وليمة
الفصل 28: وليمة
الفصل 28: وليمة
تهب العاصفة ونحن نتسلق جرفا صخريًا من الجبل. سرعان ما لم نعد نرى شيئًا سوى فرقتنا. ينهشنا ثلج رمادي فولاذي، ويحجب السماء والجليد والجبال في الداخل. نحني رؤوسنا ونحدق من خلال أقنعة جلد الفقمة. تحتك الأحذية بالجليد تحت أقدامنا. تزأر الريح بصوت عالٍ كشلال. أنحني في مواجهتها، واضعًا قدمًا تلو الأخرى، مربوطًا مع موستانغ وهوليداي بحبل على طريقة الأوبسديان حتى لا نفقد بعضنا في العاصفة الثلجية. يستكشف راغنار الطريق أمامنا. أما عن كيف يجد طريقه فهو أمر يفوق إدراكي.
يعود الآن، قافزًا فوق الصخور بسهولة. يشير إلينا أن نتبعه.
القول أسهل من الفعل. عالمنا صغير وعنيف. تختبئ الجبال في البياض. أكتافها الضخمة هي المأوى الوحيد من الريح. نتسلق فوق صخور سوداء قاسية تجرح قفازاتنا بينما تحاول الريح أن تلقي بنا في أودية وشقوق سحيقة. بذل المجهود هو ما يبقينا على قيد الحياة. لم تبطئ هوليداي ولا موستانغ، وبعد أكثر من ساعة من السفر المروع، يقودنا راغنار إلى ممر جبلي فتهدأ العاصفة. تحتنا، مخترقةً سلسلة من التلال، ترقد السفينة التي أسقطتنا من السماء.
تقول هوليداي: “أنا آسفة”. “وأنا كذلك”. تقول موستانغ: “لهذا أنا هنا، بما أن هذا ما كنتِ تتساءلين عنه. كان والدي عملاقًا. لكنه كان مخطئًا. كان قاسيًا. وإذا كان بإمكاني أن أكون شيئًا آخر” – تلتقي عيناها بعينيّ – “فسأكون”.
أشعر بوخزة من الشفقة عليها. خطوطها الشبيهة بأسماك القرش وذيلها المتوهج على شكل نجمة يشيران إلى أنها كانت ذات يوم سفينة سباق طويلة وأنيقة من أحواض بناء السفن الشهيرة في غانيميد. مطلية بفخر وجرأة باللون القرمزي والفضي بأيدٍ محبة. أما الآن فهي جثة متصدعة ومتفحمة، مخترقة رأسًا على عقب سلسلة تلال جرداء. لا بد أن كاسيوس، أو من كان بالداخل، قد قضى وقتًا عصيبًا. انشطر الثلث الخلفي من السفينة على بعد نصف كيلومتر أسفل التل من الجسم الرئيسي. يبدو كلا الجزأين مهجورين. تفحص هوليداي الحطام بمنظار بندقيتها. لا أثر لحياة أو حركة في الخارج.
تقول موستانغ وهي جاثمة بجانبي: “هناك شيء غريب”. يراقبني وجه أبيها من النصل على ذراعها.
يقول راغنار: “الريح ضدنا. لا أشم شيئًا”. تفحص عيناه السوداوان قمم الجبال من حولنا، متنقلًا من صخرة إلى أخرى، باحثًا عن الخطر.
أقول وأنا أشعر بالريح تشتد خلفنا مجددًا: “لا يمكننا المخاطرة بأن تحاصرنا البنادق. علينا تقليص المسافة بسرعة. هوليداي، وفّري غطاءً ناريًا”. تحفر هوليداي خندقًا صغيرًا في الثلج وتغطي نفسها بالبطانية الحرارية. نغطي ذلك بالثلج بحيث لا يظهر سوى فوهة بندقيتها. ثم ينزلق راغنار أسفل المنحدر لاستكشاف النصف الخلفي من السفينة بينما أتقدم أنا وموستانغ نحو الحطام الرئيسي.
نتسلل أنا وموستانغ منخفضين فوق الصخور، متسترين بقوة العاصفة المتجددة، غير قادرين على رؤية السفينة حتى نصبح على بعد خمسة عشر مترًا. نقطع بقية المسافة على بطوننا ونجد فجوة خشنة في المؤخرة حيث مزق صاروخ راغنار النصف الخلفي من جسم الطائرة. توقع جزء مني أن أجد معسكرًا من الألوان المخصصة للحرب والذهبيين الذين يستعدون لمطاردتنا. بدلًا من ذلك، كانت السفينة حطاما مصابا بالصرع، حيث تومض أضوائها وتنطفئ. في الداخل، كانت السفينة مجوفة وواسعة ومعتمة جدًا بحيث لا نكاد نرى شيئًا عندما تنطفئ الأضواء. شيء ما يقطر في الظلام بينما نشق طريقنا نحو منتصف المركبة. أشم رائحة الدم قبل أن أراه. في مقصورة الركاب، يرقد ما يقرب من اثني عشر رماديًا ميتين، محطمين على الأرضية فوقنا بفعل الصخور التي اخترقت السفينة عند هبوطها. تركع موستانغ بجانب جثة رمادي مشوه لتفحص ملابسه.
“دارو”. تسحب ياقته وتشير إلى وشم. لا يزال الحبر الرقمي يتحرك رغم أن الجسد ميت. الفيلق الثالث عشر. إذًا هم حرس كاسيوس. أتحكم في مفتاح نصلي، محركًا إبهامي على شكل التصميم الجديد المطلوب. أضغط عليه. ينساب النصل في يدي، متخليًا عن هيئة النصل المنجلي ليصبح نصلًا أقصر وأعرض حتى أتمكن من الطعن بسهولة أكبر في الأماكن الضيقة.
الفصل 28: وليمة
لا يوجد أي أثر للحياة ونحن نتقدم، ناهيك عن كاسيوس. فقط الريح تئن عبر تجاويف المركبة. يصيبني شعور غريب بالدوار وأنا أسير على السقف وأنظر إلى الأعلى نحو الأرضية. المقاعد وأبازيم الأحزمة تتدلى كالأمعاء. تنتفض السفينة وتعود إلى الحياة، فتضيء بحرًا من الألواح الرقمية والأطباق وعلب العلكة المكسورة تحت الأقدام. تتسرب مياه الصرف الصحي من شق في الجدار المعدني. تظلم السفينة مرة أخرى. تنقر موستانغ على ذراعي وتشير من نافذة محطمة إلى ما يشبه علامات سحب في الثلج. دم ملطخ أسود في الضوء الخافت. تشير إليّ. دب؟ أومئ برأسي. لا بد أن دبًا شائك الظهر قد وجد الحطام وبدأ يتغذى على جثث البعثة الدبلوماسية. أرتجف وأنا أفكر في النبيل كاسيوس وهو يلقى هذا المصير.
يصلنا صوت امتصاص مروع من مكان أبعد في السفينة. نتقدم، شاعرين برهبة المشهد قبل أن ندخل مقصورة الركاب الأمامية. لقد علّمنا المعهد صوت الأسنان على اللحم النيء. ولكن مع ذلك، هذا مشهد مروع، حتى بالنسبة لي. يتدلى الذهبيون رأسًا على عقب من السقف، محبوسين في أحزمة التصادم، وأرجلهم مثبتة بألواح ملتوية. تحتهم تجثم خمسة وحوش من الكوابيس. فروها كئيب ومتلبد، كان أبيض ذات يوم ولكنه الآن متكتل بالدم الجاف والقذارة. إنهم ينهشون أجساد الموتى. رؤوسهم كرؤوس الدببة الضخمة. لكن العيون التي تحدق من خلال تجاويف تلك الرؤوس سوداء وباردة وذكية. يقف أكبر أفراد القطيع على قدمين لا أربع، ويلتفت نحونا. تعود أضواء السفينة للنبض. تظهر من تحت جلود الدببة أذرع شاحبة مفتولة العضلات، لامعة بشحم الفقمة لدرء البرد، وداكنة بالدم من سلخ الذهبيين الموتى.
الأوبسدياني أطول مني. نصل حديدي معقوف مخيط في يده. عظام بشرية مربوطة معًا بأوتار مجففة كدرع للصدر. يتصاعد بخار ساخن من تحت خطم جمجمة الدب التي يرتديها كخوذة. ببطء واتزان، تتفتح ترنيمة حرب شريرة من بين أسنانه المسودة. لقد رأوا أعيننا ويصرخ أحدهم بشيء غير مفهوم.
تئن السفينة وتنطفئ الأضواء. يقفز آكل لحوم البشر الأول نحونا عبر القاعة المزدحمة، والبقية خلفه. كظلال في الظلام. يندفع نصلي الشاحب إلى الأمام ويشطر سكينه الحديدي، ودرعه الصدري وعظمة الترقوة مباشرة إلى قلبه. ألتوي جانبًا حتى لا يصطدم بي. يأخذه زخمه ليتجاوزني ويصطدم بموستانغ، التي تتفاداه وتقطع رأسه بضربة واحدة. ينهار جسده على الأرض خلفها، وهو يرتعش. تُسمع همهمة، ويطير رمح ذو طرف حديدي مسنن من أحد آكلي لحوم البشر الآخرين. أنحني تحته وألكم لأعلى بيدي اليسرى، محولًا مساره إلى السقف، فوق رأس موستانغ مباشرة. ثم يصطدم بي الأوبسدياني الذي خلفه وأنا أنهض. إنه بضخامتي. أقوى. أقرب إلى الوحش منه إلى الإنسان. يطغى عليّ بهيجان عقل مفقود، ويثبتني على الحائط ويعضني بأسنانه المسودة والمبرودة بحدة. تومض أضواء السفينة لتكشف عن القروح حول فمه. ذراعاي مثبتتان إلى جانبي. يعض أنفي. أدير وجهي قبل أن يمزقه. بدلًا من ذلك، تنغرس أسنانه في اللحم عند قاعدة فكي السفلي. أصرخ من الألم. يتدفق الدم على رقبتي. يعض مرة أخرى، ساحبًا وجهي. يأكلني حيًا بينما تنطفئ الأضواء. تحاول يده اليمنى إدخال سكين عبر جلد الفقمة لتنزلق بين أضلعي وتصل إلى قلبي. يصمد النسيج. ثم يرتخي آكل لحوم البشر، ويرتعش، ويسقط جسده على الأرض، بعد أن قطعت موستانغ حبله الشوكي من الخلف. يطير صاروخ أسود بجانب وجهي ويصطدم بموستانغ. يطرحها أرضًا. يبرز ريش سهم من كتفها الأيسر. تئن، وتتخبط على الأرض. أندفع بعيدًا عنها، نحو الأوبسديان الثلاثة المتبقين. أحدهم يجهز سهمًا آخر، والثاني يرفع فأسًا ضخمًا، والثالث يحمل قرنًا منحنيًا ضخمًا، يرفعه آكل لحوم البشر إلى فمه من خلال خوذة الدب. ثم يأتي عواء رهيب من خارج السفينة. تنطفئ الأضواء. يتموج الظلام بشكل رابع. أشكال غامضة تهاجم بعضها البعض. معدن يقطع لحمًا. وعندما تعود الأضواء، يقف راغنار ممسكًا برأس أحد الأوبسديان بينما يسحب نصله من صدر الثاني. الثالث، الذي انشطر قوسه إلى نصفين، يسحب سكينًا، ويطعن راغنار بعشوائية. يقطع ذراعها. لكنها تتدحرج بعيدًا، مجنونة، منيعة ضد الألم. يطاردها وينزع خوذتها. تحتها شابة. وجهها مطلي بالأبيض، ومنخراها مشقوقان لتبدو كالأفعى. ندوب طقسية تشكل سلسلة من الخطوط تحت كلتا عينيها. لا يمكن أن يتجاوز عمرها الثامنة عشرة. تتمتم بشيء وهي تحدق في ضخامة راغنار، الكبير حتى بالنسبة لشعبها. ثم تجد عيناها الوحشيتان الوشوم على وجهه.
تئن السفينة وتنطفئ الأضواء.
يقفز آكل لحوم البشر الأول نحونا عبر القاعة المزدحمة، والبقية خلفه. كظلال في الظلام. يندفع نصلي الشاحب إلى الأمام ويشطر سكينه الحديدي، ودرعه الصدري وعظمة الترقوة مباشرة إلى قلبه. ألتوي جانبًا حتى لا يصطدم بي. يأخذه زخمه ليتجاوزني ويصطدم بموستانغ، التي تتفاداه وتقطع رأسه بضربة واحدة. ينهار جسده على الأرض خلفها، وهو يرتعش.
تُسمع همهمة، ويطير رمح ذو طرف حديدي مسنن من أحد آكلي لحوم البشر الآخرين. أنحني تحته وألكم لأعلى بيدي اليسرى، محولًا مساره إلى السقف، فوق رأس موستانغ مباشرة. ثم يصطدم بي الأوبسدياني الذي خلفه وأنا أنهض. إنه بضخامتي. أقوى. أقرب إلى الوحش منه إلى الإنسان. يطغى عليّ بهيجان عقل مفقود، ويثبتني على الحائط ويعضني بأسنانه المسودة والمبرودة بحدة. تومض أضواء السفينة لتكشف عن القروح حول فمه. ذراعاي مثبتتان إلى جانبي. يعض أنفي. أدير وجهي قبل أن يمزقه. بدلًا من ذلك، تنغرس أسنانه في اللحم عند قاعدة فكي السفلي. أصرخ من الألم. يتدفق الدم على رقبتي. يعض مرة أخرى، ساحبًا وجهي. يأكلني حيًا بينما تنطفئ الأضواء. تحاول يده اليمنى إدخال سكين عبر جلد الفقمة لتنزلق بين أضلعي وتصل إلى قلبي. يصمد النسيج.
ثم يرتخي آكل لحوم البشر، ويرتعش، ويسقط جسده على الأرض، بعد أن قطعت موستانغ حبله الشوكي من الخلف.
يطير صاروخ أسود بجانب وجهي ويصطدم بموستانغ. يطرحها أرضًا. يبرز ريش سهم من كتفها الأيسر. تئن، وتتخبط على الأرض. أندفع بعيدًا عنها، نحو الأوبسديان الثلاثة المتبقين. أحدهم يجهز سهمًا آخر، والثاني يرفع فأسًا ضخمًا، والثالث يحمل قرنًا منحنيًا ضخمًا، يرفعه آكل لحوم البشر إلى فمه من خلال خوذة الدب.
ثم يأتي عواء رهيب من خارج السفينة.
تنطفئ الأضواء.
يتموج الظلام بشكل رابع. أشكال غامضة تهاجم بعضها البعض. معدن يقطع لحمًا. وعندما تعود الأضواء، يقف راغنار ممسكًا برأس أحد الأوبسديان بينما يسحب نصله من صدر الثاني. الثالث، الذي انشطر قوسه إلى نصفين، يسحب سكينًا، ويطعن راغنار بعشوائية. يقطع ذراعها. لكنها تتدحرج بعيدًا، مجنونة، منيعة ضد الألم. يطاردها وينزع خوذتها. تحتها شابة. وجهها مطلي بالأبيض، ومنخراها مشقوقان لتبدو كالأفعى. ندوب طقسية تشكل سلسلة من الخطوط تحت كلتا عينيها. لا يمكن أن يتجاوز عمرها الثامنة عشرة. تتمتم بشيء وهي تحدق في ضخامة راغنار، الكبير حتى بالنسبة لشعبها. ثم تجد عيناها الوحشيتان الوشوم على وجهه.
……
تئن بصوت أجش: “فيرناك. تناك روهر. ليارفور أيسير!”، ليس في رعب، بل في فرح محموم. تغمض عينيها ويقطع راغنار رأسها.
أسأل موستانغ وأنا أهرع إليها: “هل أنتِ بخير؟”. إنها تقف على قدميها بالفعل. السهم يبرز من تحت عظمة ترقوتها.
تسأل موستانغ متجاوزة إياي: “ماذا قالت؟ لغتك الناغالية أفضل من لغتي”.
“لم أفهم اللهجة”. كانت حادة جدًا. راغنار يعرفها.
يشرح راغنار: “ابن الموسومين. اقتلني. سأبعث كذهبي. إنهم يأكلون ما يجدون”. يومئ نحو الذهبيين. “أكل لحم الآلهة يعني البعث خالدًا. سيأتي المزيد”.
أسأل: “حتى في العاصفة؟ هل تستطيع طيور الغريفين الخاصة بهم الطيران في هذا الجو؟”.
تلتوي شفتاه باشمئزاز. “الوحوش لا تركب الغريفين. ولكن لا. سيبحثون عن ملجأ”.
تسأل موستانغ وهي تواصل: “ماذا عن الحطام الآخر؟ إمدادات؟ رجال؟”.
يهز رأسه. “جثث. ذخائر السفينة”.
أرسل راغنار ليحضر هوليداي من موقعها. أبقى أنا وموستانغ مع خطط لتفتيش السفينة بحثًا عن معدات. لكنني أظل واقفًا بلا حراك في مسلخ آكلي لحوم البشر حتى بعد أن انزلق راغنار إلى الثلج. ربما كان الذهبيون أعداء، لكن هذا الرعب يجعل الحياة تبدو رخيصة جدًا. هناك مفارقة قاسية في هذا المكان. إنه مرعب وشرير، لكنه لم يكن ليوجد لولا أن الذهبيين أوجدوه لخلق الخوف، لخلق تلك الحاجة لحكمهم الحديدي. لقد أُكل هؤلاء الأوغاد المساكين على يد وحوشهم الأليفة.
تقف موستانغ بعد فحص أحد الأوبسديان، متأوهة من السهم الذي لا يزال مغروسًا في كتفها. تسأل وهي تلاحظ صمتي: “هل أنت بخير؟”. أشير إلى الأظافر المكسورة على أحد الذهبيين.
قصص الماضي والعلاقات بالرواية مكتوبة بحرفية.
“لم يكونوا أمواتًا عندما بدأوا في سلخهم. كانوا محاصرين فقط”.
تومئ بحزن وتمد كفها. شيء وجدته على جثة الأوبسدياني. ستة خواتم تخرج من المعهد. شجرتا سرو من بلوتو، بومة من مينيرفا، صاعقة من جوبيتر، أيل من ديانا، وواحد التقطه من كفها، مزين برأس ذئب المريخ.
تقول: “يجب أن نبحث عنه”.
أمد يدي إلى السقف لأفحص الذهبيين الذين يتدلون رأسًا على عقب من مقاعدهم. عيونهم وألسنتهم مفقودة، لكن يمكنني أن أرى، رغم تشوههم، أن لا أحد منهم هو صديقي القديم. نبحث في بقية السفينة المقلوبة ونجد عدة أجنحة نوم صغيرة. في خزانة ملابس أحدها، تجد موستانغ صندوقًا جلديًا مزخرفًا به عدة ساعات وقرط لؤلؤي صغير مرصع بالفضة. تقول: “كاسيوس كان هنا”.
“هل هذه ساعاته؟”.
“إنه قرطي”.
أساعد موستانغ على إزالة السهم من كتفها في جناح كاسيوس، بعيدًا عن الدماء. لا تصدر أي صوت وأنا أكسر طرفه، وأدفعها نحو الحائط، وأنتزع السهم من نهايته الخلفية. تنكمش على نفسها، وتنهار على كعبيها من الألم. أجلس على حافة السرير الذي سقط من السقف وأراقبها وهي جاثمة هناك. لا تحب أن يلمسها أحد عندما تكون مصابة.
تقول وهي تقف: “أنهِ الأمر”.
أستخدم مسدس مجدد اللحم لأصنع رقعة لامعة فوق الفتحة في الأمام والخلف، تحت عظمة ترقوتها مباشرة. يوقف النزيف وسيساعد على إصلاح الأنسجة، لكنها ستشعر بالجرح وسيبطئها لأيام. أسحب بذلة جلد الفقمة الخاصة بها فوق كتفها العاري. تغلق السحاب الأمامي بنفسها قبل أن تضمد الجرح في فكي أيضًا. تملأ أنفاسها الهواء. تقترب جدًا لدرجة أنني أستطيع شم رائحة رطوبة الثلج الذي ذاب في شعرها. تضغط مسدس مجدد اللحم على فكي وتطلي طبقة رقيقة من الكائنات الحية الدقيقة على الجرح. تتدافع إلى المسام وتتقلص لتشكل طبقة مضادة للبكتيريا تشبه اللحم. تبقى يدها على مؤخرة رأسي، وأصابعها ملتفة في خصلات شعري، وكأنها تريد أن تقول شيئًا لكنها لا تجد الكلمات. ولا تجدها بحلول وقت عودة هوليداي وراغنار. أسمع هوليداي تنادي باسمي، فأضغط على كتف موستانغ السليم وأتركها هناك.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
معظم معدات السفينة مفقودة. عدة مجموعات من المناظير مفقودة من علبها. ومستودع الأسلحة مفقود بالكامل، مبعثر عبر الجبال بينما تفككت السفينة وتمزق عنبر الشحن. الباقي نهبه الأوبسديان أو تحطم في الحادث. كل ما أحصل عليه هو تشويش من جهاز الإرسال والاستقبال ومعدات الاتصال.
يستنتج راغنار أن كاسيوس وبقية فريقه، حوالي خمسة عشر رجلاً، قد غادروا قبل عدة ساعات من وصولنا إلى المركبة. لقد جردوها من الإمدادات. من المرجح أن الآكلين قد وصلوا بمجرد سقوطها، وإلا لما ترك كاسيوس هؤلاء الذهبيين خلفه ليُؤكلوا. ودعمًا لهذه الفكرة، تجد موستانغ عدة جثث للآكلين بالقرب من قمرة القيادة، مما يعني أن كاسيوس ورجاله كانوا تحت الهجوم أثناء مغادرتهم. كاد الثلج يغطي الجثث. نكدس الجثث الأحدث خارجًا في الثلج في حال جاءت مفترسات أسوأ من الآكلين لزيارتنا.
تقول هوليداي: “أنا آسفة”. “وأنا كذلك”. تقول موستانغ: “لهذا أنا هنا، بما أن هذا ما كنتِ تتساءلين عنه. كان والدي عملاقًا. لكنه كان مخطئًا. كان قاسيًا. وإذا كان بإمكاني أن أكون شيئًا آخر” – تلتقي عيناها بعينيّ – “فسأكون”.
بعد البحث في السفينة عن إمدادات، أطلب من موستانغ وهوليداي أن يحبسانا داخل المطبخ. نلحم المدخلين بمشاعل لحام وُجدت في خزانة صيانة السفينة. ربما تم تجريد الأسلحة ومعدات البرد بالكامل، لكن صهريج السفينة ممتلئ، والماء بداخله لم يتجمد بعد. ومخازن المطبخ مليئة بالطعام.
إنه مأوى مريح إلى حد ما. العزل يحبس حرارتنا في الداخل. يغمر ضوء مصباحي طوارئ كهرمانيين الغرفة باللون البرتقالي الناعم. تستخدم هوليداي الطاقة المتقطعة لطهي وليمة من المعكرونة بصلصة المارينارا والنقانق على مواقد المطبخ الكهربائية بينما أخطط أنا وراغنار لمسار إلى الأبراج الصخرية، وتقوم موستانغ بفرز أكوام المؤن التي تم جمعها، وتملأ حقائب عسكرية وجدتها في المخزن.
أحرق لساني بينما تحضر هوليداي لي ولراغنار حصصًا وافرة من المعكرونة. لم أدرك كم كنت جائعًا. يدفعني راغنار وأتبع عينيه لأشاهد بهدوء هوليداي وهي تحضر لموستانغ وعاءً أيضًا وتتركها بإيماءة صغيرة. تبتسم موستانغ لنفسها. نجلس نحن الأربعة ونأكل في صمت. نستمع إلى شوكاتنا وهي تحتك بالأوعية. الريح تعوي في الخارج. المسامير تئن. يتراكم الثلج الرمادي الفولاذي على النوافذ الدائرية الصغيرة، ولكن ليس قبل أن نرى أشكالًا غريبة تتحرك عبر البياض لتجر الجثث التي وضعناها في الخارج.
قصص الماضي والعلاقات بالرواية مكتوبة بحرفية.
تسأل موستانغ راغنار: “كيف كانت نشأتك هنا؟”. تجلس متربعة القوائم وظهرها مسنود إلى الحائط. أستلقي بجانبها، وبيننا حقيبة ظهر، على إحدى السجادات التي سحبها راغنار إلى داخل الغرفة لتغطية أرضيتها، بينما آكل حصتي الثالثة من المعكرونة.
“كان موطني. لم أكن أعرف أي شيء آخر”.
“ولكن الآن بعد أن عرفت؟”.
يبتسم بلطف. “كان ملعبًا. العالم الخارجي شاسع، ولكنه صغير جدًا. رجال يضعون أنفسهم في صناديق. يجلسون على مكاتب. يركبون سيارات. سفن. هنا، العالم صغير، ولكن بلا نهاية”. يغرق في القصص. كان بطيئًا في المشاركة في البداية، أما الآن فيبدو أنه يستمتع بمعرفة أننا نستمع. أننا نهتم. يخبرنا عن السباحة في الكتل الجليدية عندما كان صبيًا. كيف كان طفلاً أخرق. بطيئ الفهم جدًا. عظامه تسبق بقية جسده. عندما ضربه صبي آخر، أخذته أمه إلى السماء لأول مرة على طائر الغريفين الخاص بها. جعلته يتشبث بها من الخلف. تعلمه أن ذراعيه هما ما يمنعانه من السقوط. أي إرادته.
تهب العاصفة ونحن نتسلق جرفا صخريًا من الجبل. سرعان ما لم نعد نرى شيئًا سوى فرقتنا. ينهشنا ثلج رمادي فولاذي، ويحجب السماء والجليد والجبال في الداخل. نحني رؤوسنا ونحدق من خلال أقنعة جلد الفقمة. تحتك الأحذية بالجليد تحت أقدامنا. تزأر الريح بصوت عالٍ كشلال. أنحني في مواجهتها، واضعًا قدمًا تلو الأخرى، مربوطًا مع موستانغ وهوليداي بحبل على طريقة الأوبسديان حتى لا نفقد بعضنا في العاصفة الثلجية. يستكشف راغنار الطريق أمامنا. أما عن كيف يجد طريقه فهو أمر يفوق إدراكي. يعود الآن، قافزًا فوق الصخور بسهولة. يشير إلينا أن نتبعه. القول أسهل من الفعل. عالمنا صغير وعنيف. تختبئ الجبال في البياض. أكتافها الضخمة هي المأوى الوحيد من الريح. نتسلق فوق صخور سوداء قاسية تجرح قفازاتنا بينما تحاول الريح أن تلقي بنا في أودية وشقوق سحيقة. بذل المجهود هو ما يبقينا على قيد الحياة. لم تبطئ هوليداي ولا موستانغ، وبعد أكثر من ساعة من السفر المروع، يقودنا راغنار إلى ممر جبلي فتهدأ العاصفة. تحتنا، مخترقةً سلسلة من التلال، ترقد السفينة التي أسقطتنا من السماء.
“حلقت أعلى، وأعلى، حتى أصبح الهواء رقيقًا وشعرت بالبرد في عظامي. كانت تنتظرني لأفلت. لأضعف. لكنها لم تكن تعلم أنني ربطت معصمي معًا. كان ذلك أقرب ما وصلت إليه من موت الأم المقدسة”.
أمه، آليا فولاروس، عصفورة الثلج، هي أسطورة بين شعبها لتقديسها للآلهة. ابنة متجول، أصبحت محاربة في الأبراج الصخرية وارتفعت مكانتها وهي تغير على العشائر الأخرى. بلغ من تفانيها للآلهة أنها عندما وصلت إلى السلطة، قدمت أربعة من أطفالها لخدمتهم. واحتفظت بواحد فقط لنفسها، سيفي.
تقول موستانغ بهدوء: “تبدو كوالدي”.
تهمس هوليداي: “يا لكم من مساكين. كانت أمي تصنع لي الكعك وتعلمني كيف أفكك حوامة”.
أسأل: “وماذا عن والدك؟”.
تهز كتفيها: “كان من النوع السيئ. لكنه سيئ بطريقة مملة. عائلة مختلفة في كل ميناء. جندي فيلق نمطي. ورثت عينيه. وتريغ ورث عيني أمي”.
يقول راغنار، قاصدًا والده البيولوجي: “لم أعرف والدي الأول قط. نساء الأوبسديان متعددات الأزواج. قد يكون لديهن سبعة أطفال من سبعة آباء. ثم يلتزم هؤلاء الرجال بحماية أطفالها الآخرين. لقد ذهب ليصبح عبدًا قبل أن أولد. أمي لا تنطق باسمه أبدًا. لا أعرف حتى إذا كان حيًا”.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com تئن بصوت أجش: “فيرناك. تناك روهر. ليارفور أيسير!”، ليس في رعب، بل في فرح محموم. تغمض عينيها ويقطع راغنار رأسها. أسأل موستانغ وأنا أهرع إليها: “هل أنتِ بخير؟”. إنها تقف على قدميها بالفعل. السهم يبرز من تحت عظمة ترقوتها. تسأل موستانغ متجاوزة إياي: “ماذا قالت؟ لغتك الناغالية أفضل من لغتي”. “لم أفهم اللهجة”. كانت حادة جدًا. راغنار يعرفها. يشرح راغنار: “ابن الموسومين. اقتلني. سأبعث كذهبي. إنهم يأكلون ما يجدون”. يومئ نحو الذهبيين. “أكل لحم الآلهة يعني البعث خالدًا. سيأتي المزيد”. أسأل: “حتى في العاصفة؟ هل تستطيع طيور الغريفين الخاصة بهم الطيران في هذا الجو؟”. تلتوي شفتاه باشمئزاز. “الوحوش لا تركب الغريفين. ولكن لا. سيبحثون عن ملجأ”. تسأل موستانغ وهي تواصل: “ماذا عن الحطام الآخر؟ إمدادات؟ رجال؟”. يهز رأسه. “جثث. ذخائر السفينة”. أرسل راغنار ليحضر هوليداي من موقعها. أبقى أنا وموستانغ مع خطط لتفتيش السفينة بحثًا عن معدات. لكنني أظل واقفًا بلا حراك في مسلخ آكلي لحوم البشر حتى بعد أن انزلق راغنار إلى الثلج. ربما كان الذهبيون أعداء، لكن هذا الرعب يجعل الحياة تبدو رخيصة جدًا. هناك مفارقة قاسية في هذا المكان. إنه مرعب وشرير، لكنه لم يكن ليوجد لولا أن الذهبيين أوجدوه لخلق الخوف، لخلق تلك الحاجة لحكمهم الحديدي. لقد أُكل هؤلاء الأوغاد المساكين على يد وحوشهم الأليفة. تقف موستانغ بعد فحص أحد الأوبسديان، متأوهة من السهم الذي لا يزال مغروسًا في كتفها. تسأل وهي تلاحظ صمتي: “هل أنت بخير؟”. أشير إلى الأظافر المكسورة على أحد الذهبيين.
تقول موستانغ: “يمكننا أن نكتشف ذلك. سيتعين علينا البحث في سجل مجلس مراقبة الجودة. الأمر ليس سهلاً، لكن يمكننا العثور عليه. وسنعرف ما حدث له. إذا أردت أن تعرف”.
يذهله الاقتراح ويومئ ببطء. “نعم. أود ذلك”.
تراقب هوليداي موستانغ بطريقة مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل ساعات فقط عندما كنا نغادر فوبوس، وأنا مندهش من مدى طبيعية هذا الشعور، عوالمنا الأربعة تتصادم معًا. تقول هوليداي: “كلنا نعرف والدك. لكن كيف هي والدتك؟ تبدو باردة، مما رأيته، فقط على مكعب العرض المجسم، كما تعلمين؟”.
“تلك زوجة أبي. هي لا تهتم بي. فقط بأدريوس، في الواقع. أمي الحقيقية توفيت عندما كنت صغيرة. كانت لطيفة. مرحة. وحزينة جدًا”.
تضغط هوليداي: “لماذا؟”.
أقول: “هوليداي…”. والدتها موضوع لم أضغط عليه قط. لقد أخفتها عني. كصندوق صغير مقفل في روحها لا تشاركه أبدًا. إلا الليلة، على ما يبدو.
تقول: “لا بأس”. تسحب ساقيها وتحتضنهما، وتواصل. “عندما كنت في السادسة، كانت أمي حاملًا بفتاة صغيرة. قال الطبيب إنه ستكون هناك مضاعفات في الولادة وأوصى بالتدخل الطبي. لكن والدي قال إنه إذا لم يكن الطفل لائقًا للبقاء على قيد الحياة بعد الولادة، فإنه لا يستحق الحياة. يمكننا الطيران بين النجوم. تشكيل الكواكب، لكن أبي ترك أختي تموت في رحم أمي”.
تهمس هوليداي: “يا للهول! لماذا لم يعطها علاجًا خلويًا؟ لديكم المال”.
تقول موستانغ: “النقاء في المنتج”.
“هذا جنون”.
“هذه عائلتي. لم تعد أمي كما كانت. كنت أسمعها تبكي في منتصف النهار. أراها تحدق من النافذة. ثم في إحدى الليالي خرجت في نزهة في كاراغمور. العقار الذي أهداها إياه والدي كهدية زفاف. كان يعمل في أجيا. لم تعد إلى المنزل أبدًا. وجدوها على الصخور تحت منحدرات البحر. قال أبي إنها انزلقت. لو كان حيًا الآن، لكان لا يزال يقول إنها انزلقت. لا أعتقد أنه كان سيستطيع تحمل التفكير في أي شيء آخر”.
……
تقول هوليداي: “أنا آسفة”.
“وأنا كذلك”. تقول موستانغ: “لهذا أنا هنا، بما أن هذا ما كنتِ تتساءلين عنه. كان والدي عملاقًا. لكنه كان مخطئًا. كان قاسيًا. وإذا كان بإمكاني أن أكون شيئًا آخر” – تلتقي عيناها بعينيّ – “فسأكون”.
تئن السفينة وتنطفئ الأضواء. يقفز آكل لحوم البشر الأول نحونا عبر القاعة المزدحمة، والبقية خلفه. كظلال في الظلام. يندفع نصلي الشاحب إلى الأمام ويشطر سكينه الحديدي، ودرعه الصدري وعظمة الترقوة مباشرة إلى قلبه. ألتوي جانبًا حتى لا يصطدم بي. يأخذه زخمه ليتجاوزني ويصطدم بموستانغ، التي تتفاداه وتقطع رأسه بضربة واحدة. ينهار جسده على الأرض خلفها، وهو يرتعش. تُسمع همهمة، ويطير رمح ذو طرف حديدي مسنن من أحد آكلي لحوم البشر الآخرين. أنحني تحته وألكم لأعلى بيدي اليسرى، محولًا مساره إلى السقف، فوق رأس موستانغ مباشرة. ثم يصطدم بي الأوبسدياني الذي خلفه وأنا أنهض. إنه بضخامتي. أقوى. أقرب إلى الوحش منه إلى الإنسان. يطغى عليّ بهيجان عقل مفقود، ويثبتني على الحائط ويعضني بأسنانه المسودة والمبرودة بحدة. تومض أضواء السفينة لتكشف عن القروح حول فمه. ذراعاي مثبتتان إلى جانبي. يعض أنفي. أدير وجهي قبل أن يمزقه. بدلًا من ذلك، تنغرس أسنانه في اللحم عند قاعدة فكي السفلي. أصرخ من الألم. يتدفق الدم على رقبتي. يعض مرة أخرى، ساحبًا وجهي. يأكلني حيًا بينما تنطفئ الأضواء. تحاول يده اليمنى إدخال سكين عبر جلد الفقمة لتنزلق بين أضلعي وتصل إلى قلبي. يصمد النسيج. ثم يرتخي آكل لحوم البشر، ويرتعش، ويسقط جسده على الأرض، بعد أن قطعت موستانغ حبله الشوكي من الخلف. يطير صاروخ أسود بجانب وجهي ويصطدم بموستانغ. يطرحها أرضًا. يبرز ريش سهم من كتفها الأيسر. تئن، وتتخبط على الأرض. أندفع بعيدًا عنها، نحو الأوبسديان الثلاثة المتبقين. أحدهم يجهز سهمًا آخر، والثاني يرفع فأسًا ضخمًا، والثالث يحمل قرنًا منحنيًا ضخمًا، يرفعه آكل لحوم البشر إلى فمه من خلال خوذة الدب. ثم يأتي عواء رهيب من خارج السفينة. تنطفئ الأضواء. يتموج الظلام بشكل رابع. أشكال غامضة تهاجم بعضها البعض. معدن يقطع لحمًا. وعندما تعود الأضواء، يقف راغنار ممسكًا برأس أحد الأوبسديان بينما يسحب نصله من صدر الثاني. الثالث، الذي انشطر قوسه إلى نصفين، يسحب سكينًا، ويطعن راغنار بعشوائية. يقطع ذراعها. لكنها تتدحرج بعيدًا، مجنونة، منيعة ضد الألم. يطاردها وينزع خوذتها. تحتها شابة. وجهها مطلي بالأبيض، ومنخراها مشقوقان لتبدو كالأفعى. ندوب طقسية تشكل سلسلة من الخطوط تحت كلتا عينيها. لا يمكن أن يتجاوز عمرها الثامنة عشرة. تتمتم بشيء وهي تحدق في ضخامة راغنار، الكبير حتى بالنسبة لشعبها. ثم تجد عيناها الوحشيتان الوشوم على وجهه.
……
لا يوجد أي أثر للحياة ونحن نتقدم، ناهيك عن كاسيوس. فقط الريح تئن عبر تجاويف المركبة. يصيبني شعور غريب بالدوار وأنا أسير على السقف وأنظر إلى الأعلى نحو الأرضية. المقاعد وأبازيم الأحزمة تتدلى كالأمعاء. تنتفض السفينة وتعود إلى الحياة، فتضيء بحرًا من الألواح الرقمية والأطباق وعلب العلكة المكسورة تحت الأقدام. تتسرب مياه الصرف الصحي من شق في الجدار المعدني. تظلم السفينة مرة أخرى. تنقر موستانغ على ذراعي وتشير من نافذة محطمة إلى ما يشبه علامات سحب في الثلج. دم ملطخ أسود في الضوء الخافت. تشير إليّ. دب؟ أومئ برأسي. لا بد أن دبًا شائك الظهر قد وجد الحطام وبدأ يتغذى على جثث البعثة الدبلوماسية. أرتجف وأنا أفكر في النبيل كاسيوس وهو يلقى هذا المصير. يصلنا صوت امتصاص مروع من مكان أبعد في السفينة. نتقدم، شاعرين برهبة المشهد قبل أن ندخل مقصورة الركاب الأمامية. لقد علّمنا المعهد صوت الأسنان على اللحم النيء. ولكن مع ذلك، هذا مشهد مروع، حتى بالنسبة لي. يتدلى الذهبيون رأسًا على عقب من السقف، محبوسين في أحزمة التصادم، وأرجلهم مثبتة بألواح ملتوية. تحتهم تجثم خمسة وحوش من الكوابيس. فروها كئيب ومتلبد، كان أبيض ذات يوم ولكنه الآن متكتل بالدم الجاف والقذارة. إنهم ينهشون أجساد الموتى. رؤوسهم كرؤوس الدببة الضخمة. لكن العيون التي تحدق من خلال تجاويف تلك الرؤوس سوداء وباردة وذكية. يقف أكبر أفراد القطيع على قدمين لا أربع، ويلتفت نحونا. تعود أضواء السفينة للنبض. تظهر من تحت جلود الدببة أذرع شاحبة مفتولة العضلات، لامعة بشحم الفقمة لدرء البرد، وداكنة بالدم من سلخ الذهبيين الموتى. الأوبسدياني أطول مني. نصل حديدي معقوف مخيط في يده. عظام بشرية مربوطة معًا بأوتار مجففة كدرع للصدر. يتصاعد بخار ساخن من تحت خطم جمجمة الدب التي يرتديها كخوذة. ببطء واتزان، تتفتح ترنيمة حرب شريرة من بين أسنانه المسودة. لقد رأوا أعيننا ويصرخ أحدهم بشيء غير مفهوم.
قصص الماضي والعلاقات بالرواية مكتوبة بحرفية.
أشعر بوخزة من الشفقة عليها. خطوطها الشبيهة بأسماك القرش وذيلها المتوهج على شكل نجمة يشيران إلى أنها كانت ذات يوم سفينة سباق طويلة وأنيقة من أحواض بناء السفن الشهيرة في غانيميد. مطلية بفخر وجرأة باللون القرمزي والفضي بأيدٍ محبة. أما الآن فهي جثة متصدعة ومتفحمة، مخترقة رأسًا على عقب سلسلة تلال جرداء. لا بد أن كاسيوس، أو من كان بالداخل، قد قضى وقتًا عصيبًا. انشطر الثلث الخلفي من السفينة على بعد نصف كيلومتر أسفل التل من الجسم الرئيسي. يبدو كلا الجزأين مهجورين. تفحص هوليداي الحطام بمنظار بندقيتها. لا أثر لحياة أو حركة في الخارج. تقول موستانغ وهي جاثمة بجانبي: “هناك شيء غريب”. يراقبني وجه أبيها من النصل على ذراعها. يقول راغنار: “الريح ضدنا. لا أشم شيئًا”. تفحص عيناه السوداوان قمم الجبال من حولنا، متنقلًا من صخرة إلى أخرى، باحثًا عن الخطر. أقول وأنا أشعر بالريح تشتد خلفنا مجددًا: “لا يمكننا المخاطرة بأن تحاصرنا البنادق. علينا تقليص المسافة بسرعة. هوليداي، وفّري غطاءً ناريًا”. تحفر هوليداي خندقًا صغيرًا في الثلج وتغطي نفسها بالبطانية الحرارية. نغطي ذلك بالثلج بحيث لا يظهر سوى فوهة بندقيتها. ثم ينزلق راغنار أسفل المنحدر لاستكشاف النصف الخلفي من السفينة بينما أتقدم أنا وموستانغ نحو الحطام الرئيسي. نتسلل أنا وموستانغ منخفضين فوق الصخور، متسترين بقوة العاصفة المتجددة، غير قادرين على رؤية السفينة حتى نصبح على بعد خمسة عشر مترًا. نقطع بقية المسافة على بطوننا ونجد فجوة خشنة في المؤخرة حيث مزق صاروخ راغنار النصف الخلفي من جسم الطائرة. توقع جزء مني أن أجد معسكرًا من الألوان المخصصة للحرب والذهبيين الذين يستعدون لمطاردتنا. بدلًا من ذلك، كانت السفينة حطاما مصابا بالصرع، حيث تومض أضوائها وتنطفئ. في الداخل، كانت السفينة مجوفة وواسعة ومعتمة جدًا بحيث لا نكاد نرى شيئًا عندما تنطفئ الأضواء. شيء ما يقطر في الظلام بينما نشق طريقنا نحو منتصف المركبة. أشم رائحة الدم قبل أن أراه. في مقصورة الركاب، يرقد ما يقرب من اثني عشر رماديًا ميتين، محطمين على الأرضية فوقنا بفعل الصخور التي اخترقت السفينة عند هبوطها. تركع موستانغ بجانب جثة رمادي مشوه لتفحص ملابسه. “دارو”. تسحب ياقته وتشير إلى وشم. لا يزال الحبر الرقمي يتحرك رغم أن الجسد ميت. الفيلق الثالث عشر. إذًا هم حرس كاسيوس. أتحكم في مفتاح نصلي، محركًا إبهامي على شكل التصميم الجديد المطلوب. أضغط عليه. ينساب النصل في يدي، متخليًا عن هيئة النصل المنجلي ليصبح نصلًا أقصر وأعرض حتى أتمكن من الطعن بسهولة أكبر في الأماكن الضيقة.
الفصل 28: وليمة
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات