا صاحبي. عشرة ملايين رصيد مقابل ضلع”. “كلا”. “مئة مليون. هيا يا بيلونا…”.
يمررُ قلمه على الأضلاع في درعه، مقترباً حتى أتمكن من رؤية التفاصيل. “والدي العزيز كان يظنُّ أن أفعال الرجل هي ما تصنعه؛ أما أنا فأظنُّ أنهم أعداؤه. هل يعجبُك؟”. يقتربُ أكثر؛ أحد الأضلاع يظهرُ خوذةً بومضة شمس مسننة، وضلعٌ آخر يظهرُ رأساً في صندوق. جاكال يرتدي القفص الصدري لـ فيتشنير.
يسأل ثارسوس: “وماذا عن فرجينيا؟”. يقول كاسيوس: “المسها وستموت، هذا كل ما تحتاج لمعرفته”. هناك خوفٌ خلف عيني كاسيوس، حتى وإن لم يظهره؛ لم يكن ليحضرها إلى هنا أبداً لو استطاع تجنب ذلك. فعلى عكس رجال السيدة الحاكمة، فإن جاكال عرضةٌ لفعل أي شيء في أي وقت. ضمانة آجا للسلامة تبدو فجأةً هشةً للغاية؛ لماذا أرسلتنا السيدة الحاكمة إلى هنا؟ تقول ليلاث بصوتٍ رتيبٍ ومخيف: “لن يلمس أحدٌ غنائمك، باستثناء الحاصد”. “عليَّ تسليمه…”. “نعرفُ ذلك. لكن سيدي يطلبُ تعويضاً عن مظالم الماضي. لقد منحته السيدة الحاكمة الإذن بينما كنتم تهبطون؛ كإجراءاتٍ احترازية”. تومضُ بلوحها الرقمي، فيقرأ كاسيوس الأمر ويشحبُ لونه قليلاً، ملتفتاً لينظر إليَّ. تتابع: “الآن هل يمكننا المضي قدماً، أم تودُّ الاستمرار في إثارة الضجيج؟”.
يزأرُ الغضبُ في داخلي وأحاولُ عضَّ وجهه، عاويا كحيوان جريح، مما أذهل موستانغ. أقاومُ الرجال الذين يثبتونني، مرتعشاً من الغيظ بينما يراقبني جاكال وأنا أتخبط. يحدقُ كاسيوس في الأرض، متجنباً نظرة موستانغ. يخرجُ صوتي كـ خوار، وبالكاد يشبهُ صوتي؛ ذلك الشيطان الأعمق الذي لا يستطيعُ استدعاءه مني سوى جاكال. أقول: “سأقشرُ جلدك”.
“أكثر من ستين، ونصفهم يحملون الثعلب الأحمر”. “هل تودُّ مني أن أنصب الفخ؟”. “ليس بعد. سأتولى أنا قيادة سفنك”. “أنت تعرفُ الاتفاق”. يرسمُ فم لورد الرماد العريض خطاً مستقيماً: “أعرف. عليك الاستمرار في الانضمام للسيدة الحاكمة كما هو مخطط. رافق فارس الصباح وطردَه إلى القلعة. ابنتي ستتسلمه هناك. انطلق الآن، من أجل الذهبيين”.
ولأنه ملَّ مني، يقلبُ عينيه ويفرقعُ أصابعه: “أعيدوا الكمامة”. يربطُ ثارسوس فمي. يفتحُ جاكال ذراعيه كأنه يرحبُ بصديقين قديمين ضائعين في حفلة. ويقول: “كاسيوس! أنطونيا! أبطال الساعة. يا عزيزتي… ما الذي حدث؟” يسألُ عندما يرى وجه أنطونيا. لقد كانا عشيقين خلال فترة سجني؛ أحياناً كنتُ أشمُّ رائحتها عليه حين يأتي لزيارتي قبل وضعي في الصندوق، أو كانت تمررُ ظفراً على عنقه وهي تمرُّ بجانبه. يقتربُ منها الآن، ممسكاً فكها بيده، ومميلاً رأسها لفحص الضرر الذي لحق بها. يسأل: “هل فعل دارو هذا؟”. تصححُ له المعلومة، كارهةً فحصه: “أختي”. لقد حزنت على وجهها في أسرنا أكثر مما حزنت على موت والدتها. وتتابع: “تلك العاهرة ستدفع الثمن، وسأقوم بإصلاح وجهي، لا تقلق”. تسحبُ رأسها مبتعدةً عنه.
يوجهُ كلامه لـ أنطونيا وكاسيوس: “ضعوا خلافاتكم الصغيرة جانباً؛ اليوم نحن الذهبيون. يمكننا أن نتجادل عندما تصبح الانتفاضة رماداً. معظمكم عاش ظلام الكهوف معي، وشاهدتم بجانبي هذا… المخلوق وهو يسرق ما كان لنا. سيأخذون منا كل شيء؛ منازلنا، عبيدنا، حقنا في الحكم. اليوم نقاتل للحفاظ على ما هو لنا، اليوم نقاتل ضد زوال عصرنا”.
يقول جاكال بحدة: “توقفي. لماذا الإصلاح؟”. “إنه مقزز”. “مقزز؟ يا عزيزتي، الندوب هي ما يمثلكِ؛ إنها تحكي قصتكِ”. “انها قصة فيكترا، وليست قصتي”. “لا تزالين جميلة”. يجذبُها للأسفل برقة من ذقنها ويقبلُ شفتيها بلطف. لا يهتمُّ لأمرها؛ وكما قالت موستانغ، نحن مجردُ أكياس من اللحم بالنسبة له. ولكن بينما أنطونيا شريرةٌ بقدر ما قابلتُ من بشر، فهي تريدُ أن تُحب، أن تُقدر؛ وجاكال يعرفُ كيف يستخدمُ ذلك.
تقول أنطونيا: “هذا كان لـ باركا”، وهي تسلمُ جاكال مسدس سيفرو. يمررُ جاكال إبهامه فوق الذئاب العاوية المنقوشة على المقبض. يقول: “عملٌ متقن”. ينتزعُ مسدسه الخاص من جرابه الممغنط ويلقيه لحارس شخصي قبل أن يضع مسدس سيفرو في الجراب؛ بالطبع سيأخذ مسدس صديقي كجائزة.
تقول أنطونيا: “هذا كان لـ باركا”، وهي تسلمُ جاكال مسدس سيفرو. يمررُ جاكال إبهامه فوق الذئاب العاوية المنقوشة على المقبض. يقول: “عملٌ متقن”. ينتزعُ مسدسه الخاص من جرابه الممغنط ويلقيه لحارس شخصي قبل أن يضع مسدس سيفرو في الجراب؛ بالطبع سيأخذ مسدس صديقي كجائزة.
لا يملكُ كاسيوس خياراً. يضغطُ على جهاز التحكم؛ فينفتح القفلُ المعدني الذي يثبتُ يديَّ إلى صدري. يندفعُ ثارسوس ونوفاس للإمساك بذراعيَّ وسحبهما للجانبين، لافّين نصالهما في وضعية السوط حول كل معصم، ويشدونها بقوة حتى طحنت أكتافي في تجاويفها. تزمجرُ موستانغ في وجه كاسيوس: “ستتركهم يفعلون هذا؟ ماذا حدث لشرفك؟ هل هو زائفٌ كبقيتكم؟”. كان على وشك قول شيء، لكنها بصقت عند قدميه.
يومضُ لوحه الرقمي ويرفعُ يده طلباً للصمت. “أجل، أيها الامبراتور؟”. يظهرُ لورد الرماد البشع في الهواء أمام جاكال كرأس عملاق مقطوع الجسد. عيناه الذهبيتان القاتمتان تطلان من تحت غابة من الحواجب الكثيفة، وتتدلى ذقنه المزدوجة فوق الياقة السوداء العالية لبزته العسكرية. يقول: “أغسطس، العدو في الطريق. مركبات فائقة السرعة في المقدمة”. يقول كاسيوس: “إنهم قادمون لأجله”. يسأل جاكال: “كم عددهم؟”.
تقول أنطونيا: “هذا كان لـ باركا”، وهي تسلمُ جاكال مسدس سيفرو. يمررُ جاكال إبهامه فوق الذئاب العاوية المنقوشة على المقبض. يقول: “عملٌ متقن”. ينتزعُ مسدسه الخاص من جرابه الممغنط ويلقيه لحارس شخصي قبل أن يضع مسدس سيفرو في الجراب؛ بالطبع سيأخذ مسدس صديقي كجائزة.
“أكثر من ستين، ونصفهم يحملون الثعلب الأحمر”. “هل تودُّ مني أن أنصب الفخ؟”. “ليس بعد. سأتولى أنا قيادة سفنك”. “أنت تعرفُ الاتفاق”. يرسمُ فم لورد الرماد العريض خطاً مستقيماً: “أعرف. عليك الاستمرار في الانضمام للسيدة الحاكمة كما هو مخطط. رافق فارس الصباح وطردَه إلى القلعة. ابنتي ستتسلمه هناك. انطلق الآن، من أجل الذهبيين”.
ينقسمُ فرسان العظام لمراقبة سيدهم وهو يدخلُ من فتحة الردهة الرئيسية إلى حظيرة الطيران، محاطاً بدزينة أخرى من الحراس الشخصيين الذهبيين فارعي الطول برؤوسٍ حليقة؛ كلُّ واحدٍ منهم بطول فيكترا. جماجم ذهبية تضحكُ على ياقاتهم، وعلى مقابض نصالهم. عظامٌ تطقطقُ على أكتافهم، مفاصلُ أصابع نُزعت من أعدائهم؛ نُزعت من لورن، من فيتشنير، ومن عوائِيَّ. هؤلاء هم قتلة زماني، والغطرسةُ تقطرُ منهم. وبينما ينظرون إليَّ، ليس الكرهُ ما أراه في أعينهم العنيفة، بل غيابٌ جوهري للتعاطف.
“من أجل الذهبيين”.
الفصل 59: أسد المريخ
يختفي الرأس. يلمحُ جاكال نحو الـ أوبسديان الذين سحبوني أسفل منحدر الشحن. “أيها العبيد، اذهبوا لخدمة البريتور ليسينوس على مركز القيادة, لم تعد هناك حاجة لكم”. يغادرُ الـ أوبسديان دون سؤال. وعندما يرحلون، يرمقُ الثلاثين من فرسان العظام. “لقد منحنا فارس الصباح فرصةً لكسب هذه الحرب اليوم. آل تيليمانوس سيأتون لأجل أختي، والعواؤون وأبناء أريس سيأتون لأجل الحاصد. لن ينالوهم. يقعُ على عاتقنا تسليمهم لسيدتنا الحاكمة واستراتيجييها في القلعة”.
يسأل ثارسوس: “وماذا عن فرجينيا؟”. يقول كاسيوس: “المسها وستموت، هذا كل ما تحتاج لمعرفته”. هناك خوفٌ خلف عيني كاسيوس، حتى وإن لم يظهره؛ لم يكن ليحضرها إلى هنا أبداً لو استطاع تجنب ذلك. فعلى عكس رجال السيدة الحاكمة، فإن جاكال عرضةٌ لفعل أي شيء في أي وقت. ضمانة آجا للسلامة تبدو فجأةً هشةً للغاية؛ لماذا أرسلتنا السيدة الحاكمة إلى هنا؟ تقول ليلاث بصوتٍ رتيبٍ ومخيف: “لن يلمس أحدٌ غنائمك، باستثناء الحاصد”. “عليَّ تسليمه…”. “نعرفُ ذلك. لكن سيدي يطلبُ تعويضاً عن مظالم الماضي. لقد منحته السيدة الحاكمة الإذن بينما كنتم تهبطون؛ كإجراءاتٍ احترازية”. تومضُ بلوحها الرقمي، فيقرأ كاسيوس الأمر ويشحبُ لونه قليلاً، ملتفتاً لينظر إليَّ. تتابع: “الآن هل يمكننا المضي قدماً، أم تودُّ الاستمرار في إثارة الضجيج؟”.
يوجهُ كلامه لـ أنطونيا وكاسيوس: “ضعوا خلافاتكم الصغيرة جانباً؛ اليوم نحن الذهبيون. يمكننا أن نتجادل عندما تصبح الانتفاضة رماداً. معظمكم عاش ظلام الكهوف معي، وشاهدتم بجانبي هذا… المخلوق وهو يسرق ما كان لنا. سيأخذون منا كل شيء؛ منازلنا، عبيدنا، حقنا في الحكم. اليوم نقاتل للحفاظ على ما هو لنا، اليوم نقاتل ضد زوال عصرنا”.
ينقسمُ فرسان العظام لمراقبة سيدهم وهو يدخلُ من فتحة الردهة الرئيسية إلى حظيرة الطيران، محاطاً بدزينة أخرى من الحراس الشخصيين الذهبيين فارعي الطول برؤوسٍ حليقة؛ كلُّ واحدٍ منهم بطول فيكترا. جماجم ذهبية تضحكُ على ياقاتهم، وعلى مقابض نصالهم. عظامٌ تطقطقُ على أكتافهم، مفاصلُ أصابع نُزعت من أعدائهم؛ نُزعت من لورن، من فيتشنير، ومن عوائِيَّ. هؤلاء هم قتلة زماني، والغطرسةُ تقطرُ منهم. وبينما ينظرون إليَّ، ليس الكرهُ ما أراه في أعينهم العنيفة، بل غيابٌ جوهري للتعاطف.
ينصتون لكلماته، منتظرين أوامره بجوع. إنه لأمرٌ مرعبٌ رؤية تلك الطائفة التي بناها حول نفسه؛ لقد أخذ أجزاءً مني، من أسلوب حديثي، ونقلها إلى سلوكه الخاص. إنه يستمرُّ في التطور. يلتفتُ جاكال عن رجاله بينما تعيدُ ليلاث نصلي المنجلي، الذي أصبح أحمر متوهجاً من حرارة المحرك، وتسلمه إياه من المقبض. “ليلاث، عليكِ البقاء مع الأسطول”. “هل أنت متأكد؟”. “أنتِ خطتي التأمينية”. “علم يا مولاي”.
يتمُّ سحبي أنا وموستانغ أسفل لوح شحن المركبة بواسطة رجال أوبسديان بدروع سوداء، كل واحد منهم بحجم راغنار تقريباً ويرتدون شارة الأسد. أحاولُ ركلهم، لكنهم يغرسون رماحاً أيونية بطول مترين في معدتي، صعقاً بالكهرباء. تتشنجُ عضلاتي. الكهرباءُ تصرخُ في داخلي. يلقون بي فوق السطح، ويجذبونني من شعري حتى أصبحتُ جاثياً على ركبتيّ أحدقُ في جثة سيفرو. ومن حسن الحظ أن عينيه مغلقتان؛ وفمه ورديٌ من الدماء الملطخة. تحاولُ موستانغ النهوض، فيُسمع صوتُ ارتطام مكتوم حين يضربها أحدُ الـ أوبسديان في معدتها؛ معيداً إياها إلى ركبتيها، وهي تلهثُ طلباً للهواء. كما أُجبر كاسيوس على الجثو أيضاً.
أنطونيا ليست متأكدة مما يتحدثان عنه، ولا يعجبها الأمر بتاتاً. يديرُ جاكال نصلي في يده، ثم بالنظر بيني وبين موستانغ تخطرُ له فكرة. “كم قضيت سجيناً لدى دارو يا كاسيوس؟”. “أربعة أشهر”. “أربعة أشهر. إذاً أعتقدُ أن عليك القيام بالواجب”. يقذفُ النصل المتوهج لـ كاسيوس، الذي يلتقطه ببراعة من مقبضه. “اقطع يد دارو”. “السيدة الحاكمة تريده…”. “حياً، أجل؛ وسيبقى كذلك. لكنها لا تريده أن يدخلُ مخبأها وذراعُ سيفه متصلةٌ بجسده، أليس كذلك؟ علينا أخذ جميع أسلحته. قم بخصي الوحش ولنكن في طريقنا. إلا إذا… كانت هناك مشكلة؟”.
“أكثر من ستين، ونصفهم يحملون الثعلب الأحمر”. “هل تودُّ مني أن أنصب الفخ؟”. “ليس بعد. سأتولى أنا قيادة سفنك”. “أنت تعرفُ الاتفاق”. يرسمُ فم لورد الرماد العريض خطاً مستقيماً: “أعرف. عليك الاستمرار في الانضمام للسيدة الحاكمة كما هو مخطط. رافق فارس الصباح وطردَه إلى القلعة. ابنتي ستتسلمه هناك. انطلق الآن، من أجل الذهبيين”.
يقول كاسيوس: “لا توجد مشكلة”. يتقدمُ للأمام، ويرفعُ النصل عالياً، والمعدنُ ينبضُ بالحرارة. تسألُ موستانغ: “أهذا ما أصبحت عليه؟”. يتحملُ كاسيوس نظرتها، والخزيُ يعلو وجهه. تقول موستانغ: “انظر إليَّ يا دارو، انظر إليَّ”.
الفصل 59: أسد المريخ
أجبرُ نفسي على نسيان النصل، ومراقبتها هي، مستمداً القوة منها. ولكن بينما يخترقُ المعدنُ شديدُ السخونة جلدَ وعظمَ معصمي الأيمن، أنساها. أصرخُ من الألم، ملتفتاً لأنظر حيث كانت يدي لأرى جذماً يقطرُ الدماء بكسل عبر الشعيرات الدموية المتفحمة. دخانُ لحمي المحترق ينزلقُ في الهواء. ومن خلال المعاناة، أستطيعُ رؤية جاكال وهو يلتقطُ يدي من الأرض ويرفعها في الهواء؛ جائزتُه الأحدث.
يسأل كاسيوس: “ما هذا بحق الجحيم؟”. تردُّ ليلاث: “أوامر جاكال”. تراقبُ ليلاث بعناية بينما يقوم الذهبيون بفحصي. يعاني كاسيوس من الإهانة بينما تتابع ليلاث: “الرئيس لا يريدُ أيَّ خدع”. يقول: “معي تفويضٌ من السيدة الحاكمة؛ علينا اصطحاب الحاصد وفرجينيا إلى القلعة”.
يقول: “هنا تكمنُ الأسود”. ويرددُ رجاله من خلفه: “هنا تكمنُ الأسود”.
يصدرُ أحدُ فرسان العظام، وهو رجلٌ شامخ وجذاب بعينين متقدتين وعظام وجنتين كتمثال، صوتاً يشبه الهديل. أصابعه الموشومة بأظافر مطلية تنقرُ على شفته السفلية. يسأل: “بكم عظام باركا؟”. يجيب كاسيوس: “ليست للبيع”. يرسمُ الرجلُ ابتسامةً متغطرسة: “كلُّ شيءٍ للبيع يا صاحبي. عشرة ملايين رصيد مقابل ضلع”. “كلا”. “مئة مليون. هيا يا بيلونا…”.
ولأنه ملَّ مني، يقلبُ عينيه ويفرقعُ أصابعه: “أعيدوا الكمامة”. يربطُ ثارسوس فمي. يفتحُ جاكال ذراعيه كأنه يرحبُ بصديقين قديمين ضائعين في حفلة. ويقول: “كاسيوس! أنطونيا! أبطال الساعة. يا عزيزتي… ما الذي حدث؟” يسألُ عندما يرى وجه أنطونيا. لقد كانا عشيقين خلال فترة سجني؛ أحياناً كنتُ أشمُّ رائحتها عليه حين يأتي لزيارتي قبل وضعي في الصندوق، أو كانت تمررُ ظفراً على عنقه وهي تمرُّ بجانبه. يقتربُ منها الآن، ممسكاً فكها بيده، ومميلاً رأسها لفحص الضرر الذي لحق بها. يسأل: “هل فعل دارو هذا؟”. تصححُ له المعلومة، كارهةً فحصه: “أختي”. لقد حزنت على وجهها في أسرنا أكثر مما حزنت على موت والدتها. وتتابع: “تلك العاهرة ستدفع الثمن، وسأقوم بإصلاح وجهي، لا تقلق”. تسحبُ رأسها مبتعدةً عنه.
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات