لونا
الفصل 57: لونا
“انتباه أيها الأسطول غير المحدد…” يتردد صدى صوت نحاسي حاد عبر تردد مفتوح. “هذه قيادة دفاع لونا: في حوزتكم ممتلكات مسروقة وفي حالة انتهاك لأنظمة حدود الفضاء العميق للمجتمع. حددوا هويتكم ونواياكم بكل سرعة”.
منارات الروبيكون هي عبارة عن كرة من أجهزة الإرسال والاستقبال، كل واحد منها بحجم اثنين من الـ أوبسديان، تطفو في الفضاء على بعد مليون كيلومتر وراء قلب الأرض، محيطةً بالمجال الداخلي لـ السيدة الحاكمة. لخمس مئة عام، لم يعبر أي أسطول غريب حدودها. والآن، بعد مرور شهرين وثلاثة أسابيع على وصول أنباء تدمير “أسطول السيف” الذي لا يُقهر إلى المركز، وبعد ثمانية أسابيع من إعلاني أننا أبحرنا نحو المريخ، وبعد سبعة عشر يوماً من إعلان السيدة الحاكمة للأحكام العرفية في جميع مدن المجتمع، يقتربُ الأسطول الأحمر من لونا، مبحراً متجاوزاً منارات الروبيكون دون إطلاق رصاصة واحدة.
أصرخُ: “كاسيوس لا!”. “هذا واجبي”. تخطو موستانغ خطوة للأمام؛ ويدها الممدودة ترتجف. “لقد أنقذ حياتك… أرجوك”. يقول كاسيوس لنا: “على ركبتيكما؛ على ركبتيكما اللعينتين”. أشعر بنفسي أترنح على حافة هاوية، والظلام يمتد أمامي؛ يهمس ليستعيدني. لا يمكنني الوصول لـ نصلي؛ فـ كاسيوس يمكنه بسهولة إطلاق النار عليّ قبل أن أسله حتى. تجثو موستانغ على ركبتيها وتشير لي بالنزول؛ فأتتبعُ فعلها مخدراً. تصرخُ أنطونيا: “اقتله! أطلق النار على الوغد!”. أرجوه: “كاسيوس، استمع إلي…”. يكرر كاسيوس لـ سيفرو: “قلتُ على ركبتيك”. “ركبتيَّ؟” يبتسم سيفرو بخبث. وبريقٌ مجنون في عينه. “أيها الذهبي الغبي؛ لقد نسيت قاعدة العواءين رقم واحد: لا تنحنِ أبداً”. ينتزعُ نصله من معصمه الأيمن، محاولاً الدوران؛ لكنه بطيءٌ جداً. يطلق كاسيوس النار على كتفه، مما يدفعه جانباً. سترةُ القتال تتشقق. الدماء تتناثرُ على الجدار المعدني. يتعثر سيفرو للأمام، وعيناه زائغتان.
تتسابقُ مركبات تيليمانوس فائقة السرعة في المقدمة لتطهير الألغام والبحث عن أي فخاخ تركتها قوات المجتمع. وتتبعها مدمرات أوريون الثقيلة المليئة بـ الأوبسديان، والمطلية بعيون أرواح الجليد التي ترى كل شيء، ثم أسطول آل جوليي مع شمس فيكترا الباكية التي تزين المدمرة الثقيلة، “باندورا”، ثم قوات الإصلاحيين—كنّات لورن أو آركوس اللواتي جئن من أجل العدالة، والسفن الذهبية والسوداء التي تحمل أسد أغسطس بقيادة سفينة “ديجاه ثوريس” التي تحمل ندوب المعارك. وأخيراً سفني الخاصة بقيادة أعظم سفينة بُنيت وسُرقت على الإطلاق، سفينة “نجم الصباح” البيضاء التي لا تُقهر والمطلية بمنجل أحمر بطول سبعة كيلومترات على جانبيها الأيسر والأيمن. الثقوب التي نحتناها فيها بـ مخالبنا الحفارة لم تُرمم بالكامل في أرجاء السفينة، لكن الدرع استُبدل على طول الهيكل الخارجي. لقد دمرت الـ باكس لتعطينا إياها. ويا لها من جائزة؛ لقد نفد الطلاء منا عند رسم المنجل السفلي، لذا بدا كهلال غير متقن، وهو رمز بيت لون. يظن الرجال أنها بشرى خير؛ وعدٌ غير مقصود لـ أوكتافيا أو لون بأننا وضعنا علامةً عليها.
أنكزُ سيفرو: “القرار لا يزال لك”. يشدُّ شعيرات لحيته الصغيرة: “تباً، من الأفضل أن تكونوا محقين في هذا أيها الحمقى”. يبحثُ في جيبه ويخرج بطاقة مفتاح مغناطيسية، فينفتح باب زنزانة كاسيوس بصوت ارتطام ثقيل. تقول موستانغ بهدوء: “إذاً هناك مركبة تنتظرك في الحظيرة الإضافية في هذا الطابق؛ لقد حصلت على تصريح للطيران، لكن عليك الذهاب الآن”. يقول سيفرو: “هذا يعني الآن، أيها الوغد”. تقول أنطونيا: “سيطلقون النار على مؤخرة رأسك! أيها الخائن”.
لقد وصلت الحرب إلى المركز.
“إذا كانت ساقُك مبللة قليلاً…” يغني بينما نتوقف أمام زنزانة كاسيوس. زنزانة أنطونيا تقع مقابله. وجهُها متورمٌ من ضربها، وهي تراقبنا بحقد دون أن تتحرك من سرير زنزانتها. يطرق سيفرو على الزجاج المقوى الذي يفصلنا عن كاسيوس. “استيقظ يا سيد بيلونا”.
لثلاثة أيام وهم يعرفون أنني قادم. لم نستطع تغطية اقترابنا بالكامل من مستشعراتهم، لكن الفوضى حول الكوكب تُظهر مدى عدم استعدادهم لذلك. إنها حضارةٌ في حالة اضطراب. لقد نشر لورد الرماد “أسطول الصولجان”، فخر المركز، حول لونا في تشكيل دفاعي. قوافل السفن التجارية القادمة من الحافة تزدحم في طريق “فيا أبيا” فوق النصف الشمالي للقمر، بينما تتراكم السفن المدنية وتترنح في طريق عودتها على طول “فيا فلامينيا”، منتظرة المرور عبر التفتيش في حوض الفضاء “فلامينيوس” الضخم قبل هبوطها في غلاف الأرض الجوي. ولكن بينما نعبر منارات الروبيكون ونتوغل أكثر في فضاء لونا، تندفع السفن في حالة من الهياج. الكثير منها يندفع خارج الطابور المنظم ليتسابق نحو الزهرة، والبعض الآخر يحاول تجاوز الأحواض تماماً والاندفاع نحو الأرض. وتتوهج تلك السفن بينما تمزق مقاتلات المجتمع الفضية والبيضاء وفرقاطات المدافع سريعة الحركة محركاتها وهياكلها. عشرات السفن تدمر للحفاظ على النظام.
“أوريون كانت تسأل أسئلة على مركز القيادة بشأن تصريح الطيران”. “تباً. هل اكتشفت أننا سنترك النسر يطير؟”. “لقد وعدت بتركه يذهب”. “من الأفضل لها ذلك. ومن الأفضل لها أن تبقي فمها مغلقاً. إذا اكتشفت سيفي…”.
نحن أقل عدداً، ولا نزال أقل قوةً نيرانية بكثير، لكن المبادرة في صالحنا، وكذلك الخوف الذي تملكه جميع الحضارات من الغزاة البرابرة. لقد بدأت الرقصة الأولى لمعركة لونا.
بعد عشرين دقيقة، أُسقط صاروخي بواسطة منصات الدفاع المداري.
“انتباه أيها الأسطول غير المحدد…” يتردد صدى صوت نحاسي حاد عبر تردد مفتوح. “هذه قيادة دفاع لونا: في حوزتكم ممتلكات مسروقة وفي حالة انتهاك لأنظمة حدود الفضاء العميق للمجتمع. حددوا هويتكم ونواياكم بكل سرعة”.
تقول موستانغ: “الأمر بسيطٌ جداً بحق الجحيم يا كاسيوس؛ نعم أم لا؟”. يقول كاسيوس من سريره، بينما تعتدل أنطونيا في جلستها لتشاهد: “نعم، لقد انتهيت. كيف لا أكون كذلك؟ لقد أخذت مني كل شيء. كل ذلك من أجل أشخاص لا يهتمون إلا بأنفسهم”. أسألُ سيفرو: “حسناً؟”. يشخرُ سيفرو: “أوه، أرجوك. هل تظن أن هذا سيرضيني؟”. يسأل كاسيوس: “أيُّ لعبة تلعبونها؟”. “ليست لعبة يا فتى. دارو يريد مني أن أخرجك”. تتسع عينا كاسيوس. يتابع سيفرو: “لكني أحتاج أن أعرف أنك لن تأتي وتحاول قتلنا. أنت مهتمٌ جداً بالشرف وديون الدم، لذا أحتاج منك أن تقسم يميناً كي أتمكن من النوم بسلام”. “لقد قتلتُ والدك…”. “يجب أن تتوقف حقاً عن تذكيري بذلك”.
أقولُ: “أطلقوا صاروخاً بعيد المدى على القلعة”. يقولُ الـ أزرق المسؤول عن المدافع: “إنها على بُعد مليون كيلومتر… سيتم إسقاطه”.
يقولُ سيفرو: “إنه يعرف ذلك جيداً تباً له. اتبع الأمر”.
تطلب الأمر حملة من الاستخبارات المضادة، ليس فقط في مراسلاتنا لخلايا الأبناء في جميع أنحاء المركز، بل بين سفننا وقادتنا لجلبنا إلى هنا دون أن نُكتشف. لن يكون جاكال في وضع يسمح له بمساعدة السيدة الحاكمة، ولا أسطول الزهرة (الأسطول الرابع للزهرة)، أو أسطول الحرية (الأسطول الخامس للحزام الداخلي)، الذي أرسلته السيدة الحاكمة إلى المريخ لمساعدة جاكال. وبأقصى دفع، ستكون جميع السفن على بُعد ثلاثة أسابيع في المدار الحالي. الكذبة نجحت؛ فجواسيسُ في سفينتي سربوا معلومات مضللة عن خططنا، تماماً كما كنتُ آمل. تلك هي مخاطرة الإمبراطورية الشمسية: كلُّ القوة في كل العوالم لا تعني شيئاً إذا كانت في المكان الخطأ.
يضع كاسيوس يداً مترددة على باب الزنزانة، كأنه يخشى أن يدفع فيجده مغلقاً فنضحك عليه ويُنتزع منه كل الأمل الذي أعطيناه إياه. لكنه يملك الإيمان، ويشدُّ ملامح وجهه، ويدفع. ينفتح باب الزنزانة للخارج. يخرج كاسيوس لينضم إلينا. يمدُّ يديه ليُصفد. يتمتم سيفرو وهو يضرب الصندوق البرتقالي بمفاصل أصابعه بقوة: “أنت حر يا رجل، لكن عليك الدخول في الصندوق كي نتمكن من نقلك من هنا دون أن يراك أحد”. “بالطبع”. يتوقف ويلتفت نحوي ليمدَّ يده؛ فآخذها، وشعورٌ غريب بالقرابة يرتفع في داخلي. “وداعاً يا دارو”. “حظاً موفقاً يا كاسيوس”.
بعد عشرين دقيقة، أُسقط صاروخي بواسطة منصات الدفاع المداري.
أصرخُ: “كاسيوس لا!”. “هذا واجبي”. تخطو موستانغ خطوة للأمام؛ ويدها الممدودة ترتجف. “لقد أنقذ حياتك… أرجوك”. يقول كاسيوس لنا: “على ركبتيكما؛ على ركبتيكما اللعينتين”. أشعر بنفسي أترنح على حافة هاوية، والظلام يمتد أمامي؛ يهمس ليستعيدني. لا يمكنني الوصول لـ نصلي؛ فـ كاسيوس يمكنه بسهولة إطلاق النار عليّ قبل أن أسله حتى. تجثو موستانغ على ركبتيها وتشير لي بالنزول؛ فأتتبعُ فعلها مخدراً. تصرخُ أنطونيا: “اقتله! أطلق النار على الوغد!”. أرجوه: “كاسيوس، استمع إلي…”. يكرر كاسيوس لـ سيفرو: “قلتُ على ركبتيك”. “ركبتيَّ؟” يبتسم سيفرو بخبث. وبريقٌ مجنون في عينه. “أيها الذهبي الغبي؛ لقد نسيت قاعدة العواءين رقم واحد: لا تنحنِ أبداً”. ينتزعُ نصله من معصمه الأيمن، محاولاً الدوران؛ لكنه بطيءٌ جداً. يطلق كاسيوس النار على كتفه، مما يدفعه جانباً. سترةُ القتال تتشقق. الدماء تتناثرُ على الجدار المعدني. يتعثر سيفرو للأمام، وعيناه زائغتان.
يقول الـ أزرق المسؤول عن الاتصالات خلفي: “وصل رابط مباشر جديد، يحمل علامات إمبراطورية”. أقولُ: “على العرض المجسم الرئيسي”.
تقول موستانغ: “الأمر بسيطٌ جداً بحق الجحيم يا كاسيوس؛ نعم أم لا؟”. يقول كاسيوس من سريره، بينما تعتدل أنطونيا في جلستها لتشاهد: “نعم، لقد انتهيت. كيف لا أكون كذلك؟ لقد أخذت مني كل شيء. كل ذلك من أجل أشخاص لا يهتمون إلا بأنفسهم”. أسألُ سيفرو: “حسناً؟”. يشخرُ سيفرو: “أوه، أرجوك. هل تظن أن هذا سيرضيني؟”. يسأل كاسيوس: “أيُّ لعبة تلعبونها؟”. “ليست لعبة يا فتى. دارو يريد مني أن أخرجك”. تتسع عينا كاسيوس. يتابع سيفرو: “لكني أحتاج أن أعرف أنك لن تأتي وتحاول قتلنا. أنت مهتمٌ جداً بالشرف وديون الدم، لذا أحتاج منك أن تقسم يميناً كي أتمكن من النوم بسلام”. “لقد قتلتُ والدك…”. “يجب أن تتوقف حقاً عن تذكيري بذلك”.
يتجسدُ أمامي أحد الحرس الذهبي بوجه نسري وشيب عند صدغي شعره المقصوص بعناية. ستظهر الصورة على جميع الجسور وشاشات العرض المجسم في الأسطول. يسألُ بلكنة لونا رفيعة المستوى: “دارو من ليكوس، هل في حوزتك سلطة القيادة على هذا الأسطول الحربي؟”.
تنبضُ سفينتي بالنشاط. بعد إخبارهم قبل ثلاثة أيام فقط بوجهتنا الحقيقية، يمتلئ الرجال بحماسٍ متهور. هناك شيءٌ خالد في مهاجمة لونا؛ سواء ربحنا أم خسرنا، فقد لطخنا إرث الذهبيين للأبد. وفي عقول رجالي، وفي الثرثرة التي نلتقطها عبر أجهزة الاتصال من كواكب وأقمار المركز، هناك خوفٌ حقيقي في الأجواء. ولأول مرة منذ قرون، أظهر الذهبيون ضعفاً. إن تحطيم “أسطول السيف” قد نشر التمرد أسرع مما استطاعت الخطابات فعله يوماً.
أسألُ: “وأيُّ حاجةٍ لي بتقاليدكم؟”. يقول الذهبي، محافظاً على وقاره حتى الآن: “حسناً، أنا الأركليجاتوس لوسيوس أو سيجانوس من الحرس الإمبراطوري، الفوج الأول”. أنا أعرف سيجانوس؛ إنه رجلٌ مخيف وفعال. يتابع ببرود: “لقد جئتُ بمبعوث دبلوماسي إلى إحداثياتكم. أطلبُ منكم وقف أي عدوان إضافي ومنح مركبتي حق الوصول إلى سفينتكم القيادية حتى نتمكن من نقل نوايا السيدة الحاكمة ومجلس الشيوخ في…”.
“أوريون كانت تسأل أسئلة على مركز القيادة بشأن تصريح الطيران”. “تباً. هل اكتشفت أننا سنترك النسر يطير؟”. “لقد وعدت بتركه يذهب”. “من الأفضل لها ذلك. ومن الأفضل لها أن تبقي فمها مغلقاً. إذا اكتشفت سيفي…”.
أقولُ: “مرفوض”. “عفواً؟”. “إذا اقتربت أي سفينة تابعة للمجتمع نحو أسطولي، فسيتم إطلاق النار عليها. إذا كانت السيدة الحاكمة ترغب في التحدث معي، فلتفعل ذلك بنفسها؛ ليس عبر لسان تافه. أخبر العجوز أننا هنا من أجل الحرب؛ لا الكلمات”.
“أوريون كانت تسأل أسئلة على مركز القيادة بشأن تصريح الطيران”. “تباً. هل اكتشفت أننا سنترك النسر يطير؟”. “لقد وعدت بتركه يذهب”. “من الأفضل لها ذلك. ومن الأفضل لها أن تبقي فمها مغلقاً. إذا اكتشفت سيفي…”.
“هذا صحيح”. تلمح لوحها الرقمي: “ما هذا الذي أسمعه عن تصريح طيران لمركبة من طراز ‘ساربيدون’ من قطاع HB دلتا؟”. كنتُ أعرف أنها ستلاحظ. ولا أريد شرح دوافعي لها الآن؛ فليس الجميع رحماء تجاه كاسيوس مثلي، حتى مع عفو سيفرو عن حياته. أكذبُ قائلاً: “أنا أرسل مبعوثاً للقاء مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ”. تقول: “كلانا يعرف أنك لا تفعل. ما الذي يحدث؟”.
تنبضُ سفينتي بالنشاط. بعد إخبارهم قبل ثلاثة أيام فقط بوجهتنا الحقيقية، يمتلئ الرجال بحماسٍ متهور. هناك شيءٌ خالد في مهاجمة لونا؛ سواء ربحنا أم خسرنا، فقد لطخنا إرث الذهبيين للأبد. وفي عقول رجالي، وفي الثرثرة التي نلتقطها عبر أجهزة الاتصال من كواكب وأقمار المركز، هناك خوفٌ حقيقي في الأجواء. ولأول مرة منذ قرون، أظهر الذهبيون ضعفاً. إن تحطيم “أسطول السيف” قد نشر التمرد أسرع مما استطاعت الخطابات فعله يوماً.
أنكزُ سيفرو: “القرار لا يزال لك”. يشدُّ شعيرات لحيته الصغيرة: “تباً، من الأفضل أن تكونوا محقين في هذا أيها الحمقى”. يبحثُ في جيبه ويخرج بطاقة مفتاح مغناطيسية، فينفتح باب زنزانة كاسيوس بصوت ارتطام ثقيل. تقول موستانغ بهدوء: “إذاً هناك مركبة تنتظرك في الحظيرة الإضافية في هذا الطابق؛ لقد حصلت على تصريح للطيران، لكن عليك الذهاب الآن”. يقول سيفرو: “هذا يعني الآن، أيها الوغد”. تقول أنطونيا: “سيطلقون النار على مؤخرة رأسك! أيها الخائن”.
يحييني الجنود وهم يمرون بجانبي في الممر، في طريقهم إلى ناقلات الجند وسفن الالتحام. تتكون الفصائل في الغالب من الحمر والرماديين المنشقين، لكني أرى تقنيي حرب من الخضر، وميكانيكيين من الحمر، ومستطلعين ومشاة ثقيلة من الأوبسديان في كل كبسولة أيضاً. أعيد إرسال أمر تصريح طيران المركبة إلى مراقب الطيران في سفينة “نجم الصباح” برمز تفويضي؛ تم قبوله وتصريحه. في معظم الأيام كنتُ سأثق في استقرار الأمر بنفسه، لكن اليوم أريد التأكد، لذا أشقُّ طريقي إلى مركز القيادة للتأكيد شخصياً. يصرخُ قبطان مشاة البحرية الأحمر المسؤول عن أمن مركز القيادة برجاله للانتباه عند دخولي؛ أكثر من خمسين جندياً مدرعاً يحيونني. والـ زرق في محطاتهم يستمرون في عملياتهم. أوريون عند مركز المراقبة الأمامي حيث وقف روكي يوماً؛ يداها الضخمتان مشبوكتان خلف ظهرها، وبشرتُها داكنة تقريباً مثل بزتها السوداء. تلتفتُ إليّ بتلك العينين الشاحبتين الكبيرتين وتلك الابتسامة البيضاء الخبيثة.
لثلاثة أيام وهم يعرفون أنني قادم. لم نستطع تغطية اقترابنا بالكامل من مستشعراتهم، لكن الفوضى حول الكوكب تُظهر مدى عدم استعدادهم لذلك. إنها حضارةٌ في حالة اضطراب. لقد نشر لورد الرماد “أسطول الصولجان”، فخر المركز، حول لونا في تشكيل دفاعي. قوافل السفن التجارية القادمة من الحافة تزدحم في طريق “فيا أبيا” فوق النصف الشمالي للقمر، بينما تتراكم السفن المدنية وتترنح في طريق عودتها على طول “فيا فلامينيا”، منتظرة المرور عبر التفتيش في حوض الفضاء “فلامينيوس” الضخم قبل هبوطها في غلاف الأرض الجوي. ولكن بينما نعبر منارات الروبيكون ونتوغل أكثر في فضاء لونا، تندفع السفن في حالة من الهياج. الكثير منها يندفع خارج الطابور المنظم ليتسابق نحو الزهرة، والبعض الآخر يحاول تجاوز الأحواض تماماً والاندفاع نحو الأرض. وتتوهج تلك السفن بينما تمزق مقاتلات المجتمع الفضية والبيضاء وفرقاطات المدافع سريعة الحركة محركاتها وهياكلها. عشرات السفن تدمر للحفاظ على النظام.
“يا حاصد، الأسطول جاهزٌ تقريباً”. أحييها بحرارة وأنضمُّ إليها في النظر عبر النوافذ الزجاجية: “كيف يبدو الوضع؟”. “لقد انسحب لورد الرماد إلى تشكيل دفاعي. يبدو أنه يعتقد أننا ننوي القيام بـ مطر حديدي قبل إزاحته عن القمر. افتراضٌ ذكي؛ فليس لديه سبب للمجيء إلينا. بقية السفن في المركز ستتجه إلى هنا. عندما يصلون سنكون كصرصور محصور بين الأرض والمطرقة. لقد افترض بشكل صحيح أننا سنعجل بالاشتباك”. أقولُ: “لورد الرماد يعرف الحرب”.
“وداعاً”.
“هذا صحيح”. تلمح لوحها الرقمي: “ما هذا الذي أسمعه عن تصريح طيران لمركبة من طراز ‘ساربيدون’ من قطاع HB دلتا؟”. كنتُ أعرف أنها ستلاحظ. ولا أريد شرح دوافعي لها الآن؛ فليس الجميع رحماء تجاه كاسيوس مثلي، حتى مع عفو سيفرو عن حياته. أكذبُ قائلاً: “أنا أرسل مبعوثاً للقاء مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ”. تقول: “كلانا يعرف أنك لا تفعل. ما الذي يحدث؟”.
أقتربُ أكثر كي لا يسمعنا أحد. “إذا بقي كاسيوس في الأسطول بينما نخوض الحرب، فسيحاول شخصٌ ما تجاوز الحراس وذبح حنجرته. هناك الكثير من الكراهية تجاه آل بيلونا تمنعه من البقاء هنا”. تقول: “إذاً خبئه في زنزانة أخرى. لا تطلق سراحه. سيعود إليهم فحسب، وينضم للحرب من جديد”. “لن يفعل”. تنظر خلفي للتأكد من عدم وجود متنصتين: “إذا عرف الأوبسديان…”. أقولُ: “هذا هو بالضبط السبب في أنني لم أخبر أحداً. أنا أطلق سراحه. صرحي لتلك المركبة، ودعيه يذهب. أحتاجُ منكِ أن تعديني”. ترسمُ شفتاها خطاً نحيفاً وقاسياً. “عديني”. تومئُ برأسها وتنظرُ ثانيةً نحو لونا؛ وكعادتها، أشعر أنها تعرفُ أكثر مما تبدي. “أعدُك. لكن كن حذراً يا فتى. لا تزال مديناً لي بببغاء، تذكر”.
يمسح كاسيوس عينيه من أثر النوم ويجلسُ معتدلاً في سريره، متأملاً إياي أنا وسيفرو، لكنه يوجه كلامه لـ موستانغ: “ما الذي يحدث؟”. أقولُ: “لقد وصلنا إلى لونا”. يسأل كاسيوس بتفاجؤ: “ليس المريخ؟”. تتحرك أنطونيا في سريرها خلفنا، مذهولة بالأنباء بقدر ما يبدو كاسيوس. “ليس المريخ”. يتمتم كاسيوس: “أنتم تهاجمون لونا حقاً؟ أنتم مجانين. لا تملكون السفن. كيف تخططون حتى لتجاوز الدروع؟”. يقول سيفرو: “لا تقلق بشأن ذلك يا عزيزي؛ لدينا طرقنا. ولكن قريباً سينزلق المعدن الساخن عبر هذه السفينة. والأرجح أن شخصاً ما سيدخل هنا ويطلق النار على رأسك. دارو هنا يصاب بالحزن عند التفكير في ذلك. وأنا لا أحب دارو الحزين”. يكتفي كاسيوس بالتحديق فينا كأننا مجانين. يتابع سيفرو: “لا يزال لا يفهم”. أسألُ: “عندما قلتَ إنك انتهيتَ من هذه الحرب، هل كنت تعني ذلك؟”.
أقابلُ سيفرو في الممر خارج حبس السجناء عالي الأمن. إنه يجلسُ فوق صندوق شحن برتقالي ومنصته الطافية ويشربُ من قارورة، ويده اليسرى مستندة على الـ حراقة في جراب ساقه. الممر أهدأ مما ينبغي بالنظر لضيوفه، لكن في الحظائر الرئيسية ومحطات المدافع والمحركات ومخازن الأسلحة تنبضُ سفينتي بالنشاط؛ ليس هنا في طابق السجن. يسأل سيفرو: “ما الذي أخرك؟”. إنه في ملابسه العسكرية السوداء أيضاً، يتمددُ بعدم ارتياح في سترة قتاله الجديدة. تطقطق أحذيته ببعضها بينما تتدلى ساقاه.
يتجسدُ أمامي أحد الحرس الذهبي بوجه نسري وشيب عند صدغي شعره المقصوص بعناية. ستظهر الصورة على جميع الجسور وشاشات العرض المجسم في الأسطول. يسألُ بلكنة لونا رفيعة المستوى: “دارو من ليكوس، هل في حوزتك سلطة القيادة على هذا الأسطول الحربي؟”.
“أوريون كانت تسأل أسئلة على مركز القيادة بشأن تصريح الطيران”. “تباً. هل اكتشفت أننا سنترك النسر يطير؟”. “لقد وعدت بتركه يذهب”. “من الأفضل لها ذلك. ومن الأفضل لها أن تبقي فمها مغلقاً. إذا اكتشفت سيفي…”.
يهمسُ كاسيوس “من أجل الذهبيين”، ويطلقُ ست رصاصات أخرى من مسافة قريبة جداً في صدر سيفرو.
أقولُ: “أعرف، وكذلك أوريون؛ لن تخبرها”. “إذا كنت تقول ذلك”. يخفض سيفرو رأسه ويجرع آخر ما في قارورته بينما يلمح نحو الممر. تقتربُ موستانغ. وتقول: “أعيد نشر الحراس. دوريات مشاة البحرية تم تحويلها من الممر 13-ج. الطريق ممهد لكاسيوس نحو الحظيرة”. أسألُ لامساً يدها: “جيد. هل أنتِ متأكدة من هذا؟”. فتومئُ. “ليس تماماً، ولكن هذه هي الحياة”. “سيفرو؟ هل لا تزال مستعداً؟”. يقفزُ سيفرو من فوق الصندوق: “بوضوح. أنا هنا، أليس كذلك؟”.
يتجهُ نحو الصندوق الذي فتحه سيفرو وينظر لداخله. يترددُ هناك، راغباً في قول شيء لـ سيفرو، ربما لشكره لمرة أخيرة. “لا أعرف إن كان والدك محقاً؛ ولكنه كان شجاعاً”. يمدُّ يده لـ سيفرو كما فعل معي. “أنا آسف لأنه ليس هنا”.
يساعدني سيفرو في توجيه المنصة الطافية عبر أبواب السجن. محطة الحراسة مهجورة. أغلفة طعام وأكواب تبغ هي كل ما تبقى من فريق الأبناء الذين حرسوا السجناء. يتبعني سيفرو من المدخل نزولاً إلى الغرفة ذات الأضلاع العشرة المليئة بزنازين “الزجاج المقوى”، وهو يصفر باللحن الذي صنعه لـ “بليني”.
أقابلُ سيفرو في الممر خارج حبس السجناء عالي الأمن. إنه يجلسُ فوق صندوق شحن برتقالي ومنصته الطافية ويشربُ من قارورة، ويده اليسرى مستندة على الـ حراقة في جراب ساقه. الممر أهدأ مما ينبغي بالنظر لضيوفه، لكن في الحظائر الرئيسية ومحطات المدافع والمحركات ومخازن الأسلحة تنبضُ سفينتي بالنشاط؛ ليس هنا في طابق السجن. يسأل سيفرو: “ما الذي أخرك؟”. إنه في ملابسه العسكرية السوداء أيضاً، يتمددُ بعدم ارتياح في سترة قتاله الجديدة. تطقطق أحذيته ببعضها بينما تتدلى ساقاه.
“إذا كانت ساقُك مبللة قليلاً…” يغني بينما نتوقف أمام زنزانة كاسيوس. زنزانة أنطونيا تقع مقابله. وجهُها متورمٌ من ضربها، وهي تراقبنا بحقد دون أن تتحرك من سرير زنزانتها. يطرق سيفرو على الزجاج المقوى الذي يفصلنا عن كاسيوس. “استيقظ يا سيد بيلونا”.
نحن أقل عدداً، ولا نزال أقل قوةً نيرانية بكثير، لكن المبادرة في صالحنا، وكذلك الخوف الذي تملكه جميع الحضارات من الغزاة البرابرة. لقد بدأت الرقصة الأولى لمعركة لونا.
يمسح كاسيوس عينيه من أثر النوم ويجلسُ معتدلاً في سريره، متأملاً إياي أنا وسيفرو، لكنه يوجه كلامه لـ موستانغ: “ما الذي يحدث؟”. أقولُ: “لقد وصلنا إلى لونا”. يسأل كاسيوس بتفاجؤ: “ليس المريخ؟”. تتحرك أنطونيا في سريرها خلفنا، مذهولة بالأنباء بقدر ما يبدو كاسيوس. “ليس المريخ”. يتمتم كاسيوس: “أنتم تهاجمون لونا حقاً؟ أنتم مجانين. لا تملكون السفن. كيف تخططون حتى لتجاوز الدروع؟”. يقول سيفرو: “لا تقلق بشأن ذلك يا عزيزي؛ لدينا طرقنا. ولكن قريباً سينزلق المعدن الساخن عبر هذه السفينة. والأرجح أن شخصاً ما سيدخل هنا ويطلق النار على رأسك. دارو هنا يصاب بالحزن عند التفكير في ذلك. وأنا لا أحب دارو الحزين”. يكتفي كاسيوس بالتحديق فينا كأننا مجانين. يتابع سيفرو: “لا يزال لا يفهم”. أسألُ: “عندما قلتَ إنك انتهيتَ من هذه الحرب، هل كنت تعني ذلك؟”.
أسألُ: “وأيُّ حاجةٍ لي بتقاليدكم؟”. يقول الذهبي، محافظاً على وقاره حتى الآن: “حسناً، أنا الأركليجاتوس لوسيوس أو سيجانوس من الحرس الإمبراطوري، الفوج الأول”. أنا أعرف سيجانوس؛ إنه رجلٌ مخيف وفعال. يتابع ببرود: “لقد جئتُ بمبعوث دبلوماسي إلى إحداثياتكم. أطلبُ منكم وقف أي عدوان إضافي ومنح مركبتي حق الوصول إلى سفينتكم القيادية حتى نتمكن من نقل نوايا السيدة الحاكمة ومجلس الشيوخ في…”.
“لا أفهمك…”.
تقول موستانغ: “الأمر بسيطٌ جداً بحق الجحيم يا كاسيوس؛ نعم أم لا؟”. يقول كاسيوس من سريره، بينما تعتدل أنطونيا في جلستها لتشاهد: “نعم، لقد انتهيت. كيف لا أكون كذلك؟ لقد أخذت مني كل شيء. كل ذلك من أجل أشخاص لا يهتمون إلا بأنفسهم”. أسألُ سيفرو: “حسناً؟”. يشخرُ سيفرو: “أوه، أرجوك. هل تظن أن هذا سيرضيني؟”. يسأل كاسيوس: “أيُّ لعبة تلعبونها؟”. “ليست لعبة يا فتى. دارو يريد مني أن أخرجك”. تتسع عينا كاسيوس. يتابع سيفرو: “لكني أحتاج أن أعرف أنك لن تأتي وتحاول قتلنا. أنت مهتمٌ جداً بالشرف وديون الدم، لذا أحتاج منك أن تقسم يميناً كي أتمكن من النوم بسلام”. “لقد قتلتُ والدك…”. “يجب أن تتوقف حقاً عن تذكيري بذلك”.
تقول موستانغ: “الأمر بسيطٌ جداً بحق الجحيم يا كاسيوس؛ نعم أم لا؟”. يقول كاسيوس من سريره، بينما تعتدل أنطونيا في جلستها لتشاهد: “نعم، لقد انتهيت. كيف لا أكون كذلك؟ لقد أخذت مني كل شيء. كل ذلك من أجل أشخاص لا يهتمون إلا بأنفسهم”. أسألُ سيفرو: “حسناً؟”. يشخرُ سيفرو: “أوه، أرجوك. هل تظن أن هذا سيرضيني؟”. يسأل كاسيوس: “أيُّ لعبة تلعبونها؟”. “ليست لعبة يا فتى. دارو يريد مني أن أخرجك”. تتسع عينا كاسيوس. يتابع سيفرو: “لكني أحتاج أن أعرف أنك لن تأتي وتحاول قتلنا. أنت مهتمٌ جداً بالشرف وديون الدم، لذا أحتاج منك أن تقسم يميناً كي أتمكن من النوم بسلام”. “لقد قتلتُ والدك…”. “يجب أن تتوقف حقاً عن تذكيري بذلك”.
أقابلُ سيفرو في الممر خارج حبس السجناء عالي الأمن. إنه يجلسُ فوق صندوق شحن برتقالي ومنصته الطافية ويشربُ من قارورة، ويده اليسرى مستندة على الـ حراقة في جراب ساقه. الممر أهدأ مما ينبغي بالنظر لضيوفه، لكن في الحظائر الرئيسية ومحطات المدافع والمحركات ومخازن الأسلحة تنبضُ سفينتي بالنشاط؛ ليس هنا في طابق السجن. يسأل سيفرو: “ما الذي أخرك؟”. إنه في ملابسه العسكرية السوداء أيضاً، يتمددُ بعدم ارتياح في سترة قتاله الجديدة. تطقطق أحذيته ببعضها بينما تتدلى ساقاه.
أقولُ: “إذا بقيت هنا، لا يمكننا حمايتك. أنا أؤمن أن العوالم لا تزال بحاجة لـ كاسيوس أو بيلونا. ولكن لا مكان لك هنا، ولا مكان لك مع السيدة الحاكمة. إذا أعطيتني عهدك، بشرفك، أنك ستترك هذه الحرب وراء ظهرك، فسأمنحك حريتك”.
تقول موستانغ: “الأمر بسيطٌ جداً بحق الجحيم يا كاسيوس؛ نعم أم لا؟”. يقول كاسيوس من سريره، بينما تعتدل أنطونيا في جلستها لتشاهد: “نعم، لقد انتهيت. كيف لا أكون كذلك؟ لقد أخذت مني كل شيء. كل ذلك من أجل أشخاص لا يهتمون إلا بأنفسهم”. أسألُ سيفرو: “حسناً؟”. يشخرُ سيفرو: “أوه، أرجوك. هل تظن أن هذا سيرضيني؟”. يسأل كاسيوس: “أيُّ لعبة تلعبونها؟”. “ليست لعبة يا فتى. دارو يريد مني أن أخرجك”. تتسع عينا كاسيوس. يتابع سيفرو: “لكني أحتاج أن أعرف أنك لن تأتي وتحاول قتلنا. أنت مهتمٌ جداً بالشرف وديون الدم، لذا أحتاج منك أن تقسم يميناً كي أتمكن من النوم بسلام”. “لقد قتلتُ والدك…”. “يجب أن تتوقف حقاً عن تذكيري بذلك”.
تنفجرُ أنطونيا ضاحكة خلفنا: “هذا مضحك جداً. إنهم يتلاعبون بك يا كاسي. يعزفون عليك كالهارب”. تنهرُها موستانغ: “اصمتي أيتها الصغيرة المسمومة”. يرمق كاسيوس موستانغ، مقيماً عرضنا: “هل وافقتِ على هذا؟”. تقول: “كانت فكرتي. ليس أيٌّ من هذا خطأك يا كاسيوس. لقد كنتُ قاسية معك، وأنا آسفة لذلك. أعرف أنك أردت الانتقام من دارو، ومني…”. “ليس منكِ، ليس منكِ أبداً”. تجفلُ موستانغ وتتابع: “…لكني أعرف أنك رأيت ما يجلبه الانتقام. أعرف أنك رأيت حقيقة أوكتافيا، وحقيقة أخي. ذنبُك الوحيد هو محاولة حماية عائلتك. لا تستحق الموت هنا”. يسأل: “هل تريدين مني حقاً أن أذهب؟”. تقول: “أريدك أن تعيش. ونعم، أريدك أن تذهب، وألا تعود أبداً”. يسأل: “ولكن… أذهب إلى أين؟”.
وعند موستانغ يتوقف، راغباً في مدِّ ذراعيه وضمها، لكنها تكتفي بمدِّ يدها، باردةً تجاهه حتى الآن. ينظر ليدها ويهزُّ رأسه، رافضاً لفتتها. يقول: “ستبقى لونا لنا دائماً”.
“إلى أي مكان سوى هنا”. يبتلع كاسيوس ريقه، باحثاً في نفسه؛ ليس فقط محاولاً فهم ما يدين به للشرف أو الواجب، بل محاولاً تخيل عالم بدونها. أعرفُ الوحدة الفظيعة التي يشعر بها الآن حتى ونحن نمنحه الحرية؛ فالحياة بلا حب هي أسوأ سجن على الإطلاق. لكنه يلعق شفتيه ويومئ لـ موستانغ، وليس لي. “باسم والدي، وباسم جوليان، أعدُ بأن لا أرفع السلاح ضد أي منكم. إذا تركتموني أذهب، فسأرحل؛ ولن أعود أبداً”. تضرب أنطونيا زجاج زنزانتها: “أيها الجبان. يا دودة آل جوليي اللعينة المذلولة…”.
الفصل 57: لونا
أنكزُ سيفرو: “القرار لا يزال لك”. يشدُّ شعيرات لحيته الصغيرة: “تباً، من الأفضل أن تكونوا محقين في هذا أيها الحمقى”. يبحثُ في جيبه ويخرج بطاقة مفتاح مغناطيسية، فينفتح باب زنزانة كاسيوس بصوت ارتطام ثقيل. تقول موستانغ بهدوء: “إذاً هناك مركبة تنتظرك في الحظيرة الإضافية في هذا الطابق؛ لقد حصلت على تصريح للطيران، لكن عليك الذهاب الآن”. يقول سيفرو: “هذا يعني الآن، أيها الوغد”. تقول أنطونيا: “سيطلقون النار على مؤخرة رأسك! أيها الخائن”.
“هذا صحيح”. تلمح لوحها الرقمي: “ما هذا الذي أسمعه عن تصريح طيران لمركبة من طراز ‘ساربيدون’ من قطاع HB دلتا؟”. كنتُ أعرف أنها ستلاحظ. ولا أريد شرح دوافعي لها الآن؛ فليس الجميع رحماء تجاه كاسيوس مثلي، حتى مع عفو سيفرو عن حياته. أكذبُ قائلاً: “أنا أرسل مبعوثاً للقاء مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ”. تقول: “كلانا يعرف أنك لا تفعل. ما الذي يحدث؟”.
يضع كاسيوس يداً مترددة على باب الزنزانة، كأنه يخشى أن يدفع فيجده مغلقاً فنضحك عليه ويُنتزع منه كل الأمل الذي أعطيناه إياه. لكنه يملك الإيمان، ويشدُّ ملامح وجهه، ويدفع. ينفتح باب الزنزانة للخارج. يخرج كاسيوس لينضم إلينا. يمدُّ يديه ليُصفد. يتمتم سيفرو وهو يضرب الصندوق البرتقالي بمفاصل أصابعه بقوة: “أنت حر يا رجل، لكن عليك الدخول في الصندوق كي نتمكن من نقلك من هنا دون أن يراك أحد”. “بالطبع”. يتوقف ويلتفت نحوي ليمدَّ يده؛ فآخذها، وشعورٌ غريب بالقرابة يرتفع في داخلي. “وداعاً يا دارو”. “حظاً موفقاً يا كاسيوس”.
تطلب الأمر حملة من الاستخبارات المضادة، ليس فقط في مراسلاتنا لخلايا الأبناء في جميع أنحاء المركز، بل بين سفننا وقادتنا لجلبنا إلى هنا دون أن نُكتشف. لن يكون جاكال في وضع يسمح له بمساعدة السيدة الحاكمة، ولا أسطول الزهرة (الأسطول الرابع للزهرة)، أو أسطول الحرية (الأسطول الخامس للحزام الداخلي)، الذي أرسلته السيدة الحاكمة إلى المريخ لمساعدة جاكال. وبأقصى دفع، ستكون جميع السفن على بُعد ثلاثة أسابيع في المدار الحالي. الكذبة نجحت؛ فجواسيسُ في سفينتي سربوا معلومات مضللة عن خططنا، تماماً كما كنتُ آمل. تلك هي مخاطرة الإمبراطورية الشمسية: كلُّ القوة في كل العوالم لا تعني شيئاً إذا كانت في المكان الخطأ.
وعند موستانغ يتوقف، راغباً في مدِّ ذراعيه وضمها، لكنها تكتفي بمدِّ يدها، باردةً تجاهه حتى الآن. ينظر ليدها ويهزُّ رأسه، رافضاً لفتتها. يقول: “ستبقى لونا لنا دائماً”.
تنبضُ سفينتي بالنشاط. بعد إخبارهم قبل ثلاثة أيام فقط بوجهتنا الحقيقية، يمتلئ الرجال بحماسٍ متهور. هناك شيءٌ خالد في مهاجمة لونا؛ سواء ربحنا أم خسرنا، فقد لطخنا إرث الذهبيين للأبد. وفي عقول رجالي، وفي الثرثرة التي نلتقطها عبر أجهزة الاتصال من كواكب وأقمار المركز، هناك خوفٌ حقيقي في الأجواء. ولأول مرة منذ قرون، أظهر الذهبيون ضعفاً. إن تحطيم “أسطول السيف” قد نشر التمرد أسرع مما استطاعت الخطابات فعله يوماً.
“وداعاً يا كاسيوس”.
يهمسُ كاسيوس “من أجل الذهبيين”، ويطلقُ ست رصاصات أخرى من مسافة قريبة جداً في صدر سيفرو.
“وداعاً”.
أقتربُ أكثر كي لا يسمعنا أحد. “إذا بقي كاسيوس في الأسطول بينما نخوض الحرب، فسيحاول شخصٌ ما تجاوز الحراس وذبح حنجرته. هناك الكثير من الكراهية تجاه آل بيلونا تمنعه من البقاء هنا”. تقول: “إذاً خبئه في زنزانة أخرى. لا تطلق سراحه. سيعود إليهم فحسب، وينضم للحرب من جديد”. “لن يفعل”. تنظر خلفي للتأكد من عدم وجود متنصتين: “إذا عرف الأوبسديان…”. أقولُ: “هذا هو بالضبط السبب في أنني لم أخبر أحداً. أنا أطلق سراحه. صرحي لتلك المركبة، ودعيه يذهب. أحتاجُ منكِ أن تعديني”. ترسمُ شفتاها خطاً نحيفاً وقاسياً. “عديني”. تومئُ برأسها وتنظرُ ثانيةً نحو لونا؛ وكعادتها، أشعر أنها تعرفُ أكثر مما تبدي. “أعدُك. لكن كن حذراً يا فتى. لا تزال مديناً لي بببغاء، تذكر”.
يتجهُ نحو الصندوق الذي فتحه سيفرو وينظر لداخله. يترددُ هناك، راغباً في قول شيء لـ سيفرو، ربما لشكره لمرة أخيرة. “لا أعرف إن كان والدك محقاً؛ ولكنه كان شجاعاً”. يمدُّ يده لـ سيفرو كما فعل معي. “أنا آسف لأنه ليس هنا”.
يضع كاسيوس يداً مترددة على باب الزنزانة، كأنه يخشى أن يدفع فيجده مغلقاً فنضحك عليه ويُنتزع منه كل الأمل الذي أعطيناه إياه. لكنه يملك الإيمان، ويشدُّ ملامح وجهه، ويدفع. ينفتح باب الزنزانة للخارج. يخرج كاسيوس لينضم إلينا. يمدُّ يديه ليُصفد. يتمتم سيفرو وهو يضرب الصندوق البرتقالي بمفاصل أصابعه بقوة: “أنت حر يا رجل، لكن عليك الدخول في الصندوق كي نتمكن من نقلك من هنا دون أن يراك أحد”. “بالطبع”. يتوقف ويلتفت نحوي ليمدَّ يده؛ فآخذها، وشعورٌ غريب بالقرابة يرتفع في داخلي. “وداعاً يا دارو”. “حظاً موفقاً يا كاسيوس”.
يرمشُ سيفرو بشدة ناظراً لليد، راغباً في كرهها. فهذا الأمر لا يأتي بسهولة له؛ فهو لم يكن يوماً روحاً رقيقة. لكنه يبذل قصارى جهده ويأخذ اليد الممدودة. يتصافحان. ولكنَّ شيئاً ما يبدو خاطئاً. كاسيوس لا يترك يده. وجهه بارد، وعيناه لا ترحمان. يدورُ جسده؛ بسرعةٍ كبيرة لدرجة أنني لم أستطع منعه من جذب يد سيفرو للخلف، ساحباً جسد صديقي الأصغر نحوه تماماً وهو يدير وركه، جابراً سيفرو تحت إبطه الأيمن كأنهما يرقصان، ليتمكن من انتزاع مسدس سيفرو من جراب ساقه. يتعثر سيفرو، متخبطاً للوصول للسلاح لكنه قد رحل بالفعل. يدفعه كاسيوس بعيداً ويقف خلفه والـ حراقة مضغوطة على عموده الفقري. عينا سيفرو متسعتان، يحدق فيّ بخوف. “دارو…”.
وعند موستانغ يتوقف، راغباً في مدِّ ذراعيه وضمها، لكنها تكتفي بمدِّ يدها، باردةً تجاهه حتى الآن. ينظر ليدها ويهزُّ رأسه، رافضاً لفتتها. يقول: “ستبقى لونا لنا دائماً”.
أصرخُ: “كاسيوس لا!”. “هذا واجبي”. تخطو موستانغ خطوة للأمام؛ ويدها الممدودة ترتجف. “لقد أنقذ حياتك… أرجوك”. يقول كاسيوس لنا: “على ركبتيكما؛ على ركبتيكما اللعينتين”. أشعر بنفسي أترنح على حافة هاوية، والظلام يمتد أمامي؛ يهمس ليستعيدني. لا يمكنني الوصول لـ نصلي؛ فـ كاسيوس يمكنه بسهولة إطلاق النار عليّ قبل أن أسله حتى. تجثو موستانغ على ركبتيها وتشير لي بالنزول؛ فأتتبعُ فعلها مخدراً. تصرخُ أنطونيا: “اقتله! أطلق النار على الوغد!”. أرجوه: “كاسيوس، استمع إلي…”. يكرر كاسيوس لـ سيفرو: “قلتُ على ركبتيك”. “ركبتيَّ؟” يبتسم سيفرو بخبث. وبريقٌ مجنون في عينه. “أيها الذهبي الغبي؛ لقد نسيت قاعدة العواءين رقم واحد: لا تنحنِ أبداً”. ينتزعُ نصله من معصمه الأيمن، محاولاً الدوران؛ لكنه بطيءٌ جداً. يطلق كاسيوس النار على كتفه، مما يدفعه جانباً. سترةُ القتال تتشقق. الدماء تتناثرُ على الجدار المعدني. يتعثر سيفرو للأمام، وعيناه زائغتان.
أقولُ: “مرفوض”. “عفواً؟”. “إذا اقتربت أي سفينة تابعة للمجتمع نحو أسطولي، فسيتم إطلاق النار عليها. إذا كانت السيدة الحاكمة ترغب في التحدث معي، فلتفعل ذلك بنفسها؛ ليس عبر لسان تافه. أخبر العجوز أننا هنا من أجل الحرب؛ لا الكلمات”.
يهمسُ كاسيوس “من أجل الذهبيين”، ويطلقُ ست رصاصات أخرى من مسافة قريبة جداً في صدر سيفرو.
يقولُ سيفرو: “إنه يعرف ذلك جيداً تباً له. اتبع الأمر”.
بعد عشرين دقيقة، أُسقط صاروخي بواسطة منصات الدفاع المداري.
“وداعاً”.
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات