هدف جومانجي
عاد جومانجي إلى القرية التي أضحت مسرحاً لسكونٍ مطبق؛ جال ببصره في الأرجاء، يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً، فلم يقع نظره إلا على ضبابٍ رمادي كثيف يلفّ البيوت، كأنه كفنٌ منسوجٌ من هالات الموت الغريبة.
عاد جومانجي إلى القرية التي أضحت مسرحاً لسكونٍ مطبق؛ جال ببصره في الأرجاء، يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً، فلم يقع نظره إلا على ضبابٍ رمادي كثيف يلفّ البيوت، كأنه كفنٌ منسوجٌ من هالات الموت الغريبة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com أما الماء، فلم يكن همّاً يؤرقه؛ فقد كانت الأرض تجود بينابيع وأنهارٍ صغيرة لا تنقطع، يطلق عليها اسم “البنسنس”، تجري في كل مكان وكأنها عروق الغابة التي تمنح الحياة لعابر السبيل الظمآن.
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"})
تلك القرية التي ضجّت يوماً بالحياة والمرح، استحالت الآن أطلالاً قاحلة، حتى نوارس الهواء فيها غدت ثقيلة وباردة، تحمل طعم الرماد.
وقف جومانجي أمام باب بيته الموصد، وبغريزةٍ لم تمحُها سنوات الغياب، رفع يده المرتجفة ليدق كما اعتاد دائماً..
توغل جومانجي في أحشاء الغابة يوماً تلو الآخر، مواصلاً مسيره دون انقطاع إلا لساعاتٍ معدودة يختلسها للنوم أو لإرواء عطشه، حتى نفد كل ما حمله معه من زادٍ يسير من أطلال القرية.
**دق.. دق..**
شعر جومانجي ببرودة الخطر تسري في أوصاله وهو يرمق ذاك الوحش الذي يتجاوز طوله المترين؛ وأثناء محاولته التراجع ببطء لتفادي مواجهةٍ لا يملك قوتها، خذلته قدماه ودهست غصناً ذابلاً، فأحدث صوتاً مدوياً في سكون المكان.
التفت جومانجي نحو قبري والديه، وارتمى فوق التراب محاولاً النوم في حضن كل منهما لبرهة؛ كان يتوق لذاك الدفء الذي غمره منذ نعومة أظفاره، ويستجدي لمسة حنانٍ تضمد جراحه الغائرة، لكنه لم يجد سوى قسوة البرد المنبعثة من أعماق الأرض، برودةً أخبرته بيقينٍ مر أن الأمان الذي عرفه قد ولى بلا رجعة.
انتظر لثوانٍ، ورغم علمه اليقين بأن الصدى هو الرد الوحيد، إلا أن قلبه لم يسمح له بأن لا يفعل ذلك. لم يأتِ رد. دفع الباب المتهالك ودخل، فاستقبله ظلامٌ دامس ورائحة غبارٍ عتيق.
ومع توغله أكثر فأكثر، بدأ الخواء ينهش أحشاءه، وتعالت من جوفه قرقراتُ الجوع المرير التي لم يجد لها صدىً سوى حفيف الأشجار.
****
في الماضي، كان مجرد سماع هذه الدقات إيذاناً بانطلاق التوأمين بضحكاتهما الصاخبة ليرتميا في حضنه، تلك اللحظات التي كان يراها أثمن ما يملكه الإنسان.. أما الآن، فلم يجد سوى صمتٍ يمزق الروح، وزوايا فارغة تخلو حتى من صدى ضجيجهم القديم.
تقدم الفتى بخطواتٍ مثقلة نحو كرسيٍّ خشبيّ يتوسط الردهة؛ جلس عليه واتكأ للخلف، مغمضاً عينيه السوداوين اللتين غارتا في محجريهما من فرط التعب النفسي.
أراد أن يغرق في لُجّة الهدوء، علّه يجد جواباً لأسئلته المرة: لماذا تُرِك وحيداً في هذا العالم الشاسع؟ ومن هؤلاء الذين تجرأوا على وأد الحياة في عروق قريته بفعلتهم الخبيثة تلك؟ أيُّ ذنبٍ اقترفه برعمان صغيران لم يدركا بعدُ خيط الخطأ من الصواب ليواجها موتاً بهذا السواد؟
222222222 window.pubfuturetag = window.pubfuturetag || [];window.pubfuturetag.push({unit: "691c49610b02532d2b2fde29", id: "pf-17553-1"})
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
كان جومانجي في ذروة انكساره؛ استجدا قلبه المشتعل أن تذرف عيناه دمعةً واحدة تطفئ ذاك الحريق الذي ينخر في أعماقه، لكن الدموع استعصت عليه وأبت أن تنزل، وكأن مآقيه قد جفّت تماماً كما جفّت في جسده القديم المتآكل، ليبقى الألم محبوساً في صدره بلا مخرج.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
وبعد ساعاتٍ من العزلة والسكينة الموحشة، قرر أن يغادر أطلال بيته؛ فقد حان الوقت لمواجهة الواقع الأشد قسوة. اتجهت قدماه نحو المقبرة، تلك البقعة التي لم تعد مجرد ركنٍ للأموات، بل أصبحت هي “القرية” الحقيقية، حيث اجتمعت عائلته وكل من عرفهم تحت ترابها الصامت.
توغل جومانجي في أحشاء الغابة يوماً تلو الآخر، مواصلاً مسيره دون انقطاع إلا لساعاتٍ معدودة يختلسها للنوم أو لإرواء عطشه، حتى نفد كل ما حمله معه من زادٍ يسير من أطلال القرية.
تراجع جومانجي بضع خطوات، منحنياً بوقارٍ لوالديه، ثم تراجع أكثر حتى شملت رؤيته تلك القبور المصطفة التي حوت كل أثرٍ لعائلته وعالمه القديم.
جثا جومانجي بجانب قبر طفليه، وأخذ يداعب التراب بأطراف أصابعه برقةٍ متناهية، وكأنه يداعب خصلات شعرهما أو يمسح على وجنتيهما الصغيرتين.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
التفت إليه رفيقه الذي كان يجاريه السرعة، وعلامات القلق ترتسم على وجهه: “علينا العثور عليه فوراً، يجب أن يعود معنا مهما كلف الأمر، لا يمكننا تركه يهيم هكذا”.
“آسف.. أنا آسف حقاً لأنني خذلتكما”، همس بها وصوته يتهدج بمرارة العجز؛ فقد استوطن الندم قلبه، وحمّل نفسه وزر ما جرى رغم أن الداء كان أقوى من طاقة البشر، لكنه منطق الأبوة الذي يأبى إلا أن يكون الدرع الذي لا يُخترق، وقد كُسر ذاك الدرع أمام عينيه.
التفت إليه رفيقه الذي كان يجاريه السرعة، وعلامات القلق ترتسم على وجهه: “علينا العثور عليه فوراً، يجب أن يعود معنا مهما كلف الأمر، لا يمكننا تركه يهيم هكذا”.
وقبل أن يمضي بعيداً، قاده فضوله وتوجسه نحو الكهف المنسي؛ كان يبحث عن جسده القديم، ذاك الوعاء المهترئ الذي سكنه لسنوات، لكنه لم يجد له أي أثر، وكأن المكان قد لُفّ بسحرٍ غامض طمس كل معالمه السابقة.
التفت جومانجي نحو قبري والديه، وارتمى فوق التراب محاولاً النوم في حضن كل منهما لبرهة؛ كان يتوق لذاك الدفء الذي غمره منذ نعومة أظفاره، ويستجدي لمسة حنانٍ تضمد جراحه الغائرة، لكنه لم يجد سوى قسوة البرد المنبعثة من أعماق الأرض، برودةً أخبرته بيقينٍ مر أن الأمان الذي عرفه قد ولى بلا رجعة.
تراجع جومانجي بضع خطوات، منحنياً بوقارٍ لوالديه، ثم تراجع أكثر حتى شملت رؤيته تلك القبور المصطفة التي حوت كل أثرٍ لعائلته وعالمه القديم.
ثم انحنى بجسده اليافع على قبر شريكة عمره وأم ولديه، تلك التي نبتت جذور حياته معها منذ الصغر، ولم يفرق بينهما دربٌ قط.
تمزقت ملابسه عند ظهره، وبدأ الدم الدافئ ينسكب غزيراً ليروي تراب الغابة، بينما كان جومانجي يزحف للخلف بوهن، وعيناه مسمرتان على الوحش الذي اقترب منه زافراً أنفاساً كريهة، وأنيابه تقطر دماً بشرياً.
وقف يتأمل سكونها الأبدي، مدركاً بشاعة الفراق؛ فالموت ذاك الخصم العتيد لا يفرق بين صغيرٍ أو كبير، ولا يرحم ضعف امرأةٍ أو شموخ رجل، بشرٌ كانوا أو غير ذلك.. إذا حلّ أوانه، سطر النهاية بمدادٍ من صمت.
أراد أن يغرق في لُجّة الهدوء، علّه يجد جواباً لأسئلته المرة: لماذا تُرِك وحيداً في هذا العالم الشاسع؟ ومن هؤلاء الذين تجرأوا على وأد الحياة في عروق قريته بفعلتهم الخبيثة تلك؟ أيُّ ذنبٍ اقترفه برعمان صغيران لم يدركا بعدُ خيط الخطأ من الصواب ليواجها موتاً بهذا السواد؟
“آسف.. أنا آسف حقاً لأنني خذلتكما”، همس بها وصوته يتهدج بمرارة العجز؛ فقد استوطن الندم قلبه، وحمّل نفسه وزر ما جرى رغم أن الداء كان أقوى من طاقة البشر، لكنه منطق الأبوة الذي يأبى إلا أن يكون الدرع الذي لا يُخترق، وقد كُسر ذاك الدرع أمام عينيه.
تراجع جومانجي بضع خطوات، منحنياً بوقارٍ لوالديه، ثم تراجع أكثر حتى شملت رؤيته تلك القبور المصطفة التي حوت كل أثرٍ لعائلته وعالمه القديم.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com وقف يتأمل سكونها الأبدي، مدركاً بشاعة الفراق؛ فالموت ذاك الخصم العتيد لا يفرق بين صغيرٍ أو كبير، ولا يرحم ضعف امرأةٍ أو شموخ رجل، بشرٌ كانوا أو غير ذلك.. إذا حلّ أوانه، سطر النهاية بمدادٍ من صمت.
في هذه الأثناء، كان جومانجي يشق طريقه بخطواتٍ وئيدة ومثقلة؛ فقد نال منه التعب والهزال مبلغاً، ولم يذق طعماً للزاد منذ ثلاثة أيام بلياليها.
انحنى بعمقٍ أمامهم جميعاً، ثم انتصب في وقفته ونظر إلى شواهد القبور بعينين يشتعل فيهما تصميمٌ غريب وقال بصوتٍ هزَّ أركان الصمت: “إن كان الموت قد اختطفكم مني غدراً، فأنا جومانجي أستار، أُعلن تمردي عليه.. سأعيد إحياءكم حتى لو كان الثمن حياتي ذاتها. أعدكم بذلك”.
لقد وُلد هذا القرار في عتمة بيته قبل قليل، ونما في قلبه كشجرةٍ صلبة الجذور؛ فشوقه لضحكات أطفاله، ودفء والديه، وألفة أهل قريته صار أقوى من رهبة الفناء.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com انتظر لثوانٍ، ورغم علمه اليقين بأن الصدى هو الرد الوحيد، إلا أن قلبه لم يسمح له بأن لا يفعل ذلك. لم يأتِ رد. دفع الباب المتهالك ودخل، فاستقبله ظلامٌ دامس ورائحة غبارٍ عتيق.
تذكر في تلك اللحظة كلمات العجوز حين سأله يوماً عن أسرار العالم الخارجي، وكيف همس بوجود قوىً قادرة على نبش الموتى وإعادتهم للحياة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
حاول جومانجي استجماع قواه لصيد ما يقتات به من حيوانات الغابة، لكنه وجد نفسه عاجزاً بلا عُدّةٍ تعينه أو جسدٍ قوي يألف مهارات الصيد.
ورغم أن العجوز أتبع قوله بنفيٍ قاطع مؤكداً أنها مجرد أساطير، إلا أن جومانجي لم يعد يهتم بالحقائق الراسخة؛ بل أراد التشبث بخيطٍ، ولو كان واهياً، يقوده إلى ذاك الشيء المحظور.
تمزقت ملابسه عند ظهره، وبدأ الدم الدافئ ينسكب غزيراً ليروي تراب الغابة، بينما كان جومانجي يزحف للخلف بوهن، وعيناه مسمرتان على الوحش الذي اقترب منه زافراً أنفاساً كريهة، وأنيابه تقطر دماً بشرياً.
لن يظل قابعاً ينتظر الموت يفعل ما يحلو به؛ بل سيمضي في طريقه باحثاً عن المستحيل، فأن يموت وهو يحاول، خيرٌ له من أن يعيش نادماً على عدم المحاولة، وحينها فقط، لن يلومه أحد لأنه فعل كل ما وسعه وأكثر.
جثا جومانجي بجانب قبر طفليه، وأخذ يداعب التراب بأطراف أصابعه برقةٍ متناهية، وكأنه يداعب خصلات شعرهما أو يمسح على وجنتيهما الصغيرتين.
انحنى بعمقٍ أمامهم جميعاً، ثم انتصب في وقفته ونظر إلى شواهد القبور بعينين يشتعل فيهما تصميمٌ غريب وقال بصوتٍ هزَّ أركان الصمت: “إن كان الموت قد اختطفكم مني غدراً، فأنا جومانجي أستار، أُعلن تمردي عليه.. سأعيد إحياءكم حتى لو كان الثمن حياتي ذاتها. أعدكم بذلك”.
استدار جومانجي ليرمق الأفق البعيد، وهمس بصوتٍ رزين يحمل ثقل الجبال: “سأعود يوماً ما.. هذا عهدٌ قطعته”. ثبّت قبعة الخيزران فوق رأسه ليغطي ملامحه اليافع، ثم حثّ خطاه مغادراً أطلال قريته المنكوبة.
لكن الدب كان سريعاً بشكلٍ مرعب رغم ضخامة حجمه؛ فالمسافة بينهما بدأت تتقلص بلمح البصر، وجومانجي يلهث بصعوبةٍ وقد استنزف التعب آخر ذرات طاقته.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
وقبل أن يمضي بعيداً، قاده فضوله وتوجسه نحو الكهف المنسي؛ كان يبحث عن جسده القديم، ذاك الوعاء المهترئ الذي سكنه لسنوات، لكنه لم يجد له أي أثر، وكأن المكان قد لُفّ بسحرٍ غامض طمس كل معالمه السابقة.
“أين اختفى؟ وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته!” تمتم بذهول وهو يفتش الزوايا المظلمة. توقف فجأة وقد داهمته عاصفة من التساؤلات المريرة: “لماذا أنا في هذا الجسد تحديداً؟ وكيف انتقلت روحي إليه؟ ومن ذا الذي يملك القدرة على فعل هذا الأمر.. وما هي غايته الحقيقية مني؟”
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com التفت الدب بسرعةٍ خاطفة وهو يطلق زمجرةً هزت أركان الغابة، والتقت عيناه بعيني جومانجي الصعير.. وما زاد من رعب الفتى هو رؤيته لبقايا يدٍ بشرية تتدلى من بين فكي الوحش الملطخين بالدماء.
لم يجد بين جدران الكهف الصامتة جواباً يشفي غليله، بل وجد صمتاً يزيده حيرة. نفض عنه غبار الحيرة، وجمع شتات نفسه منطلقاً نحو المجهول؛ اخترق غابة الخيزران الكثيفة التي تبعد كيلومتراتٍ قليلة عن حدود القرية، تاركاً وراءه حياته القديمة ليبدأ رحلته الجديدة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
توغل جومانجي في أحشاء الغابة يوماً تلو الآخر، مواصلاً مسيره دون انقطاع إلا لساعاتٍ معدودة يختلسها للنوم أو لإرواء عطشه، حتى نفد كل ما حمله معه من زادٍ يسير من أطلال القرية.
تمزقت ملابسه عند ظهره، وبدأ الدم الدافئ ينسكب غزيراً ليروي تراب الغابة، بينما كان جومانجي يزحف للخلف بوهن، وعيناه مسمرتان على الوحش الذي اقترب منه زافراً أنفاساً كريهة، وأنيابه تقطر دماً بشرياً.
ورغم قطعه لمسافاتٍ شاسعة في عمق ذاك الخفاء الأخضر، لم يلمح طيف بشرٍ واحد؛ فصارت الغابة رفيقته الوحيدة، وغدا الصمتُ صديقاً يألفه.
ومع توغله أكثر فأكثر، بدأ الخواء ينهش أحشاءه، وتعالت من جوفه قرقراتُ الجوع المرير التي لم يجد لها صدىً سوى حفيف الأشجار.
لقد وُلد هذا القرار في عتمة بيته قبل قليل، ونما في قلبه كشجرةٍ صلبة الجذور؛ فشوقه لضحكات أطفاله، ودفء والديه، وألفة أهل قريته صار أقوى من رهبة الفناء.
حاول جومانجي استجماع قواه لصيد ما يقتات به من حيوانات الغابة، لكنه وجد نفسه عاجزاً بلا عُدّةٍ تعينه أو جسدٍ قوي يألف مهارات الصيد.
شعر جومانجي ببرودة الخطر تسري في أوصاله وهو يرمق ذاك الوحش الذي يتجاوز طوله المترين؛ وأثناء محاولته التراجع ببطء لتفادي مواجهةٍ لا يملك قوتها، خذلته قدماه ودهست غصناً ذابلاً، فأحدث صوتاً مدوياً في سكون المكان.
أما الماء، فلم يكن همّاً يؤرقه؛ فقد كانت الأرض تجود بينابيع وأنهارٍ صغيرة لا تنقطع، يطلق عليها اسم “البنسنس”، تجري في كل مكان وكأنها عروق الغابة التي تمنح الحياة لعابر السبيل الظمآن.
ورغم قطعه لمسافاتٍ شاسعة في عمق ذاك الخفاء الأخضر، لم يلمح طيف بشرٍ واحد؛ فصارت الغابة رفيقته الوحيدة، وغدا الصمتُ صديقاً يألفه.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com وبعد ساعاتٍ من العزلة والسكينة الموحشة، قرر أن يغادر أطلال بيته؛ فقد حان الوقت لمواجهة الواقع الأشد قسوة. اتجهت قدماه نحو المقبرة، تلك البقعة التي لم تعد مجرد ركنٍ للأموات، بل أصبحت هي “القرية” الحقيقية، حيث اجتمعت عائلته وكل من عرفهم تحت ترابها الصامت.
****
“أين اختفى ذلك الصبي المدلل؟!” هدر أحد الرجال بصوتٍ لاهث وهو يركض مخترقاً أحراش الغابة الكثيفة.
كان جومانجي في ذروة انكساره؛ استجدا قلبه المشتعل أن تذرف عيناه دمعةً واحدة تطفئ ذاك الحريق الذي ينخر في أعماقه، لكن الدموع استعصت عليه وأبت أن تنزل، وكأن مآقيه قد جفّت تماماً كما جفّت في جسده القديم المتآكل، ليبقى الألم محبوساً في صدره بلا مخرج.
التفت إليه رفيقه الذي كان يجاريه السرعة، وعلامات القلق ترتسم على وجهه: “علينا العثور عليه فوراً، يجب أن يعود معنا مهما كلف الأمر، لا يمكننا تركه يهيم هكذا”.
ومع توغله أكثر فأكثر، بدأ الخواء ينهش أحشاءه، وتعالت من جوفه قرقراتُ الجوع المرير التي لم يجد لها صدىً سوى حفيف الأشجار.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
رد الأول بحنقٍ وهو يتخطى جذوع الأشجار: “معك حق، هذا الصغير لا يعرف قدر نفسه حقاً.. يظن أن العالم ملكٌ له ويفعل ما يشاء أينما ارتحل، حتى إخوته الذين في مثل عمره لم يجرؤ أحدهم على اقتراف حماقةٍ كهذه والقدوم معنا”.
تمزقت ملابسه عند ظهره، وبدأ الدم الدافئ ينسكب غزيراً ليروي تراب الغابة، بينما كان جومانجي يزحف للخلف بوهن، وعيناه مسمرتان على الوحش الذي اقترب منه زافراً أنفاساً كريهة، وأنيابه تقطر دماً بشرياً.
توقف الثاني لبرهة ليلتقط أنفاسه ثم قال بحزم: “هيا، لنفترق الآن ونوسع دائرة البحث؛ إن علم السيد بأننا سمحنا له بمرافقتنا فسيصب جام غضبه علينا، وقد نواجه عقوباتٍ قاسية لا قبل لنا بها”.
حاول جومانجي استجماع قواه لصيد ما يقتات به من حيوانات الغابة، لكنه وجد نفسه عاجزاً بلا عُدّةٍ تعينه أو جسدٍ قوي يألف مهارات الصيد.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com أما الماء، فلم يكن همّاً يؤرقه؛ فقد كانت الأرض تجود بينابيع وأنهارٍ صغيرة لا تنقطع، يطلق عليها اسم “البنسنس”، تجري في كل مكان وكأنها عروق الغابة التي تمنح الحياة لعابر السبيل الظمآن.
أومأ الآخر برأسه موافقاً، ثم انطلق في الاتجاه المعاكس ليغوص في أعماق الغابة.
“آسف.. أنا آسف حقاً لأنني خذلتكما”، همس بها وصوته يتهدج بمرارة العجز؛ فقد استوطن الندم قلبه، وحمّل نفسه وزر ما جرى رغم أن الداء كان أقوى من طاقة البشر، لكنه منطق الأبوة الذي يأبى إلا أن يكون الدرع الذي لا يُخترق، وقد كُسر ذاك الدرع أمام عينيه.
في هذه الأثناء، كان جومانجي يشق طريقه بخطواتٍ وئيدة ومثقلة؛ فقد نال منه التعب والهزال مبلغاً، ولم يذق طعماً للزاد منذ ثلاثة أيام بلياليها.
في الماضي، كان مجرد سماع هذه الدقات إيذاناً بانطلاق التوأمين بضحكاتهما الصاخبة ليرتميا في حضنه، تلك اللحظات التي كان يراها أثمن ما يملكه الإنسان.. أما الآن، فلم يجد سوى صمتٍ يمزق الروح، وزوايا فارغة تخلو حتى من صدى ضجيجهم القديم.
فجأة، تناهى إلى سمعه وقعُ حركةٍ مريبة أمامه، فضيّق عينيه محاولاً اختراق كثافة الأشجار، وتقدم بحذرٍ شديد.. ليجمد في مكانه حين وقع بصره على دبٍّ عملاق يربض أمامه، منحنياً بظهره الضخم وكأنه يلتهم فريسةً ما.
التفت إليه رفيقه الذي كان يجاريه السرعة، وعلامات القلق ترتسم على وجهه: “علينا العثور عليه فوراً، يجب أن يعود معنا مهما كلف الأمر، لا يمكننا تركه يهيم هكذا”.
شعر جومانجي ببرودة الخطر تسري في أوصاله وهو يرمق ذاك الوحش الذي يتجاوز طوله المترين؛ وأثناء محاولته التراجع ببطء لتفادي مواجهةٍ لا يملك قوتها، خذلته قدماه ودهست غصناً ذابلاً، فأحدث صوتاً مدوياً في سكون المكان.
تمزقت ملابسه عند ظهره، وبدأ الدم الدافئ ينسكب غزيراً ليروي تراب الغابة، بينما كان جومانجي يزحف للخلف بوهن، وعيناه مسمرتان على الوحش الذي اقترب منه زافراً أنفاساً كريهة، وأنيابه تقطر دماً بشرياً.
التفت الدب بسرعةٍ خاطفة وهو يطلق زمجرةً هزت أركان الغابة، والتقت عيناه بعيني جومانجي الصعير.. وما زاد من رعب الفتى هو رؤيته لبقايا يدٍ بشرية تتدلى من بين فكي الوحش الملطخين بالدماء.
التفت جومانجي نحو قبري والديه، وارتمى فوق التراب محاولاً النوم في حضن كل منهما لبرهة؛ كان يتوق لذاك الدفء الذي غمره منذ نعومة أظفاره، ويستجدي لمسة حنانٍ تضمد جراحه الغائرة، لكنه لم يجد سوى قسوة البرد المنبعثة من أعماق الأرض، برودةً أخبرته بيقينٍ مر أن الأمان الذي عرفه قد ولى بلا رجعة.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
دون تفكير، استدار جومانجي وأطلق ساقيه للريح، بينما انتفض الدب بقوة وبدأ يطارده بصرخاتٍ وحشية دوت في أرجاء الغابة، محولاً الصمت إلى ساحة صراعٍ من أجل البقاء.
كان جومانجي يركض بجسده الهزيل، وقلبه يقرع صدره بعنف، بينما عقله يتساءل: ما هذا الحظ العين لماذا هذا الوحش في هذا المكان؟ أراد الاستفسار أكثر لكن الجوع كان قد شلّ تفكيره، ولم يترك له سوى غريزة الهرب.
ثم انحنى بجسده اليافع على قبر شريكة عمره وأم ولديه، تلك التي نبتت جذور حياته معها منذ الصغر، ولم يفرق بينهما دربٌ قط.
لكن الدب كان سريعاً بشكلٍ مرعب رغم ضخامة حجمه؛ فالمسافة بينهما بدأت تتقلص بلمح البصر، وجومانجي يلهث بصعوبةٍ وقد استنزف التعب آخر ذرات طاقته.
فجأة، برز جذع شجرةٍ ضخم يعترض طريقه؛ حاول القفز من فوقه، لكن جسده الهزيل خانه هذه المرة، فالتوت قدمه عند الحافة ليتهاوى متدحرجاً على الأرض الوعرة.
أومأ الآخر برأسه موافقاً، ثم انطلق في الاتجاه المعاكس ليغوص في أعماق الغابة.
في هذه الأثناء، كان جومانجي يشق طريقه بخطواتٍ وئيدة ومثقلة؛ فقد نال منه التعب والهزال مبلغاً، ولم يذق طعماً للزاد منذ ثلاثة أيام بلياليها.
التفت جومانجي بسرعةٍ والذعر يحتل ملامحه، ليرى مخالب وحشية طويلة تشق الهواء متجهةً نحو صدره؛ وبغريزة البقاء، تدحرج جانباً في اللحظة الأخيرة، لكنه لم ينجُ تماماً؛ إذ أصابته مخالب الدب في ظهره بضربةٍ خاطفة قذفت بجسده اليافع في الهواء، ليصطدم بجذع شجرةٍ قريبة ويسقط أرضاً وهو يرتجف من الصدمة.
تراجع جومانجي بضع خطوات، منحنياً بوقارٍ لوالديه، ثم تراجع أكثر حتى شملت رؤيته تلك القبور المصطفة التي حوت كل أثرٍ لعائلته وعالمه القديم.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com
تمزقت ملابسه عند ظهره، وبدأ الدم الدافئ ينسكب غزيراً ليروي تراب الغابة، بينما كان جومانجي يزحف للخلف بوهن، وعيناه مسمرتان على الوحش الذي اقترب منه زافراً أنفاساً كريهة، وأنيابه تقطر دماً بشرياً.
“أين اختفى ذلك الصبي المدلل؟!” هدر أحد الرجال بصوتٍ لاهث وهو يركض مخترقاً أحراش الغابة الكثيفة.
رفع الدب مخالبه عالياً، مستعداً لتوجيه ضربة النهاية التي ستمزق جسد جومانجي.. وفي تلك اللحظة الحاسمة، شق سهمٌ غاضب الهواء بسرعة البرق، واخترق رأس الدب بدقةٍ متناهية، ليسقط الوحش جثةً هامدة دون حراك، تاركاً خلفه صمتاً مفاجئاً لم يقطعه سوى أنفاس جومانجي المتلاحقة.
لقد وُلد هذا القرار في عتمة بيته قبل قليل، ونما في قلبه كشجرةٍ صلبة الجذور؛ فشوقه لضحكات أطفاله، ودفء والديه، وألفة أهل قريته صار أقوى من رهبة الفناء.
*إقرأ* رواياتنا* فقط* على* مو*قع م*لوك الرو*ايات ko*lno*vel ko*lno*vel. com توقف الثاني لبرهة ليلتقط أنفاسه ثم قال بحزم: “هيا، لنفترق الآن ونوسع دائرة البحث؛ إن علم السيد بأننا سمحنا له بمرافقتنا فسيصب جام غضبه علينا، وقد نواجه عقوباتٍ قاسية لا قبل لنا بها”.
نهاية الفصل
---
ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن
أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات