Switch Mode

أعزائنا القرّاء، يسرّنا إعلامكم بأن ملوك الروايات يوفر موقعًا مدفوعًا وخاليًا تمامًا من الإعلانات المزعجة، لتستمتعوا بتجربة قراءة مريحة وسلسة.

لزيارة الموقع، يُرجى النقر هنا.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

البداية@بعد@النهاية@kol 518

على حافة العدم

على حافة العدم

الفصل 518: على حافة العدم

تصلبتُ، وقاومتُ الرغبة في النظر خلفنا.

[**: الفصل طويل جدًا، لذا حضّر لك كوبًا من مشروبك المفضل (الماء).]

اتسعت عينا تيسيا خلف الخوذة نصفية الوجه. أنزلت غطاء الرأس، فذابت الخوذة. “بالتأكيد.” ابتسمت ابتسامة خفيفة. “لكنني لم أحضر أي حلوى للتدريب هذه المرة.”

آرثر ليوين

ما شعرتُ به هو… غضب.

 

راح ريجيس يمشي جيئة وذهابًا على الواجهة البحرية، وعيناه تتجهان تلقائيًا مع كل منعطف، فلا ينظر إلى الوراء أبدًا. “هناك شعورٌ مُريعٌ بالخطأ والدُوار، لكن من طرف عيني، لا يسعني رؤية شيء. الأمر أشبه بـ…” ثم توقف عن الكلام، وشعرتُ بعقله يتلعثم في وصف الأمر.

مرّ الستار البلوري، قاسيًا وباردًا، على بشرتي. تمزّقُ الواقع أثّر فيَّ بشدة. ألمٌ بعيد، كإسقاط إحساسٍ عانى منه شخصٌ آخر، ينتابني عميقًا خلف عينيّ. انزعاجٌ باردٌ… لم يكن هناك شيءٌ آخر. حاولتُ أن أغمض عينيّ، أتوقع أن يعود بصري إلى مكانه أو يتلاشى تدريجيًا كفيلمٍ قديمٍ بالأبيض والأسود.

ضغطتُ على يد تيسيا، والتفتُّ إلى فاراي وبايرون. “حسنًا. علينا أن نفهم ما يحدث هنا. فاراي، لقد اندمجت، أي أنك وصلت إلى مستوى أعلى من التلاعب بالمانا من أي شخص آخر هنا. مع أن هذا قد لا يجعلك إرثًا، إلا أنك أفضل فرصة لدينا لفهم ما تفعله المانا هنا.” فركتُ مؤخرة رقبتي. “لا أستطيع امتصاص المزيد من الأثير، والنهر قد سحب الكثير بالفعل. عليّ الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الطاقة، في حال كانت قدراتي ضرورية للهروب من هذا المكان.”

 

 

انسكب جسدي من الستار إلى تربة ناعمة، وفجأة استبدل فراغ الإحساس بفوضى مشبعة من الضوء والظلام، والضوضاء والرطوبة، والهواء الدافئ ونسمة قوية.

الحركة في البحر الأثيري البعيد أوقفتني.

 

 

تخلصتُ من الغثيان الذي كان يتلوى في معدتي المضطربة بالفعل، وأجبرت نفسي على البقاء حاضرًا بينما أبحث عن تيسيا.

 

 

هززتُ رأسي، وسقطت خصلة من شعري الأشقر القمحي أمام عينيّ. دفعتُها للخلف. “لم يخلق أغرونا هذا المخلوق،” أجبتُ. “لا أعتقد أنه يستطيع فعل أي شيء هنا. ربما إسقاط الجن، جي آي… لكنها في الأساس فهرس مكتبة واعي كما أفهم. إنها لا تصنع المقابر الأثرية، بل تتعقبها فقط، وتساعد في التنقل فيها، وما إلى ذلك.”

وهي كانت واقفة هناك، وظهرها لي. تتبعتُ انحناءة رقبتها الرشيقة إلى كتفها، ثم ذراعها النحيلة المشدودة، وصولًا إلى يدها الصغيرة. مددتُ يدي، وأصابعنا متشابكة. انتابتها صدمة، لكن بعض التوتر زال من جسدها، وشددت قبضتها، لكنها لم تلتفت للنظر.

 

 

‘ما هذا الشيء،’ فكرت بصوت ضعيف، وكانت الكلمات في الجزء الخلفي من ذهني بينما ظل تركيزي الواعي على حركتي التالية.

خرجت أنفاس مرتجفة مني بينما أعادت حواسي تنظيم الإشارات التي يمكن لعقلي معالجتها بالفعل.

 

 

نزفت عينان مملوءتان بالغضب ضوءًا بنفسجيًا على جانبي وجهه للحظة، ثم بدأت العيون المتبقية في التحرك، وانزلقت عبر السطح السائل لجلده واندمجت في عين واحدة في منتصف الوجه الذي لا يحمل أي ملامح.

كان الضجيج المتواصل قادمًا من محيط هادئ بدا وكأنه يتمدد أمامنا إلى الأبد. كنا قد استقرينا على الشاطئ، وحذائي يغوص في الرمال السوداء. الظلام حالك، لكن المحيطُ يتلألأ بنور أرجواني. وفوق الأفق، امتدت سماء سوداء وأرجوانية داكنة بنفس القدر: الفراغ الأثيري.

 

 

 

نهض ريجيس من ظلي، يهتز كالكلب العائد من المطر. “حسنًا، كان ذلك جديدًا. أين—” بدأ يستدير وهو يتحدث، ثم قطع حديثه بتأوه خافت وشعور قوي بالدوار اجتاح تواصلنا.

 

 

 

تصلبتُ، وقاومتُ الرغبة في النظر خلفنا.

هززتُ رأسي، وسقطت خصلة من شعري الأشقر القمحي أمام عينيّ. دفعتُها للخلف. “لم يخلق أغرونا هذا المخلوق،” أجبتُ. “لا أعتقد أنه يستطيع فعل أي شيء هنا. ربما إسقاط الجن، جي آي… لكنها في الأساس فهرس مكتبة واعي كما أفهم. إنها لا تصنع المقابر الأثرية، بل تتعقبها فقط، وتساعد في التنقل فيها، وما إلى ذلك.”

 

أنا أيضًا لم أفعل، لكن سيلفي استطاعت. ليس عبر الأثير، بل… عبر الماء نفسه. رمقتها بنظرة، فبادلت النظرة، ولم يفهم أيٌّ منا سبب شعورها بالماء كعضو إضافي.

اهتزّ الستار البلوري، وخرجت فاراي بجانبي، ووجهها شاحب. بجانبها، جثا بايرون على ركبة واحدة، وقبضته تضرب الرمال.

الفصل 518: على حافة العدم

 

 

ظهرت سيلفي خلفي أنا وتيسيا. انزلقت يداها تحت إبطينا، وأسندت خدها على كتف تيسيا. من خلال تواصلنا، استطعتُ استشعار أفكارها المشوشة، لكنني لم أستطع سماعها مباشرةً. تنفسها حفيف، وأصابعها باردة.

‘لا تقلق يا أميرتي، فقط استلق هناك بينما نتعرض نحن الباقين للضرب المبرح!’ هدر ريجيس في ذهني.

 

نهض ريجيس من ظلي، يهتز كالكلب العائد من المطر. “حسنًا، كان ذلك جديدًا. أين—” بدأ يستدير وهو يتحدث، ثم قطع حديثه بتأوه خافت وشعور قوي بالدوار اجتاح تواصلنا.

جذب انتباهي صوت كشط حاد عبر تيسيا إلى حيث كان الكائن الخارجي الذي يشبه الغريفون كلير بليدهارت يرقد على ظهره، وكانت إحدى ساقيه ممتدة إلى حد كافٍ بحيث تلمسها حافة الماء المتلألئة.

 

 

 

فجأةً، كنتُ أتحرك. ما زلتُ أتجنب النظر مباشرةً إلى الخلف، ركضتُ خلف تيس وسيلف، وسحبتُ كلير بعيدًا عن الماء، رافضًا أن تلمسه.

خفضت مرفقي الأيمن إلى الأرض، وقبضتي مشدودة، والأثير يتدفق إلى الطرف لتمكين كل عضلة ووتر، وبناء استعداد لإطلاق سلسلة من الانفجارات في الوقت المناسب تمامًا.

 

 

“هل هذه المقابر الأثرية؟” سألت فاراي، وقفتها متوترة. “حاولت ميكا شرح الأمر، لكنني أعترف أنني لم أفهم روايتها تمامًا… سردها حماسي.”

 

 

 

“لا بد أن تكون كذلك، على الرغم من أن ‘هنا’ يبدو مختلفًا،” أجابت سيلفي بينما انحنيت فوق كلير.

 

 

 

“هل أنت بخير؟” سألت.

أعطتني هذه الفكرة فكرة أخرى. “ريجيس، ساعدني في هذا.”

 

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

داخل النموذج الخارجي، أومأت برأسها. انزلقت عيناها عن وجهي لتنظر مباشرةً بعيدًا عن الواجهة البحرية. أغمضتا عيناها على الفور، وكان تعبيرها ينم عن انزعاج شديد. “رن جرسي للتو. أشعر بدوار خفيف. ربما عليّ الخروج من—”

عندما عاد إلى وضعية القتال، أدركتُ أن جانبًا ما منه قد تغير جذريًا. وقف كإنسان، كمقاتل في زقاق خلفي يستعد للقتال. ذلك الجسد النحيل نفسه بدا الآن نحيلًا و… بشريًا، ممسكًا مرة أخرى بشظيتين داكنتين كالسكاكين.

 

نبض صدري وفكي، ثم بتُّ مستلقيًا على ظهري في الرمال الرطبة.

“لا،” قاطعتُ، وأنا مُدركٌ تمامًا لما يعلق خلف ظهري، ذلك الشيء الذي يبدو أن لا أحد يستطيع النظر إليه. “ابقي فيه.” فكّرتُ، مع أنني لم أنطق الكلمات بصوت عالٍ، “أنت غير محمية هنا على الإطلاق، وإلا.”

 

 

 

“المانا هنا خانقة،” تابعت فاراي، وهي تخطو نحو الماء. رفعت يدها، فشكّلت بلورات الجليد كسورية معقدة في الهواء. “هناك نوع من التعويذة القوية تعمل.”

قالت تيسيا، مُتابعةً تفكير فاراي، “كأن هذا المكان غير مكتمل. أو… ربما لم تكن هناك حاجة لذلك الجزء، فلم يُوضع فيه شيء.”

 

 

ببطء، بذلت جهدًا مُتضافرًا لإجبار رأسها على الدوران والنظر خلفنا، مُتابعةً حركةً خفيةً في الهواء. بدأت عيناها تتدحرجان للخلف، وأمسك بايرون بمرفقها ليسندها. استدارت بدوار، ورمشت عدة مرات، ثم فُتح فمها في دهشةٍ واضحة وهي تنظر إلى الماء.

 

 

“ماذا ترين؟” سألتها وأنا غير قادر على استشعار حركة عقلها.

عندما تكلمت، كانت كلماتها جامدة ومتلعثمة. “ماذا… حدث للتو؟”

 

 

نهض ريجيس بجانبي يعرج، ورقبته تنزف بغزارة. “غرست أنيابي في فيه، لكنّه انقلب عليّ فجأة، وكأنني صرت أقاتل جبلًا لعينًا—لم أستطع حتى أن أخدشه.”

راح ريجيس يمشي جيئة وذهابًا على الواجهة البحرية، وعيناه تتجهان تلقائيًا مع كل منعطف، فلا ينظر إلى الوراء أبدًا. “هناك شعورٌ مُريعٌ بالخطأ والدُوار، لكن من طرف عيني، لا يسعني رؤية شيء. الأمر أشبه بـ…” ثم توقف عن الكلام، وشعرتُ بعقله يتلعثم في وصف الأمر.

 

 

 

قالت تيسيا، مُتابعةً تفكير فاراي، “كأن هذا المكان غير مكتمل. أو… ربما لم تكن هناك حاجة لذلك الجزء، فلم يُوضع فيه شيء.”

انزلقت شفرتي القصيرة عن الحاجز الأثيري المتصلب المحيط بالجسم المادي للكائن. طعنت شفرته في جنبي، وأمسكت يده الأخرى بمعصمي ليمنعني من إثارة انفجار الأثير، ويد ثالثة—تشكلت دون أن أشعر بها—أمسكت بحلقي.

 

رمشت فاراي لها، ثم أطلقت ضحكة مرحة مفاجئة. “يا للأسف!” شبك الاثنان ذراعيهما وسارا مسافة قصيرة على الشاطئ، حيث جلسا على الرمال وبدأا بالحديث والإيماء.

“مع الاحترام، سيدة إيراليث،” قالت كلير وهي تحرك شكلها الخارجي بصوت عالٍ على قدميها، “لكن هذا لا معنى له. كيف يمكن لمكان مادي أن يكون… غير مكتمل؟”

 

 

خلف التجلي الأثيري، وقفت سيلفي حتى ركبتيها في الماء. كانت تستمد قوته، لكنني شعرتُ بالفعل بقبضتها ترتجف مع مرور الوقت.

تقدمت سيلفي. التفت الجميع إليها، متوقعين بوضوح أن تتكلم، لكنها واصلت سيرها نحو الماء.

 

 

 

“سيلف؟” سألت، وأنا أشعر بالتوتر بسبب غرابة المنطقة وموقفنا.

 

 

تلاشى في اللاجسدية وتسلل إلى صدري، ثم عاد. ذاب الدرع عن جسدي وسحبه ريجيس معه. تسلل إلى صدر تيسيا—أطلقت صرخة مفاجأة صغيرة، “ووها!”—ثم أطلق جاذبيته على الدرع. انتشر على الفور كالريش على جسد تيسيا.

لم تُجب، وسقطت قدمها في الماء الأثيري الذي يرتطم برفق. شهقتُ، وفي لحظة، سحبتها للخلف، واضعًا نفسي بينها وبين البحر. بهزّة خفيفة، حاولتُ إجبارها على النظر في عينيّ. لكن بدلًا من ذلك، انزلق انتباهي من أذنها إلى الفضاء البعيد.

“هل هذه المقابر الأثرية؟” سألت فاراي، وقفتها متوترة. “حاولت ميكا شرح الأمر، لكنني أعترف أنني لم أفهم روايتها تمامًا… سردها حماسي.”

 

ظهرت سيلفي خلفي أنا وتيسيا. انزلقت يداها تحت إبطينا، وأسندت خدها على كتف تيسيا. من خلال تواصلنا، استطعتُ استشعار أفكارها المشوشة، لكنني لم أستطع سماعها مباشرةً. تنفسها حفيف، وأصابعها باردة.

تمرد عقلي فجأةً، رافضًا استيعاب الإشارات التي يتلقاها. بدافع غريزي، فعّلتُ “مناورة الملك”. بدلًا من أن تُمكّنني من توضيح ما أراه، زادت من اضطرابي المكاني مائة ضعف، وشعرتُ بطعم المرارة في حلقي. تدحرجت عيناي، وظننتُ أنني سأنهار.

امتدت أجنحة كلير على نطاق واسع عندما رفعت نصلها.

 

 

وبعد ذلك، كنت أنظر مرة أخرى إلى المحيط اللامتناهي تحت الفراغ الأثيري.

 

 

“هل أنت بخير؟” سألت.

لا تزال سيلفي بجانبي، لكن نظرتها الآن تحرق جانب رأسي، تعبيرها مليء بالتوتر واليأس، لم تعد نظرة العين الشاغرة الضائعة في البحر من لحظة ما. “إذن، ترى مكانًا حيث الواقع ممزق لدرجة أنك لا تستطيع حتى النظر إليه، وحركتك المعتادة هي التحديق فيه بعشرات خيوط الوعي النشط دفعة واحدة؟” مع أن نبرتها لاذعة، إلا أن أفكارها تسللت إلى أفكاري برفق. “هل أنت بخير؟ يسعني إخبارك بأنك لم تكسب شيئًا.”

قفزتُ أمام رفاقي، واستحضرتُ سيفًا أثيريًا، واستدعيتُ درعي الأثري، وفعّلتُ خطوة الحاكم، مُستعدًا لشقّ نقاط الاتصال، وفجأةً ظهر الشكل أمامي مباشرةً.

 

جذب انتباهي صوت كشط حاد عبر تيسيا إلى حيث كان الكائن الخارجي الذي يشبه الغريفون كلير بليدهارت يرقد على ظهره، وكانت إحدى ساقيه ممتدة إلى حد كافٍ بحيث تلمسها حافة الماء المتلألئة.

“نعم-لا.” هززتُ رأسي. “علينا أن نفهم ما يحدث هنا.”

 

 

انثنت أذرع الكائن المغطاة بالجليد، وانفجرت الكتلة المتجمدة إلى الخارج في ألف خنجر أزرق انكسر إلى ثلجٍ بريء في لحظة. حاولت فاراي العودة، لكن يدًا طويلة الأصابع التفت حول كاحلها قبل أن تُرجحها وتسقطها أرضًا بينما أمسكت الأخرى بنصف الرمح. ظهرت ذراع ثالثة، وأغلقت الأصابع الهيكلية حول معصم بايرون. انفجر كلا الرمحين بقوةٍ مُكبوتة، وللحظة، تحول كل شيء إلى اللون الأبيض.

“وهل سنفعل؟” سألت كلير. وبينما تنظر إلى صف مجموعتنا، حرصت على ألا تُدير رأسها بعيدًا، ولم تُحدّق في المساحة خلفنا إلا بطرف عينها. “ألا نحتاج فقط إلى… المغادرة؟”

 

 

الحركة في البحر الأثيري البعيد أوقفتني.

طقطقتُ رقبتي وشديت أثيري. “أجل، لكن هذه المناطق—الفصول، كما سماها الجن—دائمًا ما يكون فيها نوع من الألغاز لحلها. بعضها يمكن اجتيازه بسهولة، لكن بما أننا لم نرَ أي وحوش—”

 

 

 

الحركة في البحر الأثيري البعيد أوقفتني.

 

 

 

تدفقت اهتزازات الماء—لا، بل أشبه بموجة، أو سلسلة أمواج. وصل المد فجأةً إلى أصابع أقدامنا، وكوحدة واحدة، تراجعت مجموعتنا عدة خطوات.

أومأت برأسها شاردةً دون أن تنظر إليّ. “لأن الوقت قد حان. إنه يسير في اتجاه واحد فقط. على الأقل بالنسبة لمعظم الناس. لكن بالنسبة لي…” رفعت رأسها، والتقت عيناها الذهبيتان بعينيّ كانعكاس. “آرثر…”

 

“شيء ما قادم،” وافقت سيلفي، وعيناها الذهبيتان تضيقان على مركز الأمواج البعيد.

“عليك فقط أن تقول ذلك،” قال ريجيس وهو يشعر بالغضب.

الفصل 518: على حافة العدم

 

“قد يعطيكِ هذا الأفضلية إذا انتهى بك الأمر وجهًا، لوجه مع شيء آخر من هذه الأشياء،” أوضحتُ وأنا أمرر خصلة من شعرها الفضي المعدني بين أصابعي.

“شيء ما قادم،” وافقت سيلفي، وعيناها الذهبيتان تضيقان على مركز الأمواج البعيد.

أنزلت كلير الشكل الخارجي على ركبة واحدة لتكون في مستوى نظرنا جميعًا. “لن أزعم أن لديّ أي فكرة عما يحدث هنا، ولكن… عندما كان يفحصني، شعرتُ…” ارتجفت داخل الشكل الخارجي. “شعرتُ بالانتهاك. كما لو كان ينظر إلى صدري. نواتي…”

 

تابعتُ عيناي كلير وهي تُبعد الشكل الخارجي، بادئةً مسارًا أشبه بدوريةٍ صعودًا وهبوطًا على ضفة النهر. لكن أفكاري كانت مُنصبّةً على ما قالته: إن افتقارها الفطري للقوة الشخصية كان نعمةً لنا هنا. حمتها القدرات القتالية للشكل الخارجي من تجلٍ حاول مُضاهاة قوتها، أو حتى التغلب عليها.

طفا بايرون عن الأرض، وامتلأ رمحه القرمزي بالبرق، وهو يجمع المانا. “لا أشعر بشيء.”

فجأةً، كنتُ أتحرك. ما زلتُ أتجنب النظر مباشرةً إلى الخلف، ركضتُ خلف تيس وسيلف، وسحبتُ كلير بعيدًا عن الماء، رافضًا أن تلمسه.

 

‘عليكِ الخروج من الماء،’ فكّرتُ، وأنا أحاول جاهدًا تجاوز فوضى عقلها المشتت. لكن في خضمّ هذا الجهد، علقت أفكاري في أفكارها، التي بدت وكأنها تتجه في اتجاهاتٍ متعددة في آنٍ واحد، تتدفق بعيدًا وواسعًا نحو الماضي والمستقبل.

أنا أيضًا لم أفعل، لكن سيلفي استطاعت. ليس عبر الأثير، بل… عبر الماء نفسه. رمقتها بنظرة، فبادلت النظرة، ولم يفهم أيٌّ منا سبب شعورها بالماء كعضو إضافي.

عندما عاد إلى وضعية القتال، أدركتُ أن جانبًا ما منه قد تغير جذريًا. وقف كإنسان، كمقاتل في زقاق خلفي يستعد للقتال. ذلك الجسد النحيل نفسه بدا الآن نحيلًا و… بشريًا، ممسكًا مرة أخرى بشظيتين داكنتين كالسكاكين.

 

 

ارتفع الماء، أو ربما ارتفع شيء ما من الماء، من الصعب الجزم بذلك. شكله، الشبيه ببشر، ناعم وخالٍ من الملامح، مصنوع بالكامل تقريبًا من الأثير، لكنه يتدفق كما لو كان مصنوعًا من البحر الأثيري نفسه. انفتحت عين واحدة في وسط جبهته، ثم ثانية، ثم عدة عيون أخرى. تلألأت ثماني عيون صغيرة لامعة بلون العقيق من وجه داكن، بدا أن كل واحدة منها تركز على عضو واحد من مجموعتنا.

 

 

خرجت أنفاس مرتجفة مني بينما أعادت حواسي تنظيم الإشارات التي يمكن لعقلي معالجتها بالفعل.

درستُ ملامحه، محاولًا استنباط نواياه. تمنيتُ لو أستطيع تفعيل “مناورة الملك”، لكن القيام بذلك مع احتمال تعرضي للمساحة المكسورة خلفي كان مخاطرة غير مقبولة. مع ذلك، أثارت أعين الكائن قشعريرة في مؤخرة رقبتي، وأثارت شعر ذراعيّ الناعم.

 

 

 

ما شعرتُ به هو… غضب.

 

 

تلاشى في اللاجسدية وتسلل إلى صدري، ثم عاد. ذاب الدرع عن جسدي وسحبه ريجيس معه. تسلل إلى صدر تيسيا—أطلقت صرخة مفاجأة صغيرة، “ووها!”—ثم أطلق جاذبيته على الدرع. انتشر على الفور كالريش على جسد تيسيا.

قفزتُ أمام رفاقي، واستحضرتُ سيفًا أثيريًا، واستدعيتُ درعي الأثري، وفعّلتُ خطوة الحاكم، مُستعدًا لشقّ نقاط الاتصال، وفجأةً ظهر الشكل أمامي مباشرةً.

 

 

ما شعرتُ به هو… غضب.

أرجحتُ سلاحي، فتشكل في يده سيفٌ من الأثير الداكن، فأمسك بي. سحبتُ الأثير، فقصرتُ النصل حتى انزلق عن حافة سلاح الكائن، ثم اندفع نحو الرقبة. في يدي الأخرى، كان الأثير يتكثف وأنا أستعد لإطلاق ضربة مباشرة على وجهه.

قالت سيلفي بهدوء، بصوتٍ مُرهَق، وأفكارها مُشتتة، مُشتتة في عشرات الاتجاهات، “ليس بحرًا. إنه نهر.” وضعت يدها في الماء لتريني كيف يتموج حول بشرتها.

 

 

انزلقت شفرتي القصيرة عن الحاجز الأثيري المتصلب المحيط بالجسم المادي للكائن. طعنت شفرته في جنبي، وأمسكت يده الأخرى بمعصمي ليمنعني من إثارة انفجار الأثير، ويد ثالثة—تشكلت دون أن أشعر بها—أمسكت بحلقي.

 

 

عندما عاد إلى وضعية القتال، أدركتُ أن جانبًا ما منه قد تغير جذريًا. وقف كإنسان، كمقاتل في زقاق خلفي يستعد للقتال. ذلك الجسد النحيل نفسه بدا الآن نحيلًا و… بشريًا، ممسكًا مرة أخرى بشظيتين داكنتين كالسكاكين.

إن الكائن قوي بشكل لا يُصدق. حملقت بعينيه الثماني للحظة طويلة، ثم من الجانب، غمر شعاع من البرق الأزرق الساطع مهاجميَ.

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

 

ظهرت سيلفي خلفي أنا وتيسيا. انزلقت يداها تحت إبطينا، وأسندت خدها على كتف تيسيا. من خلال تواصلنا، استطعتُ استشعار أفكارها المشوشة، لكنني لم أستطع سماعها مباشرةً. تنفسها حفيف، وأصابعها باردة.

أطلقتُ النصل من يدي، واستحضَرتُ ثلاثةً أخرين ليحوموا حولي. تكثّف الأثير فوق عينيّ ليحميهما من الضوء، بينما أطلقتُ سلسلةً سريعةً من الجروح والطعنات بالشفرات الثلاث الدوارة. تطايرت شرارات بنفسجية من شعاع البرق عندما اصطدم أثيري بأثير مهاجمي.

درستُ ملامحه، محاولًا استنباط نواياه. تمنيتُ لو أستطيع تفعيل “مناورة الملك”، لكن القيام بذلك مع احتمال تعرضي للمساحة المكسورة خلفي كان مخاطرة غير مقبولة. مع ذلك، أثارت أعين الكائن قشعريرة في مؤخرة رقبتي، وأثارت شعر ذراعيّ الناعم.

 

“لكن إذا كانت أغرونا ينوي إيقاعنا في الفخ أو قتلنا هنا، فلماذا يُصمّم مثل هذا المخلوق؟” سألت فاراي. كانت ذراعاها متقاطعتين على صدرها، والصقيع منتشر على الرمال عند قدميها. “أليس من المنطقي أن ءرمي أقوى خصم ممكن علينا؟”

فجأةً، انبعثت منه نية قتل خانقة. تلاشى البرق، وارتطمتُ بالخلف، انزلقتُ على الرمال بينما حفرت قدماي ثلمتين عميقتين.

لم تُجب، وسقطت قدمها في الماء الأثيري الذي يرتطم برفق. شهقتُ، وفي لحظة، سحبتها للخلف، واضعًا نفسي بينها وبين البحر. بهزّة خفيفة، حاولتُ إجبارها على النظر في عينيّ. لكن بدلًا من ذلك، انزلق انتباهي من أذنها إلى الفضاء البعيد.

 

 

تحول الشاطئ إلى جليد، امتد بسرعة نحو ساقي الكائن. ما كان عليه إلا أن يتقدم خطوة للأمام، حتى تحطم الجليد، عاجزًا عن تثبيته. نبتت كروم خضراء من الشاطئ الجليدي وحاولت الالتفاف حول الكائن، لكنه مزقها أيضًا. ما انفكت العيون الثمانية جميعها مثبتة عليّ.

عندما عاد إلى وضعية القتال، أدركتُ أن جانبًا ما منه قد تغير جذريًا. وقف كإنسان، كمقاتل في زقاق خلفي يستعد للقتال. ذلك الجسد النحيل نفسه بدا الآن نحيلًا و… بشريًا، ممسكًا مرة أخرى بشظيتين داكنتين كالسكاكين.

 

 

اندفعتُ نحوه، واضعًا اثنين من شفرات الأثير الهاليّة في وضعية دفاعية، بينما أمسكتُ بالثالث، الذي كان طرفه موجهًا نحو أعين الكائن الصغيرة. رمشت عيونه مجددًا، على بُعد قدم واحدة فقط، وهبط عليّ بكلتا ذراعيّ. إن ضرباته ثقيلة وقوية لدرجة أن شفرات الأثير الخاصة بي انحرفت جانبًا. حاولتُ الالتفاف بعيدًا عن الطريق وأنا أدفع وجه الكائن. أخطأت إحدى الضربات، لكن الأخرى ارتدت عن كتفي، فانفصلت عن تجويفه بقوة وأوقعني على ركبتي.

من خلفي، حدّقتُ في العين البنفسجية الكبيرة الوحيدة، المشتعلة غضبًا. عادت نية القتل لدى ذلك الكائن وهو ينهال عليّ بضربات ساحقة كالمطارق. رفعتُ ذراعيّ، لكن قوتي تضاءلت مع كل ضربة، وتكسرت حرارتي مع قشور درعي. تطايرت الرمال حولنا، تلمع في الضوء الأرجواني الخافت، وكافحتُ لأجمع شتات نفسي بينما غمرني الأثير بكثرة ليحافظ على دفاعاتي.

 

 

نزفت عينان مملوءتان بالغضب ضوءًا بنفسجيًا على جانبي وجهه للحظة، ثم بدأت العيون المتبقية في التحرك، وانزلقت عبر السطح السائل لجلده واندمجت في عين واحدة في منتصف الوجه الذي لا يحمل أي ملامح.

 

 

 

وضربت مجموعة أخرى من التعويذات من عدة زوايا، مما أدى إلى سقوط ريجيس على ظهره، وفمه المليء بالدمار يصرخ.

 

 

 

تجمع الأثير في ساقيّ وذراعيّ مع انزلاق المفصل إلى مكانه، ولكن قبل أن أتمكن من التصرف، شقّت يدٌ ثاقبةٌ الهواء في حلقي. تراجعتُ إلى الوراء، محاولًا استعادة قدميّ وتفادي الضربة بحركة واحدة، ولكن، وبينما أتعثرُ نصف عثرة، استدار رأسي حتى حدّقتُ تمامًا في المجهول المُرعب المُقابل للبحر الأثيري، وفقدتُ السيطرة تمامًا.

أنا أيضًا لم أفعل، لكن سيلفي استطاعت. ليس عبر الأثير، بل… عبر الماء نفسه. رمقتها بنظرة، فبادلت النظرة، ولم يفهم أيٌّ منا سبب شعورها بالماء كعضو إضافي.

 

 

نبض صدري وفكي، ثم بتُّ مستلقيًا على ظهري في الرمال الرطبة.

رفعت يدها إلى وجهي، ثم مسحت شعري المبلل بالعرق البارد. نهضت على أطراف أصابعها، وانحنت إلى الأمام، وقبلتني برفق.

 

 

إن صوت الماء وهو يخلط حبيبات الماء الصغيرة قرب أذنيّ عالٍ لدرجة أنه غطى على كل شيء آخر. للحظة، لم أستطع تذكر ما كنت أفعله.

 

 

 

‘لا تقلق يا أميرتي، فقط استلق هناك بينما نتعرض نحن الباقين للضرب المبرح!’ هدر ريجيس في ذهني.

ضغطتُ على يد تيسيا، والتفتُّ إلى فاراي وبايرون. “حسنًا. علينا أن نفهم ما يحدث هنا. فاراي، لقد اندمجت، أي أنك وصلت إلى مستوى أعلى من التلاعب بالمانا من أي شخص آخر هنا. مع أن هذا قد لا يجعلك إرثًا، إلا أنك أفضل فرصة لدينا لفهم ما تفعله المانا هنا.” فركتُ مؤخرة رقبتي. “لا أستطيع امتصاص المزيد من الأثير، والنهر قد سحب الكثير بالفعل. عليّ الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الطاقة، في حال كانت قدراتي ضرورية للهروب من هذا المكان.”

 

نظر بايرون إلى قدميه، وفكه متجهم. ورغم محاولته، لم يستطع إخفاء الإحباط عن ملامحه.

بنصف وعي فقط، استدرتُ باتجاه ارتعاشات تهتز في الأرض. رأيت ريجيس مُثبّتًا على ظهره، وفكّاه مُطبّقان على كتف الكائن الأثيري، لكن وجهه البسيط استطال، مُشكّلًا فمًا فارغًا بأسنان أثيرية مدفونة هي الأخرى في رقبة ريجيس. رمشتُ مع كل ومضة برق أو فرقعة جليد أزرق—أبيض ساطعة. بدا الزمن وكأنه يتأرجح ويتشوّه، فالمعركة تزحف لحظة ثم تندفع للأمام في اللحظة التالية.

 

 

 

انتفضتُ، مُدركًا فجأةً أنني صُعقتُ من الضربة الأخيرة. نهضتُ على الأثير، واستجمعتُ قواي، ثم اندفعتُ للأمام. تشكّل في يدي نصلٌ أثيري، ليس أطول من خنجر. قبل ذلك، كانت ضرباتي قد ارتطمت، وكان النصل الأقصر سيمنحني سيطرةً أكبر.

ظهرت سيلفي خلفي أنا وتيسيا. انزلقت يداها تحت إبطينا، وأسندت خدها على كتف تيسيا. من خلال تواصلنا، استطعتُ استشعار أفكارها المشوشة، لكنني لم أستطع سماعها مباشرةً. تنفسها حفيف، وأصابعها باردة.

 

 

ليس لديّ وقتٌ كافٍ للاستعداد لضربةٍ مُفاجئة، ومع ذلك ضغطتُ بأقصى ما أستطيع من الأثير في عضلات ذراعي وكتفي. توقعتُ مقاومةً، لكني فوجئتُ مرةً أخرى عندما اخترق النصل الحاجز الأثيري واللحمَ المُلوّن بالحبر دون مقاومةٍ تُذكر، تلتها ذراعي حتى المرفق. رُفع الكائن عن ريجيس، بينما اضطرت سيلفي إلى سحب كلير بعيدًا بينما أطيرُ فوقهم وارتطم بقوة على الأرض، مُتشابكًا مع مُهاجمنا. وبينما لا نزال نتدحرج، انتزعتُ ذراعي وسلاحي، ثم طعنته مرةً أخرى، ثم للمرة الثالثة. في الرابعة، ارتدّ النصل عن جلده مرةً أخرى.

وبعد ذلك، كنت أنظر مرة أخرى إلى المحيط اللامتناهي تحت الفراغ الأثيري.

 

 

من خلفي، حدّقتُ في العين البنفسجية الكبيرة الوحيدة، المشتعلة غضبًا. عادت نية القتل لدى ذلك الكائن وهو ينهال عليّ بضربات ساحقة كالمطارق. رفعتُ ذراعيّ، لكن قوتي تضاءلت مع كل ضربة، وتكسرت حرارتي مع قشور درعي. تطايرت الرمال حولنا، تلمع في الضوء الأرجواني الخافت، وكافحتُ لأجمع شتات نفسي بينما غمرني الأثير بكثرة ليحافظ على دفاعاتي.

 

 

جذبت نبضات المانا والمعدن نظراتنا إلى كلير. “سأقف حارسة. إذا تعرضنا لهجوم آخر، فدعوا الأمر لي. إذا تصرف أعداء آخرون بنفس معايير هذا العدو، فسيمنحني شكلي الخارجي ميزةً جوهرية ضدهم. لا أصدق أنني في وضع يسمح لي بقول هذا لكم جميعًا، لكن… سأحافظ على سلامتكم.” ابتسمت ابتسامة عريضة. “فقط اكتشفوا كيف تخرجوننا من هنا.”

فتح الكائن، بوجهه الممدود، فكيه على اتساعهما، وأطلق صرخة مدوية صاخبة، نتج عنها خطوط صوتية مرئية جعلت بصري يتحول من الأرجواني إلى الأبيض. تناثرت عليه التعاويذ من يميننا—جليد، وبرق، ومانا خالصة—لكنها فشلت جميعها في إحداث أي ضرر يُذكر. بدا منيعًا تقريبًا. حتى الجرح في جانبه كان قد أُغلق بالفعل.

 

 

فجأةً، كنتُ أتحرك. ما زلتُ أتجنب النظر مباشرةً إلى الخلف، ركضتُ خلف تيس وسيلف، وسحبتُ كلير بعيدًا عن الماء، رافضًا أن تلمسه.

‘ما هذا الشيء،’ فكرت بصوت ضعيف، وكانت الكلمات في الجزء الخلفي من ذهني بينما ظل تركيزي الواعي على حركتي التالية.

 

 

 

رفعت يدي اليسرى، وشكلت نصلًا استمر في الامتداد حتى وصل إلى تجويف القص النحيل للكائن تمامًا كما تأرجح ذراعيه النحيفتين ولكن القويتين إلى أسفل مرة أخرى.

 

 

 

خفضت مرفقي الأيمن إلى الأرض، وقبضتي مشدودة، والأثير يتدفق إلى الطرف لتمكين كل عضلة ووتر، وبناء استعداد لإطلاق سلسلة من الانفجارات في الوقت المناسب تمامًا.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

 

انحنى ذراعي الممسكة بالسيف حين فشل النصل الأثيري في اختراق الجلد الأثيري الداكن. واصلتُ الدفع بالنصل، كدرعٍ أكثر منه ضربة، مانعًا أي قدرٍ ضئيلٍ من القوة والزخم الذي استطعتُه. تشكل نصلان مزدوجان، مستديران ومنحنيان كالأنياب، في اليدين الداكنتين وهما يسقطان نحوي.

 

 

ظهرت سيلفي خلفي أنا وتيسيا. انزلقت يداها تحت إبطينا، وأسندت خدها على كتف تيسيا. من خلال تواصلنا، استطعتُ استشعار أفكارها المشوشة، لكنني لم أستطع سماعها مباشرةً. تنفسها حفيف، وأصابعها باردة.

وأطلقتُ ضربة الانفجار.

 

 

انحنى ذراعي الممسكة بالسيف حين فشل النصل الأثيري في اختراق الجلد الأثيري الداكن. واصلتُ الدفع بالنصل، كدرعٍ أكثر منه ضربة، مانعًا أي قدرٍ ضئيلٍ من القوة والزخم الذي استطعتُه. تشكل نصلان مزدوجان، مستديران ومنحنيان كالأنياب، في اليدين الداكنتين وهما يسقطان نحوي.

قوة مرفقي وهو يدفع الرمال السوداء جعلت الأرض تبلور تحتي. صدمت مفاصلي في معدتي، أسفل عظمة القص مباشرة، وشعرت بمعصمي ينهار بفعل الأثير، والأوتار تلتوي، والعظام تنكسر، والعضلات تتمزق. لمعت رؤيتي بيضاء من شدة الألم، وكافحت للحفاظ على وعيي.

“ولكننا شعرنا بذلك فقط عندما كان انتباهه بالكامل عليك،” أنهت سيلفي حديثها.

 

‘عليكِ الخروج من الماء،’ فكّرتُ، وأنا أحاول جاهدًا تجاوز فوضى عقلها المشتت. لكن في خضمّ هذا الجهد، علقت أفكاري في أفكارها، التي بدت وكأنها تتجه في اتجاهاتٍ متعددة في آنٍ واحد، تتدفق بعيدًا وواسعًا نحو الماضي والمستقبل.

هبَّت أنفاسٌ دافئةٌ مالحةٌ على وجهي، بينما الكائن، تجلٍّ من الأثير الخام، غضب الموتى، يختنق في وجهي، وأنياب الأثير تتقلص ووجهه الممدود يتسطح. “حياة،” زفر بصوتٍ كالريح تخترق الصخور. جعل الصوت دمي يتجمد. “حياةٌ مكروهةٌ، حياةٌ مريعة. يجب أن أقضي عليك. أُفرغـ… ـكَ.” انبثقت ذراعان نحيلتان فجأةً من الجذع، تمتدان إلى يديَّ وحلقي.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

“قد يعطيكِ هذا الأفضلية إذا انتهى بك الأمر وجهًا، لوجه مع شيء آخر من هذه الأشياء،” أوضحتُ وأنا أمرر خصلة من شعرها الفضي المعدني بين أصابعي.

يبدو أن الزمن توقف.

داخل النموذج الخارجي، أومأت برأسها. انزلقت عيناها عن وجهي لتنظر مباشرةً بعيدًا عن الواجهة البحرية. أغمضتا عيناها على الفور، وكان تعبيرها ينم عن انزعاج شديد. “رن جرسي للتو. أشعر بدوار خفيف. ربما عليّ الخروج من—”

 

زممت فمي، أفكر مليًا قبل الرد. “لا أعتقد أن هذه مجرد منطقة أخرى،” اعترفتُ بعد لحظة، متذكرًا كلمات التجلي. تحول تركيزي إلى الهواء المحيط بنا بينما كان نطاق القلب يحترق على ظهري، مما جعل شعري يطفو حول رأسي ويضيء الأحرف الرونية حول عيني. “لا يوجد أي أثير جوي تقريبًا هنا. كل شيء فيه—انتظري يا سيلف، هل قلت إنه ‘نهر’؟ وهل يمكنك، من فضلك، الخروج من هذا الشيء اللعين؟”

خلف التجلي الأثيري، وقفت سيلفي حتى ركبتيها في الماء. كانت تستمد قوته، لكنني شعرتُ بالفعل بقبضتها ترتجف مع مرور الوقت.

أومأت برأسي، متفهمًا قصدها. لقد كُسِرت نواتها أثناء الهجوم على زيروس قبل سنوات، وفقدت قدرتها على استخدام المانا. كنت أعرف تمامًا شعورها، ورغم أنني تعايشت مع هذا العائق لفترة قصيرة نسبيًا قبل تشكيل نواة الأثير خاصتي، إلا أنني كنت سأشعر بالانتهاك أيضًا لوجود شيء يحدق في ضعفي ويحكم عليّ من خلاله.

 

 

سحبت نفسي من تحت الشكل الأثيري الرقيق، المظلم، وبالكاد وصلت إلى قدمي قبل أن ترتطم القبضة.

“المانا هنا خانقة،” تابعت فاراي، وهي تخطو نحو الماء. رفعت يدها، فشكّلت بلورات الجليد كسورية معقدة في الهواء. “هناك نوع من التعويذة القوية تعمل.”

 

قوة مرفقي وهو يدفع الرمال السوداء جعلت الأرض تبلور تحتي. صدمت مفاصلي في معدتي، أسفل عظمة القص مباشرة، وشعرت بمعصمي ينهار بفعل الأثير، والأوتار تلتوي، والعظام تنكسر، والعضلات تتمزق. لمعت رؤيتي بيضاء من شدة الألم، وكافحت للحفاظ على وعيي.

ظهرت فاراي أمامي، جسدها مُغلّف بطبقة سميكة من الجليد، كتمثالٍ يمشي. تجمد الهواء، وقفز المانا الكثيف استجابةً لندائها. ألقى الكائن بنفسه على جدار الجليد والتصق به بينما كان الجليد يتمدد بسرعة، مُحيطًا به. في لحظة، غُطّيت بكتلة زرقاء مثالية، لا شيء يتحرك سوى عينه التي توهجت غضبًا وهو يُركّز على فاراي.

أومأتُ برأسي. “الدرعُ يجذب الأثير، لكن قوة جذب النهر قوية جدًا. انتبهي. لا أعرف ماذا سيحدث لو دخلتِ.” وبينما كنتُ أقول ذلك، قفزت عيناي إلى سيلفي.

 

“لا بد أن تكون كذلك، على الرغم من أن ‘هنا’ يبدو مختلفًا،” أجابت سيلفي بينما انحنيت فوق كلير.

غاص رمح بايرون القرمزي في الجليد واخترق جانبه، ثم سرت صدمة كهربائية بيضاء ساخنة بطول الرمح حتى وصلت إلى الجسم الداكن. ركع أحدهم بجانبي، يرفعني على قدميّ ويسحبني بعيدًا.

مرّ الستار البلوري، قاسيًا وباردًا، على بشرتي. تمزّقُ الواقع أثّر فيَّ بشدة. ألمٌ بعيد، كإسقاط إحساسٍ عانى منه شخصٌ آخر، ينتابني عميقًا خلف عينيّ. انزعاجٌ باردٌ… لم يكن هناك شيءٌ آخر. حاولتُ أن أغمض عينيّ، أتوقع أن يعود بصري إلى مكانه أو يتلاشى تدريجيًا كفيلمٍ قديمٍ بالأبيض والأسود.

 

[[**: التجلي هو الشيء أو الكائن الذي يتجلى/يظهر من قوة ما.. أو شيء ماء. في العادي غير مادي.]

انثنت أذرع الكائن المغطاة بالجليد، وانفجرت الكتلة المتجمدة إلى الخارج في ألف خنجر أزرق انكسر إلى ثلجٍ بريء في لحظة. حاولت فاراي العودة، لكن يدًا طويلة الأصابع التفت حول كاحلها قبل أن تُرجحها وتسقطها أرضًا بينما أمسكت الأخرى بنصف الرمح. ظهرت ذراع ثالثة، وأغلقت الأصابع الهيكلية حول معصم بايرون. انفجر كلا الرمحين بقوةٍ مُكبوتة، وللحظة، تحول كل شيء إلى اللون الأبيض.

ترنحت، قفزتُ على قدميّ دافعًا ضغط الأجساد بعيدًا، اختنقتُ فجأةً، رأسي يطنّ، وأنفاسي حادة وسطحية. نظرتُ إلى داخلي، شحبتُ من شعور الفراغ في نواتي: فقد سُحب مني ما يقرب من نصف مخزوني الأثيري المتبقي في غضون بضع نبضات قلب.

 

 

ثم، قُذِفَت فاراي وبايرون إلى الخلف. وبرزت من الأرض أغصان خضراء زمردية اللون، فالتقطتهما وسحبتهما بعيدًا عن مهاجمنا.

 

 

أومأت برأسها شاردةً دون أن تنظر إليّ. “لأن الوقت قد حان. إنه يسير في اتجاه واحد فقط. على الأقل بالنسبة لمعظم الناس. لكن بالنسبة لي…” رفعت رأسها، والتقت عيناها الذهبيتان بعينيّ كانعكاس. “آرثر…”

هذا ترك كلير واقفةً مباشرةً أمام الكائن داخل الشكل الخارجي الطويل الشبيه بالغريفون. عدّلتُ قدميّ في الرمال، مُستعدةً لضربه بخطواتٍ سريعة قبل أن يُهاجمها، لكن يدي تيسيا كانتا مُحكمتي القبضة على ذراعي، وكان صوت سيلفي في ذهني.

قالت تيسيا، مُتابعةً تفكير فاراي، “كأن هذا المكان غير مكتمل. أو… ربما لم تكن هناك حاجة لذلك الجزء، فلم يُوضع فيه شيء.”

 

 

‘انظر!’ فكرت بيأس.

 

 

“وهل سنفعل؟” سألت كلير. وبينما تنظر إلى صف مجموعتنا، حرصت على ألا تُدير رأسها بعيدًا، ولم تُحدّق في المساحة خلفنا إلا بطرف عينها. “ألا نحتاج فقط إلى… المغادرة؟”

كانت عين الكائن مُثبّتة على كلير داخل الشكل الخارجي. لكن شيئًا ما كان مختلفًا فيه. جسديًا، لم يتغير كثيرًا، لكنه بدا أكثر ليونة بطريقة ما، وقوته أكثر تقييدًا. لزم عليه أن ينظر إليها بسبب ارتفاع الآلة، مما جعله يبدو أصغر…

ألقى بايرون بصره على مجرى الأثير المتدفق بلا نهاية. “لا يبدو أن هناك ضفة أخرى. كيف يُمكن أن يكون هذا نهرًا؟”

 

كان الضجيج المتواصل قادمًا من محيط هادئ بدا وكأنه يتمدد أمامنا إلى الأبد. كنا قد استقرينا على الشاطئ، وحذائي يغوص في الرمال السوداء. الظلام حالك، لكن المحيطُ يتلألأ بنور أرجواني. وفوق الأفق، امتدت سماء سوداء وأرجوانية داكنة بنفس القدر: الفراغ الأثيري.

عندما عاد إلى وضعية القتال، أدركتُ أن جانبًا ما منه قد تغير جذريًا. وقف كإنسان، كمقاتل في زقاق خلفي يستعد للقتال. ذلك الجسد النحيل نفسه بدا الآن نحيلًا و… بشريًا، ممسكًا مرة أخرى بشظيتين داكنتين كالسكاكين.

 

 

 

امتدت أجنحة كلير على نطاق واسع عندما رفعت نصلها.

خرجت مني شهقة حادة حين غمرني النهر. انفتحت بوابات نواتي فجأة، وفجأة انسحب الأثير النقي مني إلى النهر. سقطت على يديَّ وركبتيَّ، وذراعيّ في الماء حتى المرفقين. صرخ أحدهم خلفي بفزع، وأمسكتني أيادٍ قوية وسحبتني إلى الخلف.

 

ظهرت سيلفي خلفي أنا وتيسيا. انزلقت يداها تحت إبطينا، وأسندت خدها على كتف تيسيا. من خلال تواصلنا، استطعتُ استشعار أفكارها المشوشة، لكنني لم أستطع سماعها مباشرةً. تنفسها حفيف، وأصابعها باردة.

انقضّ الكائن. انقضّ جناحٌ مُغطّى بريش رماديّ أردوازيّ على ذراعيه، ثمّ ارتفعت قدمٌ مُخْلَبةٌ لتدفعه إلى الأمام نحو صدره. انفصل عن قدميه وسقط أرضًا، وغرزت مخالبه في كتفيه وبطنه، ولم يُواجه مقاومة تُذكر من لحمه الأثيريّ الداكن.

 

 

 

انطلقت صرخة رطبة مؤسفة من شقٍّ رقيق داكن على الوجه الفارغ بينما يرفرف ذراعه المتبقي، وكان النصل في قبضته يخدش بلا جدوى اندماج المعدن وأجزاء وحش المانا المعالجة في الشكل الخارجي. دار نصل كلير، وهو سيف طويل عريض مشبع بأملاح النار من دارف، ليشير إلى الأسفل، ثم شقّ وجهه المسطح وهو يُصدر صوت هسهسة.

وهي كانت واقفة هناك، وظهرها لي. تتبعتُ انحناءة رقبتها الرشيقة إلى كتفها، ثم ذراعها النحيلة المشدودة، وصولًا إلى يدها الصغيرة. مددتُ يدي، وأصابعنا متشابكة. انتابتها صدمة، لكن بعض التوتر زال من جسدها، وشددت قبضتها، لكنها لم تلتفت للنظر.

 

 

وتحول الكائن إلى دخان وسُحب إلى البحر.

 

 

فهمت الرمح الأمر فورًا، فاستحضرت جبلًا جليديًا على بُعد خمسين قدمًا من الشاطئ. جَرَّه تيارٌ يكاد يكون غير مرئيٍّ للعين المجردة بسرعةٍ نحو مجرى النهر. “طريقةُ تحرك المانا…” هدأت فاراي وهزت رأسها. “يبدو الأمر كما لو أنه يدفع شيئًا ما إلى النهر. الأثير؟”

قالت سيلفي بهدوء، بصوتٍ مُرهَق، وأفكارها مُشتتة، مُشتتة في عشرات الاتجاهات، “ليس بحرًا. إنه نهر.” وضعت يدها في الماء لتريني كيف يتموج حول بشرتها.

أومأت برأسي، متفهمًا قصدها. لقد كُسِرت نواتها أثناء الهجوم على زيروس قبل سنوات، وفقدت قدرتها على استخدام المانا. كنت أعرف تمامًا شعورها، ورغم أنني تعايشت مع هذا العائق لفترة قصيرة نسبيًا قبل تشكيل نواة الأثير خاصتي، إلا أنني كنت سأشعر بالانتهاك أيضًا لوجود شيء يحدق في ضعفي ويحكم عليّ من خلاله.

 

 

بجانبي، سقطت يدا تيسيا بعيدًا عني، واتخذت خطوة بطيئة نحو كلير، وكانت عيناها مثبتتين على السيف الذي لا يزال عالقًا في الأرض، والرمال المحيطة به ساخنة إلى الزجاج.

وتحول الكائن إلى دخان وسُحب إلى البحر.

 

 

استدار رأس الشكل الخارجي ذو المنقار لينظر إلى تيس، ثم عاد إليّ، حريصًا على تجنب النظر إلى ما وراء جدار الضياع الذي لا يوصف. كانت نظرة كلير منتظرة من خلال ألواح المانا الشفافة الواقية، تنتظر مني أن أشرح ما حدث في الهاوية، لكن أفكاري كانت منصبة على سيلفي.

 

 

 

‘عليكِ الخروج من الماء،’ فكّرتُ، وأنا أحاول جاهدًا تجاوز فوضى عقلها المشتت. لكن في خضمّ هذا الجهد، علقت أفكاري في أفكارها، التي بدت وكأنها تتجه في اتجاهاتٍ متعددة في آنٍ واحد، تتدفق بعيدًا وواسعًا نحو الماضي والمستقبل.

بنصف وعي فقط، استدرتُ باتجاه ارتعاشات تهتز في الأرض. رأيت ريجيس مُثبّتًا على ظهره، وفكّاه مُطبّقان على كتف الكائن الأثيري، لكن وجهه البسيط استطال، مُشكّلًا فمًا فارغًا بأسنان أثيرية مدفونة هي الأخرى في رقبة ريجيس. رمشتُ مع كل ومضة برق أو فرقعة جليد أزرق—أبيض ساطعة. بدا الزمن وكأنه يتأرجح ويتشوّه، فالمعركة تزحف لحظة ثم تندفع للأمام في اللحظة التالية.

 

 

بتفكيرنا معًا، استعدنا مشهد القتال القصير، من ظهور الكائن واندفاعه الأولي، إلى تدخلي، ثم كل ما تلا ذلك. برزت بعض التفاصيل المحددة. “في المرتين اللتين جذبت فيهما انتباهه، شعرتُ فجأةً بنية قتل. قوية بما يكفي لتُصعقني تقريبًا.’

 

 

ما شعرتُ به هو… غضب.

“ولكننا شعرنا بذلك فقط عندما كان انتباهه بالكامل عليك،” أنهت سيلفي حديثها.

 

 

عندما تكلمت، كانت كلماتها جامدة ومتلعثمة. “ماذا… حدث للتو؟”

نهض ريجيس بجانبي يعرج، ورقبته تنزف بغزارة. “غرست أنيابي في فيه، لكنّه انقلب عليّ فجأة، وكأنني صرت أقاتل جبلًا لعينًا—لم أستطع حتى أن أخدشه.”

نهض ريجيس من ظلي، يهتز كالكلب العائد من المطر. “حسنًا، كان ذلك جديدًا. أين—” بدأ يستدير وهو يتحدث، ثم قطع حديثه بتأوه خافت وشعور قوي بالدوار اجتاح تواصلنا.

 

 

أومأتُ برأسي، وأنا أنظر حولي بتمعن إلى رفاقي. لحسن الحظ، لم تُصب تيسيا بأذى. عادت كرومها إلى الأرض، لكنني لمحتها تُلقي نظراتٍ عصبية حولها، كما لو كانت تنتظر الهجمة التالية. كان بايرون وفاراي مصابين بجروح سطحية. سيلفي، وإن لم تُصب، لا تزال واقفة في النهر الأثيري.

 

 

نهض ريجيس من ظلي، يهتز كالكلب العائد من المطر. “حسنًا، كان ذلك جديدًا. أين—” بدأ يستدير وهو يتحدث، ثم قطع حديثه بتأوه خافت وشعور قوي بالدوار اجتاح تواصلنا.

“في معظم رحلاتك، كانت الوحوش التي خلّفتها المقابر الأثرية تتكيف مع قوة الحاضرين،” قالت سيلفي قبل أن أتمكن من تكرار طلبي لها بالصعود إلى أرض صلبة. “هذا.. التجلي كان يفعل ذلك أيضًا، ولكن بناءً على من يلفت انتباهه منّا.”

جذب انتباهي صوت كشط حاد عبر تيسيا إلى حيث كان الكائن الخارجي الذي يشبه الغريفون كلير بليدهارت يرقد على ظهره، وكانت إحدى ساقيه ممتدة إلى حد كافٍ بحيث تلمسها حافة الماء المتلألئة.

 

حوّل بايرون وفاراي تركيزهما إلى سيلفي. كانا يتحدثان، ربما يطرحان سؤالاً، لكنني لم أستطع التركيز على كلامهما لأن تيسيا، التي اضطرت للتراجع خطوةً بينما كنتُ أدفع نفسي لأتنفس، تراجعت بتردد إلى الأمام.

“باستثناء أنه بدلًا من أن يكون قويًا بما يكفي ليكون تحديًا، فقد كان قادرًا على ركل مؤخراتنا،” قال ريجيس بين لعقات صاخبة لجرحه، الذي كان يغلق بسرعة.

 

 

أومأتُ برأسي، وأنا أنظر حولي بتمعن إلى رفاقي. لحسن الحظ، لم تُصب تيسيا بأذى. عادت كرومها إلى الأرض، لكنني لمحتها تُلقي نظراتٍ عصبية حولها، كما لو كانت تنتظر الهجمة التالية. كان بايرون وفاراي مصابين بجروح سطحية. سيلفي، وإن لم تُصب، لا تزال واقفة في النهر الأثيري.

“لكن لماذا بدا فجأةً ضعيفًا أمام الآنسة بليدهارت؟” سأل بايرون، وهو يومئ باحترام لكلير. “لقد هزمته بسهولة نسبية، إلا إذا كنتُ أغفل شيئًا ما.”

 

 

اتسعت عينا تيسيا خلف الخوذة نصفية الوجه. أنزلت غطاء الرأس، فذابت الخوذة. “بالتأكيد.” ابتسمت ابتسامة خفيفة. “لكنني لم أحضر أي حلوى للتدريب هذه المرة.”

أنزلت كلير الشكل الخارجي على ركبة واحدة لتكون في مستوى نظرنا جميعًا. “لن أزعم أن لديّ أي فكرة عما يحدث هنا، ولكن… عندما كان يفحصني، شعرتُ…” ارتجفت داخل الشكل الخارجي. “شعرتُ بالانتهاك. كما لو كان ينظر إلى صدري. نواتي…”

 

 

 

أومأت برأسي، متفهمًا قصدها. لقد كُسِرت نواتها أثناء الهجوم على زيروس قبل سنوات، وفقدت قدرتها على استخدام المانا. كنت أعرف تمامًا شعورها، ورغم أنني تعايشت مع هذا العائق لفترة قصيرة نسبيًا قبل تشكيل نواة الأثير خاصتي، إلا أنني كنت سأشعر بالانتهاك أيضًا لوجود شيء يحدق في ضعفي ويحكم عليّ من خلاله.

ما شعرتُ به هو… غضب.

 

امتدت أجنحة كلير على نطاق واسع عندما رفعت نصلها.

ومع ذلك، أدركتُ أن ضعف كلير قد يكون خلاصنا. شرحتُ نظريتي للآخرين.

[[**: التجلي هو الشيء أو الكائن الذي يتجلى/يظهر من قوة ما.. أو شيء ماء. في العادي غير مادي.]

 

 

“لكن إذا كانت أغرونا ينوي إيقاعنا في الفخ أو قتلنا هنا، فلماذا يُصمّم مثل هذا المخلوق؟” سألت فاراي. كانت ذراعاها متقاطعتين على صدرها، والصقيع منتشر على الرمال عند قدميها. “أليس من المنطقي أن ءرمي أقوى خصم ممكن علينا؟”

لم تُجب، وسقطت قدمها في الماء الأثيري الذي يرتطم برفق. شهقتُ، وفي لحظة، سحبتها للخلف، واضعًا نفسي بينها وبين البحر. بهزّة خفيفة، حاولتُ إجبارها على النظر في عينيّ. لكن بدلًا من ذلك، انزلق انتباهي من أذنها إلى الفضاء البعيد.

 

أنا أيضًا لم أفعل، لكن سيلفي استطاعت. ليس عبر الأثير، بل… عبر الماء نفسه. رمقتها بنظرة، فبادلت النظرة، ولم يفهم أيٌّ منا سبب شعورها بالماء كعضو إضافي.

هززتُ رأسي، وسقطت خصلة من شعري الأشقر القمحي أمام عينيّ. دفعتُها للخلف. “لم يخلق أغرونا هذا المخلوق،” أجبتُ. “لا أعتقد أنه يستطيع فعل أي شيء هنا. ربما إسقاط الجن، جي آي… لكنها في الأساس فهرس مكتبة واعي كما أفهم. إنها لا تصنع المقابر الأثرية، بل تتعقبها فقط، وتساعد في التنقل فيها، وما إلى ذلك.”

بتفكيرنا معًا، استعدنا مشهد القتال القصير، من ظهور الكائن واندفاعه الأولي، إلى تدخلي، ثم كل ما تلا ذلك. برزت بعض التفاصيل المحددة. “في المرتين اللتين جذبت فيهما انتباهه، شعرتُ فجأةً بنية قتل. قوية بما يكفي لتُصعقني تقريبًا.’

 

 

فزعت تيسيا بجانبي. “ما هذا؟” ثم، وبينما عيناها تبحثان عن شيء لم أره، اخضرَّ وجهها وارتسمت عليه نظرة قلق، ثم استدارت بسرعة بعيدًا عن الخلفية الغامضة. “يا للعجب، شمس ونجوم، لكن هذا مُريع. أتمنى لو نستطيع فعل شيء حيال… هذا.” أشارت بيدها بشكل غامض إلى العدم خلفنا.

 

 

 

“ماذا رأيتِ؟” سأل بايرون، وقبضته تضغط على عمود الرمح القرمزي، والبرق يتلألأ بين أصابعه.

هززتُ رأسي، وسقطت خصلة من شعري الأشقر القمحي أمام عينيّ. دفعتُها للخلف. “لم يخلق أغرونا هذا المخلوق،” أجبتُ. “لا أعتقد أنه يستطيع فعل أي شيء هنا. ربما إسقاط الجن، جي آي… لكنها في الأساس فهرس مكتبة واعي كما أفهم. إنها لا تصنع المقابر الأثرية، بل تتعقبها فقط، وتساعد في التنقل فيها، وما إلى ذلك.”

 

 

“لستُ متأكدة. ربما كائن، ولكن…” ابتسمت لي ابتسامةً حزينة وهزت كتفيها.

“ولكننا شعرنا بذلك فقط عندما كان انتباهه بالكامل عليك،” أنهت سيلفي حديثها.

 

 

تجمدنا جميعًا، نستعد لهجوم آخر. تحركت كلير بين المجموعة والاتجاه الذي كانت تنظر إليه تيسيا، وسيفها ممدود كأنه مستعد للهجوم. مرت ثوانٍ طويلة، لكن لم يأتِ أي هجوم.

كانت عين الكائن مُثبّتة على كلير داخل الشكل الخارجي. لكن شيئًا ما كان مختلفًا فيه. جسديًا، لم يتغير كثيرًا، لكنه بدا أكثر ليونة بطريقة ما، وقوته أكثر تقييدًا. لزم عليه أن ينظر إليها بسبب ارتفاع الآلة، مما جعله يبدو أصغر…

 

“لستُ متأكدة. ربما كائن، ولكن…” ابتسمت لي ابتسامةً حزينة وهزت كتفيها.

صفّت فاراي حلقها، مما أعادني إلى حديثنا. “إذا كانت هذه مجرد منطقة أخرى داخل المقابر الأثرية، فكيف نخرج؟” ارتسمت على وجهها ملامح التوتر والتأمل. “لقد سُحبت معظم قوتنا من ساحة المعركة في تايغرين كايلم، مما ترك أغرونا قادرًا على التركيز كليًا على السيدة سيريس وقواتها.”

 

 

أنزلت كلير الشكل الخارجي على ركبة واحدة لتكون في مستوى نظرنا جميعًا. “لن أزعم أن لديّ أي فكرة عما يحدث هنا، ولكن… عندما كان يفحصني، شعرتُ…” ارتجفت داخل الشكل الخارجي. “شعرتُ بالانتهاك. كما لو كان ينظر إلى صدري. نواتي…”

زممت فمي، أفكر مليًا قبل الرد. “لا أعتقد أن هذه مجرد منطقة أخرى،” اعترفتُ بعد لحظة، متذكرًا كلمات التجلي. تحول تركيزي إلى الهواء المحيط بنا بينما كان نطاق القلب يحترق على ظهري، مما جعل شعري يطفو حول رأسي ويضيء الأحرف الرونية حول عيني. “لا يوجد أي أثير جوي تقريبًا هنا. كل شيء فيه—انتظري يا سيلف، هل قلت إنه ‘نهر’؟ وهل يمكنك، من فضلك، الخروج من هذا الشيء اللعين؟”

 

 

 

ألقى بايرون بصره على مجرى الأثير المتدفق بلا نهاية. “لا يبدو أن هناك ضفة أخرى. كيف يُمكن أن يكون هذا نهرًا؟”

 

 

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

انحنت سيلفي، تمسك الماء قبل أن ترفعه وتتركه يسيل بين أصابعها. كانت عيناها مشتتتين، وبدأت ترتجف. “إنه يتدفق. أرأيتِ؟ فاراي…”

درستُ ملامحه، محاولًا استنباط نواياه. تمنيتُ لو أستطيع تفعيل “مناورة الملك”، لكن القيام بذلك مع احتمال تعرضي للمساحة المكسورة خلفي كان مخاطرة غير مقبولة. مع ذلك، أثارت أعين الكائن قشعريرة في مؤخرة رقبتي، وأثارت شعر ذراعيّ الناعم.

 

تابعتُ عيناي كلير وهي تُبعد الشكل الخارجي، بادئةً مسارًا أشبه بدوريةٍ صعودًا وهبوطًا على ضفة النهر. لكن أفكاري كانت مُنصبّةً على ما قالته: إن افتقارها الفطري للقوة الشخصية كان نعمةً لنا هنا. حمتها القدرات القتالية للشكل الخارجي من تجلٍ حاول مُضاهاة قوتها، أو حتى التغلب عليها.

فهمت الرمح الأمر فورًا، فاستحضرت جبلًا جليديًا على بُعد خمسين قدمًا من الشاطئ. جَرَّه تيارٌ يكاد يكون غير مرئيٍّ للعين المجردة بسرعةٍ نحو مجرى النهر. “طريقةُ تحرك المانا…” هدأت فاراي وهزت رأسها. “يبدو الأمر كما لو أنه يدفع شيئًا ما إلى النهر. الأثير؟”

 

 

“لا،” قاطعتُ، وأنا مُدركٌ تمامًا لما يعلق خلف ظهري، ذلك الشيء الذي يبدو أن لا أحد يستطيع النظر إليه. “ابقي فيه.” فكّرتُ، مع أنني لم أنطق الكلمات بصوت عالٍ، “أنت غير محمية هنا على الإطلاق، وإلا.”

مددت يدي إلى الغلاف الجوي وحاولت سحب الأثير منه إلى نواتي، لكن لم يكن هناك أيٌّ منه تقريبًا. ثم اتجهت نحو النهر، لكنني لم أستطع سحب الأثير منه؛ كانت قوة السحب قوية جدًا. وهكذا، تقدمت نحو الشاطئ وانحنيت.

‘عليكِ الخروج من الماء،’ فكّرتُ، وأنا أحاول جاهدًا تجاوز فوضى عقلها المشتت. لكن في خضمّ هذا الجهد، علقت أفكاري في أفكارها، التي بدت وكأنها تتجه في اتجاهاتٍ متعددة في آنٍ واحد، تتدفق بعيدًا وواسعًا نحو الماضي والمستقبل.

 

 

“آرثر، لا تفعل ذلك،” قالت سيلفي، لكن صوتها كان جافًا، خاليًا من القصد أو التحذير.

هذا ترك كلير واقفةً مباشرةً أمام الكائن داخل الشكل الخارجي الطويل الشبيه بالغريفون. عدّلتُ قدميّ في الرمال، مُستعدةً لضربه بخطواتٍ سريعة قبل أن يُهاجمها، لكن يدي تيسيا كانتا مُحكمتي القبضة على ذراعي، وكان صوت سيلفي في ذهني.

 

انطلقت صرخة رطبة مؤسفة من شقٍّ رقيق داكن على الوجه الفارغ بينما يرفرف ذراعه المتبقي، وكان النصل في قبضته يخدش بلا جدوى اندماج المعدن وأجزاء وحش المانا المعالجة في الشكل الخارجي. دار نصل كلير، وهو سيف طويل عريض مشبع بأملاح النار من دارف، ليشير إلى الأسفل، ثم شقّ وجهه المسطح وهو يُصدر صوت هسهسة.

غمست يدي في الماء.

 

 

 

خرجت مني شهقة حادة حين غمرني النهر. انفتحت بوابات نواتي فجأة، وفجأة انسحب الأثير النقي مني إلى النهر. سقطت على يديَّ وركبتيَّ، وذراعيّ في الماء حتى المرفقين. صرخ أحدهم خلفي بفزع، وأمسكتني أيادٍ قوية وسحبتني إلى الخلف.

 

 

 

ترنحت، قفزتُ على قدميّ دافعًا ضغط الأجساد بعيدًا، اختنقتُ فجأةً، رأسي يطنّ، وأنفاسي حادة وسطحية. نظرتُ إلى داخلي، شحبتُ من شعور الفراغ في نواتي: فقد سُحب مني ما يقرب من نصف مخزوني الأثيري المتبقي في غضون بضع نبضات قلب.

اتسعت عينا تيسيا خلف الخوذة نصفية الوجه. أنزلت غطاء الرأس، فذابت الخوذة. “بالتأكيد.” ابتسمت ابتسامة خفيفة. “لكنني لم أحضر أي حلوى للتدريب هذه المرة.”

 

 

“حسنًا، عليك أن تُلقي باللوم على أغرونا،” قال ريجيس، بنبرة ساخرة رغم أنني شعرت بالقلق يغلي تحت سطح مشاعره. “عندما يهاجمك يا آرثر، فإنه يُهاجم بشدة.”

 

 

 

حوّل بايرون وفاراي تركيزهما إلى سيلفي. كانا يتحدثان، ربما يطرحان سؤالاً، لكنني لم أستطع التركيز على كلامهما لأن تيسيا، التي اضطرت للتراجع خطوةً بينما كنتُ أدفع نفسي لأتنفس، تراجعت بتردد إلى الأمام.

 

 

مددت يدي إلى الغلاف الجوي وحاولت سحب الأثير منه إلى نواتي، لكن لم يكن هناك أيٌّ منه تقريبًا. ثم اتجهت نحو النهر، لكنني لم أستطع سحب الأثير منه؛ كانت قوة السحب قوية جدًا. وهكذا، تقدمت نحو الشاطئ وانحنيت.

رفعت يدها إلى وجهي، ثم مسحت شعري المبلل بالعرق البارد. نهضت على أطراف أصابعها، وانحنت إلى الأمام، وقبلتني برفق.

 

 

 

تباطأ نبضي، وخفّ بعض الضغط عن صدري. أسندتُ جبهتي على جبهتها، حريصًا على ألا أخدشها بقرون درعي الأثري. لم يتحدث أيٌّ منا؛ لم تكن هناك حاجة. كنا نقول كل ما يجب قوله بيننا.

هبَّت أنفاسٌ دافئةٌ مالحةٌ على وجهي، بينما الكائن، تجلٍّ من الأثير الخام، غضب الموتى، يختنق في وجهي، وأنياب الأثير تتقلص ووجهه الممدود يتسطح. “حياة،” زفر بصوتٍ كالريح تخترق الصخور. جعل الصوت دمي يتجمد. “حياةٌ مكروهةٌ، حياةٌ مريعة. يجب أن أقضي عليك. أُفرغـ… ـكَ.” انبثقت ذراعان نحيلتان فجأةً من الجذع، تمتدان إلى يديَّ وحلقي.

 

هززتُ رأسي، وسقطت خصلة من شعري الأشقر القمحي أمام عينيّ. دفعتُها للخلف. “لم يخلق أغرونا هذا المخلوق،” أجبتُ. “لا أعتقد أنه يستطيع فعل أي شيء هنا. ربما إسقاط الجن، جي آي… لكنها في الأساس فهرس مكتبة واعي كما أفهم. إنها لا تصنع المقابر الأثرية، بل تتعقبها فقط، وتساعد في التنقل فيها، وما إلى ذلك.”

جذبت نبضات المانا والمعدن نظراتنا إلى كلير. “سأقف حارسة. إذا تعرضنا لهجوم آخر، فدعوا الأمر لي. إذا تصرف أعداء آخرون بنفس معايير هذا العدو، فسيمنحني شكلي الخارجي ميزةً جوهرية ضدهم. لا أصدق أنني في وضع يسمح لي بقول هذا لكم جميعًا، لكن… سأحافظ على سلامتكم.” ابتسمت ابتسامة عريضة. “فقط اكتشفوا كيف تخرجوننا من هنا.”

 

 

 

نظر بايرون إلى قدميه، وفكه متجهم. ورغم محاولته، لم يستطع إخفاء الإحباط عن ملامحه.

‘ما هذا الشيء،’ فكرت بصوت ضعيف، وكانت الكلمات في الجزء الخلفي من ذهني بينما ظل تركيزي الواعي على حركتي التالية.

 

 

تابعتُ عيناي كلير وهي تُبعد الشكل الخارجي، بادئةً مسارًا أشبه بدوريةٍ صعودًا وهبوطًا على ضفة النهر. لكن أفكاري كانت مُنصبّةً على ما قالته: إن افتقارها الفطري للقوة الشخصية كان نعمةً لنا هنا. حمتها القدرات القتالية للشكل الخارجي من تجلٍ حاول مُضاهاة قوتها، أو حتى التغلب عليها.

 

 

ربتت على ذراعه قبل أن يطير بعيدًا. “شكرًا لك. وبايرون… لا تدع هذا المكان يُقلبك على نفسك.”

[[**: التجلي هو الشيء أو الكائن الذي يتجلى/يظهر من قوة ما.. أو شيء ماء. في العادي غير مادي.]

غمست يدي في الماء.

 

 

أعطتني هذه الفكرة فكرة أخرى. “ريجيس، ساعدني في هذا.”

 

 

أنا أيضًا لم أفعل، لكن سيلفي استطاعت. ليس عبر الأثير، بل… عبر الماء نفسه. رمقتها بنظرة، فبادلت النظرة، ولم يفهم أيٌّ منا سبب شعورها بالماء كعضو إضافي.

تلاشى في اللاجسدية وتسلل إلى صدري، ثم عاد. ذاب الدرع عن جسدي وسحبه ريجيس معه. تسلل إلى صدر تيسيا—أطلقت صرخة مفاجأة صغيرة، “ووها!”—ثم أطلق جاذبيته على الدرع. انتشر على الفور كالريش على جسد تيسيا.

 

 

 

بقيت الحراشف السوداء والزخارف الذهبية، لتشكل صدفةً محكمةً ومتماسكةً حول جسد تيسيا. وبدلًا من التروس والدروع البيضاء الثقيلة، كانت تلك التي تشكلت على تيسيا أنيقةً، لؤلؤيةً، ومزخرفةً بأوراق الشجر. لم تكن هناك خوذة، بل قلنسوة داكنة محاطة بزخارف ذهبية معلقة خلف رقبتها.

 

 

 

بينما تنظر إلى نفسها بدهشة، مددت يدي حولها ورفعت غطاء الرأس. تكثفت المانا في خوذة تغطي الجزء العلوي من وجهها. لمست أصابعها المدرعة بالحراشف القناع الواقي على طول حافة غطاء الرأس. انفرجت شفتاها، لكنها بدت عاجزة عن الكلام.

 

 

 

“قد يعطيكِ هذا الأفضلية إذا انتهى بك الأمر وجهًا، لوجه مع شيء آخر من هذه الأشياء،” أوضحتُ وأنا أمرر خصلة من شعرها الفضي المعدني بين أصابعي.

 

 

 

“أشعر بالنهر الآن،” قالت، ورأسها يتجه نحوه. “كل ذلك الأثير المتدفق. إنه… يجذب الدرع.”

جذب انتباهي صوت كشط حاد عبر تيسيا إلى حيث كان الكائن الخارجي الذي يشبه الغريفون كلير بليدهارت يرقد على ظهره، وكانت إحدى ساقيه ممتدة إلى حد كافٍ بحيث تلمسها حافة الماء المتلألئة.

 

تباطأ نبضي، وخفّ بعض الضغط عن صدري. أسندتُ جبهتي على جبهتها، حريصًا على ألا أخدشها بقرون درعي الأثري. لم يتحدث أيٌّ منا؛ لم تكن هناك حاجة. كنا نقول كل ما يجب قوله بيننا.

أومأتُ برأسي. “الدرعُ يجذب الأثير، لكن قوة جذب النهر قوية جدًا. انتبهي. لا أعرف ماذا سيحدث لو دخلتِ.” وبينما كنتُ أقول ذلك، قفزت عيناي إلى سيلفي.

‘لا تقلق يا أميرتي، فقط استلق هناك بينما نتعرض نحن الباقين للضرب المبرح!’ هدر ريجيس في ذهني.

 

ظهرت فاراي أمامي، جسدها مُغلّف بطبقة سميكة من الجليد، كتمثالٍ يمشي. تجمد الهواء، وقفز المانا الكثيف استجابةً لندائها. ألقى الكائن بنفسه على جدار الجليد والتصق به بينما كان الجليد يتمدد بسرعة، مُحيطًا به. في لحظة، غُطّيت بكتلة زرقاء مثالية، لا شيء يتحرك سوى عينه التي توهجت غضبًا وهو يُركّز على فاراي.

ضغطتُ على يد تيسيا، والتفتُّ إلى فاراي وبايرون. “حسنًا. علينا أن نفهم ما يحدث هنا. فاراي، لقد اندمجت، أي أنك وصلت إلى مستوى أعلى من التلاعب بالمانا من أي شخص آخر هنا. مع أن هذا قد لا يجعلك إرثًا، إلا أنك أفضل فرصة لدينا لفهم ما تفعله المانا هنا.” فركتُ مؤخرة رقبتي. “لا أستطيع امتصاص المزيد من الأثير، والنهر قد سحب الكثير بالفعل. عليّ الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الطاقة، في حال كانت قدراتي ضرورية للهروب من هذا المكان.”

 

 

 

تبادل الرمحان نظرة. “سأشرح هذه التعويذة،” أكدت فاراي. تطلعت عيناها إلى تيسيا. “سيدة إيراليث، لقد عشتِ في عقل الإرث. مع أن جسدكِ قد لا يكون متكاملًا، إلا أن عقلكِ كان كذلك، على الأقل لفترة. من فضلكِ، اجلسي معي؟”

تلاشى في اللاجسدية وتسلل إلى صدري، ثم عاد. ذاب الدرع عن جسدي وسحبه ريجيس معه. تسلل إلى صدر تيسيا—أطلقت صرخة مفاجأة صغيرة، “ووها!”—ثم أطلق جاذبيته على الدرع. انتشر على الفور كالريش على جسد تيسيا.

 

 

اتسعت عينا تيسيا خلف الخوذة نصفية الوجه. أنزلت غطاء الرأس، فذابت الخوذة. “بالتأكيد.” ابتسمت ابتسامة خفيفة. “لكنني لم أحضر أي حلوى للتدريب هذه المرة.”

قوة مرفقي وهو يدفع الرمال السوداء جعلت الأرض تبلور تحتي. صدمت مفاصلي في معدتي، أسفل عظمة القص مباشرة، وشعرت بمعصمي ينهار بفعل الأثير، والأوتار تلتوي، والعظام تنكسر، والعضلات تتمزق. لمعت رؤيتي بيضاء من شدة الألم، وكافحت للحفاظ على وعيي.

 

“باستثناء أنه بدلًا من أن يكون قويًا بما يكفي ليكون تحديًا، فقد كان قادرًا على ركل مؤخراتنا،” قال ريجيس بين لعقات صاخبة لجرحه، الذي كان يغلق بسرعة.

رمشت فاراي لها، ثم أطلقت ضحكة مرحة مفاجئة. “يا للأسف!” شبك الاثنان ذراعيهما وسارا مسافة قصيرة على الشاطئ، حيث جلسا على الرمال وبدأا بالحديث والإيماء.

 

 

 

‘ريجيس، ابقَ مع تيسيا. حتى مع الدرع—’

 

 

 

“لا مزيد من الكلام يا رفاق،” أجاب ريجيس، الذي ظهر بجانبنا فور تشكّل الدرع، بخفة. مشى ببطء وجلس على بُعد خطوات قليلة من الاثنين، وعيناه اللامعتان تراقبان الشاطئ بحذر.

خفضت مرفقي الأيمن إلى الأرض، وقبضتي مشدودة، والأثير يتدفق إلى الطرف لتمكين كل عضلة ووتر، وبناء استعداد لإطلاق سلسلة من الانفجارات في الوقت المناسب تمامًا.

 

هبَّت أنفاسٌ دافئةٌ مالحةٌ على وجهي، بينما الكائن، تجلٍّ من الأثير الخام، غضب الموتى، يختنق في وجهي، وأنياب الأثير تتقلص ووجهه الممدود يتسطح. “حياة،” زفر بصوتٍ كالريح تخترق الصخور. جعل الصوت دمي يتجمد. “حياةٌ مكروهةٌ، حياةٌ مريعة. يجب أن أقضي عليك. أُفرغـ… ـكَ.” انبثقت ذراعان نحيلتان فجأةً من الجذع، تمتدان إلى يديَّ وحلقي.

قال بايرون بحزم، دون أن ينظر إليّ، “سأستكشف المكان من حولنا.” كان متوترًا ومتيبسًا وهو يبتعد، وعلى وجهه تعبيرٌ عابس.

فزعت تيسيا بجانبي. “ما هذا؟” ثم، وبينما عيناها تبحثان عن شيء لم أره، اخضرَّ وجهها وارتسمت عليه نظرة قلق، ثم استدارت بسرعة بعيدًا عن الخلفية الغامضة. “يا للعجب، شمس ونجوم، لكن هذا مُريع. أتمنى لو نستطيع فعل شيء حيال… هذا.” أشارت بيدها بشكل غامض إلى العدم خلفنا.

 

 

ربتت على ذراعه قبل أن يطير بعيدًا. “شكرًا لك. وبايرون… لا تدع هذا المكان يُقلبك على نفسك.”

 

 

 

عبس، لكنه أومأ لي بفهم. وبينما يرتفع في الهواء، تساقطت عنه سحابة رقيقة من الرمال السوداء. ثم استدار وطار بعيدًا، وتوهج ضوء أزرق—أبيض خافت حوله.

 

 

 

أخذتُ نفسًا عميقًا وحبسته لثوانٍ قبل أن أزفره ببطء، وأعود أخيرًا إلى رابطتي. لا تزال سيلفي واقفة في النهر، يداها تتدليان فيه، وعيناها شاخصتان بعيدًا.

 

 

 

“ماذا ترين؟” سألتها وأنا غير قادر على استشعار حركة عقلها.

طفا بايرون عن الأرض، وامتلأ رمحه القرمزي بالبرق، وهو يجمع المانا. “لا أشعر بشيء.”

 

 

عدّلت قدميها، وغاصت قليلًا في الماء. “كيف يبدو النهر بالنسبة لك يا آرثر؟”

فتح الكائن، بوجهه الممدود، فكيه على اتساعهما، وأطلق صرخة مدوية صاخبة، نتج عنها خطوط صوتية مرئية جعلت بصري يتحول من الأرجواني إلى الأبيض. تناثرت عليه التعاويذ من يميننا—جليد، وبرق، ومانا خالصة—لكنها فشلت جميعها في إحداث أي ضرر يُذكر. بدا منيعًا تقريبًا. حتى الجرح في جانبه كان قد أُغلق بالفعل.

 

“عليك فقط أن تقول ذلك،” قال ريجيس وهو يشعر بالغضب.

عبست. أغمضت عينيّ، وركزت عليه تمامًا. على الرغم من كثافة الأثير غير القابلة للقياس، فمن الصعب جدًا الشعور به. إن جاذبيته هائلة لدرجة أنه بدا وكأنه يسحب معه حتى إشعاع القوة الأثيرية. “خطر. إنه أشبه بالفراغ منه بالفراغ نفسه.”

 

 

تجمدنا جميعًا، نستعد لهجوم آخر. تحركت كلير بين المجموعة والاتجاه الذي كانت تنظر إليه تيسيا، وسيفها ممدود كأنه مستعد للهجوم. مرت ثوانٍ طويلة، لكن لم يأتِ أي هجوم.

أومأت برأسها شاردةً دون أن تنظر إليّ. “لأن الوقت قد حان. إنه يسير في اتجاه واحد فقط. على الأقل بالنسبة لمعظم الناس. لكن بالنسبة لي…” رفعت رأسها، والتقت عيناها الذهبيتان بعينيّ كانعكاس. “آرثر…”

تبادل الرمحان نظرة. “سأشرح هذه التعويذة،” أكدت فاراي. تطلعت عيناها إلى تيسيا. “سيدة إيراليث، لقد عشتِ في عقل الإرث. مع أن جسدكِ قد لا يكون متكاملًا، إلا أن عقلكِ كان كذلك، على الأقل لفترة. من فضلكِ، اجلسي معي؟”

 

 

“يمكنني رؤية كل شيء.”

 

 

 

————————

عدّلت قدميها، وغاصت قليلًا في الماء. “كيف يبدو النهر بالنسبة لك يا آرثر؟”

 

سحبت نفسي من تحت الشكل الأثيري الرقيق، المظلم، وبالكاد وصلت إلى قدمي قبل أن ترتطم القبضة.

وصلنا لنهاية رحلتنا مع بعض! بإذن الله سيكون هذا الفصل هو الأخير لي في ترجمة العمل؛ لعدم توافر الدعم. ولمن سيسأل، فأنا لست مترجم العمل الأصلي.. بل أنا مترجم بأجر.

 

 

 

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

وضربت مجموعة أخرى من التعويذات من عدة زوايا، مما أدى إلى سقوط ريجيس على ظهره، وفمه المليء بالدمار يصرخ.

 

 

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

“آرثر، لا تفعل ذلك،” قالت سيلفي، لكن صوتها كان جافًا، خاليًا من القصد أو التحذير.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملوك الروايات

تحديث التعليقات وصل!

حدّث التطبيق واستمتع بالميزات الجديدة

حدّثنا التطبيق بميزات جديدة كثيرة! نظام تعليقات، تنبيهات فصول، بحث بالتصنيفات، وأكثر. حدّث التطبيق الآن لتستمتع بكل هذا.
الجديد في التحديث:
نظام تعليقات جديد متوافق مع الموقع
تنبيهات الفصول الجديدة والتعليقات
البحث عن طريق التصنيفات
إضافة وضع الفشيخ في إعدادات القراءة
خيارات تخصيص جديدة وتحسينات في الواجهة
إصلاح بعض المشاكل العامة
نستقبل اقتراحاتكم للتحديثات القادمة على سيرفر الديسكورد: انضم إلينا

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط